ما العلاقة بين المستشارين الايطاليين للحفظ الفسيفسائي، الرسام الالماني غوستاف باورنفاير من القرن التاسع عشر ودموع ألم اليهود على جبل البيت (الحرم)، مكان (الهيكل)؟ وبالفعل، فإن المحور الرابط هو الأردن، الذي احتج ملكه عبدالله مرة اخرى هذا الاسبوع على «العدوانية الإسرائيلية في المسجد الاقصى، واقتحام عناصر يهودية متطرفة، إلى نطاق المسجد» على حد قوله.
التفسير هو ان اللوحة التي تعود إلى 130 سنة للرسالم باورنفاير تمجد احدى غرف المملكة الأردنية في عمان. فمبعوثو الحسين، والد الملك عبدالله، اشتروها قبل سنوات عديدة. وتوثق اللوحة مجموعة من اليهود في باب القطانين، احد ابواب الحرم وهم ينظرون بعيون مستطلعة إلى داخل الحرم.
المستشارون الايطاليون ينتمون لعصرنا. فقد أرسلهم الملك عبدالله مؤخرا كي يرمموا الفسيفساء في قبة الصخرة. وكانت سلطة الآثار الإسرائيلية قد اوقفت قبل عدة اسابيع عملهم هناك، بشكل مؤقت، لأنه تضمن نصب سقالات داخل قبة الصخرة وتم بلا ترخيص.
الضلع الثالث في حل اللغز، دموع الالم لليهود على التمييز المتواصل بحقهم في الحرم والشروط التي ترافق زياراتهم اليه، يرتبط بالأردن. فهذه الدموع ـ كما تبين في الاشهر الاخيرة ـ أثارت غضب رجال الاوقاف الأردنية في الحرم، والذين تعاظمت قوتهم في الحرم في السنوات الاخيرة. وكانت النتيجة انه لأول مرة منذ حرب الأيام الستة، أبعدت الشرطة عن الحرم يهودا كل خطيئتهم كانت البكاء على وضعهم في الحرم.
ان هذا الواقع الغريب والقاسي لا يترك القيادة الإسرائيلية غير مبالية. فرئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست آفي ديختر، وزير الامن الداخلي الاسبق، يقول ان اصطلاح «حماية الأقصى» اتسع جدا في الآونة الاخيرة، وبات المسلمون يطبقونه ليس فقط على منطقة المسجد، بل وعلى كل منطقة الحرم. ويقول ديختر ان إسرائيل «لن تسمح بهذا».
أما وزير شؤون القدس، زئيف الكين، فيصف أقوال الملك الأردني عبدالله بأنها «ضريبة كلامية للشارع الأردني». ويشير الكين إلى أن إسرائيل تقدم تنازلات غير مسبوقة في الحرم، بما في ذلك التنازل عن احقاق حق الصلاة لليهود هناك. وهو يعيد التوتر المتجدد مع عمان في مسألة الحرم إلى الإسلام المتطرف.
ولا تختلف محافل رسمية في القدس مع الكين وديختر، ولكنها تسعى إلى الاشارة إلى التعقيدات الجمة في العلاقات بين إسرائيل والأردن، وإلى المصلحة الإسرائيلية في حمايتها من كل شر.
وبالفعل، فإن صورة العلاقات بين إسرائيل والأردن معقدة وهشة، والسلوك الإسرائيلي تجاه المصالح الأردنية في الحرم ينبع من جملة أوسع اضعافا من مسألة الحرم. فلإسرائيل اتفاق سلام مع الأردن، وهي ترى فيه وفي العلاقات مع المملكة الهاشمية ذخرا استراتيجيا، اقليميا وأمنيا. فقد أعفى السلام مع الأردن إسرائيل من الحاجة إلى صيانة خط حدود طويل وخطير. كما ان الأردن يفصل بين العراق وإسرائيل، وكذا بين سوريا وبين السعودية، دولة النفط الكبرى والغنية، حليفة الولايات المتحدة.
على حدود الأردن، سواء من جهة العراق أم من جهة سوريا، يدق اليوم داعش، الذي يحاول بل واحيانا ينجح في أن يكتسب لنفسه معقلا من نطاق المملكة. وحسب منشورات أجنبية، ثمة تعاون وثيق على المستوى الأمني والاستخباري بين إسرائيل والأردن. ويسمح الأردن لإسرائيل بتصدير البضائع عبر أراضيه إلى دول الخليج. وهو يتعاون مع إسرائيل والسلطة الفلسطينية في مشروع قناة البحرين الذي يفترض أن يضخ المياه من البحر الاحمر إلى البحر الميت ويوازن الانخفاض السريع لمستواه. كما أن إسرائيل توفر للأردن الغاز الطبيعي بكميات كبيرة ومن المتوقع ان تربح من ذلك مليارات الشواكل.
خطاب انتخابي؟
في مسألة الاماكن المقدسة والحرم، الوضع معقد بقدر لا يقل: تاريخيا، خسر الأردن معركتين هامتين على الاماكن المقدسة للمسلمين. فقد خسرت الأسرة الهاشمية للسعوديين بعد الحرب العالمية الأولى دور حارس الأماكن الإسلامية المقدسة في مكة والمدينة، وكانت الترضية بالوصاية الثانوية على الأماكن الإسلامية المقدسة في القدس. وفي حرب الايام الستة، حين وحدت إسرائيل شطري القدس، خسرها الأردن هي ايضا. وفي اتفاق السلام الذي وقعه مع إسرائيل في 1994، استعاد الأردن نفوذا جزئيا في الحرم، أخذ فقط بالتعاظم منذئذ.
في إطار الاتفاق، منحت إسرائيل «اولوية عليا للدور الأردني التاريخي في الحرم»، وعمليا وافقت على منحه مكانة عليا في الحرم في اطار الاتفاق الدائم الشامل.
ويرتبط السلوك المعقد حيال الأردن ايضا بمصير النظام ذاته هناك. فسواء إسرائيل ام الولايات المتحدة تخشى على استقرار المملكة، ولا سيما على خلفية التركيبة السكانية هناك. فالبدو والعشائر الموالية للاسرة المالكة يشكلون 30 في المئة فقط من سكان الأردن، ولكنهم يشكلون العمود الفقري الامني والعسكري فيه، بينما الفلسطينيون، الذين هم الاغلبية في الأردن، يشكلون مصدر قلق دائم. والتقدير هو أن تعزيز مكانة الأردن في دور الوصي على الاماكن الإسلامية المقدسة في القدس، يثبت حلم عبدالله. اما الهجوم المتجدد لعبدالله على إسرائيل في مسألة الحرم فينبغي تفسيره، برأي محافل سياسية في القدس، على خلفية الانتخابات للبرلمان الأردني ايضا والتي ستجرى بعد نحو شهر. وتقدر اوساط القدس بأن عبدالله يحسب طريقه وتصريحاته، تمهيدا لهذه الانتخابات ايضا، ويسعى إلى ان يقلص قدر الامكان تأثير الإسلام المتطرف على برلمانه.
ان تعابير القرار الاستراتيجي الإسرائيلي لرفع مستوى قوة الأردن في الحرم بعيدة الاثر. فقد أودعت إسرائيل بيد الأردن ترميم السور الجنوبي والشرقي لنطاق الحرم، حيث ظهرت الشقوق. وهي تسلم عمليا بفيتو أردني مزدوج، سواء على تغيير جسر المغاربة فوق المبكى، أم على اخلاء نفايا البناء الحبيسة خلف الصفائح في «الحائط الصغير». وهي تنسق بشكل غير رسمي مع الأردن في عدد اليهود المتدينين ممن يسمح بدخولهم إلى الحرم، وشددت معاملتها مع الزوار اليهود إلى الحرم.
لقد سلمت إسرائيل، بل وفي فترة معينة شجعت، على الرفع الواضح لعدد رجال الاوقاف في الحرم ـ مئات عديدة من الموظفين اليوم. وفي اطار «تفاهمات كيري» (تشرين الاول 2015)، منحت إسرائيل لأول مرة مكانة رسمية للوضع الراهن الذي يمنع صلاة اليهود في الحرم، وجعلته من مبدأ يستهدف «الحفاظ على النظام العام ومنع العداء والشقاق بين الاديان» إلى التزام دولي علني في اطار التفاهمات مع الأردن والولايات المتحدة.
إسرائيل اليوم 19/8/2016