المغاربة نحبهم ويحبوننا…

حجم الخط
16

بين فلسطين والمغرب علاقة ضاربة عميقاً أرضاً وإنساناً وتراثاً، وتكاد لا تخلو حقبة أو بقعة في فلسطين إلا وللمغاربة فيها نصيب.
قبل النكبة كان أكثر من قرية سكانها وأهلها من المغاربة مثل سمخ على شاطئ بحيرة طبريا الجنوبي، وعين كارم في أحضان القدس وفي غور الأردن وغيرها.
عائلات فلسطينية كثيرة تحمل اسم المُغربي، وأحد أشهر أحياء القدس الذي هدمته سلطات الاحتلال عام 1967 هو حي المغاربة الذي أنشئ في حقبة صلاح الدين للمجاهدين ليجاوروا المسجد الأقصى ويذودوا عنه في وجه الحملات المعادية، وقد قال صلاح الدين عن بأسهم «يثبتون في البر ويبطشون في البحر».
جاء في بعض الدراسات أن أكثر من عشرين في المئة من جيوش المسلمين التي تصدت للحملات الصليبية كانت من المغاربة.
في طريق عودتهم من مكة المكرمة كانوا يمرون ببيت المقدس ويعتبرون الصلاة في الأقصى استكمالاً لحجتهم، ومنهم من طاب له المقام فأقام، فلا توجد مدينة فلسطينية من عكا حتى غزة مروراً بيافا والقدس والخليل وبئر السبع واللد وغيرها إلا وفيها وقف للمغاربة من الأرض والمبنى صودرت كلها بعد عام النكبة، وبهذا توجد أكثر من دراسة.
بالمناسبة عندنا طبخة دافئة دسمة مطلوبة في الشتاء هي المُغربية، وهي نسخة فلسطينية عن الكسكسي المغربي، ويسميها البعض مفتول.
بعد النكبة أطلق أهلنا تسمية المرّوكية على اليهود الذين قدموا إلى فلسطين، والواحد منهم مرّوكي، ولسبب ما أطلقوا على سروال «الجينز» الأمريكي تسمية بنطلون مرّوكي، وكما يبدو أن أول من نقل هذا اللون من الملابس إلى فلسطين هم المغاربة.
في أيام العزوبية عملتُ وأقمت مع زملاء آخرين فترة في مدينة بئر السبع في حي معظم ساكنيه من اليهود المغاربة وبعض التوانسة، كانت الموسيقى التي نسمعها طيلة النهار من بيوت الحي والمقاهي هي أم كلثوم وفريد الأطرش ونجاة الصغيرة وفايزة أحمد وغيرهم، وأقسم أنهم كانوا يستمعون لأغان وطنية مثل «بحلف بسماها وبترابها» لعبد الحليم وأغنية «طول ما أملي معايا وبإيديا سلاح» لعبد الوهاب. كذلك كانت أشهر مغنياتهم يهودية مغربية تغني فقط بالعربية اسمها رايموندا بوكسيس ولم تغن بالعبرية إلا قبل سنوات قليلة فقط.
أسماء العائلات والمطاعم وأكشاك الشوارما والشواء عربية وورشات العمل مغربية، مثل مخلوف، الفاسي، أبوحصيرة، مُغربي، بليلا، بن لولو، فحيمة، غزلان وغيرهم.
ومن الطرائف المتداولة عن يهود المغرب أن معظمهم يدعون أنهم تركوا وراءهم في المغرب مصنع أحذية أو ملابس أو متجراً كبيراً، وكلهم جاؤوا من أحياء كازابلانكا الراقية، ولا بد أن لهم قريباً أو قريبة يعمل في بلاط الملك، وهناك نكات كثيرة ألفها الاشكناز يسخرون بفوقية وعنصرية من اليهود المغاربة وثقافتهم، وهذا أدى إلى تراكمات انفجرت في السنوات الأخيرة، حيث ظهرت مطالبات من مثقفين شرقيين وخصوصاً المغاربة بإعادة الاعتبار لتراثهم المغربي الذي هُمّش على مدار عقود، وإصلاح ما أفسده التحيز للثقافات الأوروبية، ومنهم من صار يدعو نفسه يهودياً عربياً.
هذه التداعيات المغربية مرت في ذهني خلال وبعد قراءتي للمجموعة القصصية (شهود الساحة) للشاعر والكاتب العربي المغربي أحمد بنميمون فأعادتني إلى ساحات أولئك المهمشين ولاعبي الثلاث ورقات والسكارى في الحانات وعلى قارعات الطرق، للذين يرتدون لباسهم التقليدي المغربي (الجلابة) مع غطاء الرأس ويحتسون الشاي أمام بيوتهم، في كثير من الأحيان مع سيجارة الحشيش أو يحتسون العرق مع أطعمتهم الشهية الحريفة، ولا أنسى فتياتهم سريعات الطرب واشتعال العاطفة.
شهود الساحة هي مجموعة قصصية من واقع مغربي، وأكثر من رابط يجمع بين هذه القصص ليجعلها أقرب للرواية، فالمكان الذي تدور فيه أحداث هذه القصص هي ساحة في منحدر يطل الراوي عليها من شرفته، ويسرد مشاهداته بألم عميق وعين ناقدة جريحة للوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي العام في المغرب، هذا الألم لا يخلو من سخرية، وبالإمكان بكل بساطة إسقاط الكلمات والتلميحات على مسؤول كبير في البلاد، فالراوي يخاطب أحدهم ويقول له يا سيدي، ويتكرر ذكر هذا السيد في أكثر من قصة، حتى يؤكد للقارئ بأنه يقصد مسؤولاً كبيراً يفترض أن يتحمل مسؤولية الوضع البائس الذي آل إليه الناس.
وتحتاج هذه المجموعة إلى مقالة نقدية طويلة تنصف غناها وجمالياتها الفنية لغة وسبكاً وموضوعاتٍ، سأكتفي بولوج أجواء القصتين الأولى والثانية وهما بعنوان، «سرّي جداً»، و»الاحتقار».
يقدم الراوي في القصتين مشاهد بؤس وفقر مدقع، مراحيض في الهواء الطلق، سكيرون عاطلون على قارعة الطريق، يسقط أحدهم ويقوم ثم يسقط ويستسلم للنوم إلى جانب مكب أزبال، يتوقف عن الحركة حتى يظنه قد مات، يمر الناس به دون اكتراث، هذا البؤس والاستهتار بحياة الناس مفتاح لقصص المجموعة أو الرواية كلها، فقدان الإنسان لصورة الإنسان، حتى لو مات، فلا شيء في هذه المدينة أسرع من تجهيز الميت ونسيانه مباشرة بعد دفنه.
يمتزج الواقع المزري بالخيال، إذ يخرج حارس من العمارة بجثة طفل في كيس صغير، يلقيها ببرود في حاوية قمامة، وفوراً تأتي خمسة كلاب ليختفي أحدها بكامل جسمه داخل الحاوية، ثم يخرج بصعوبة وهو يسحب بأنيابه الجثة الصغيرة أمام الناس الكسالى الذين لا إرادة لهم مثل شعب الزومبي، بل إنهم يشعرون بامتنان للكلب الذي وفر عليهم تكاليف دفن الجثة حتى فكروا بإقامة تمثال للكلب.
ويؤكد الكاتب بسخرية أن»هؤلاء ليسوا من البشر يا مولاي ولكنهم للحق ليسوا حيوانات أيضاً».
نُسجت القصص من تفاصيل البؤس بشعرية عالية جداً، ولغة متينة عهدناها بالكاتب، هي قصص المهمشين المهشّمين الموتى بلا قبور، هي قصص لو وقّعها كاتب أجنبي وترجمت للعربية لاعتبرناها بلا شك أدباً عالمياً راقياً.
عند قراءة هذه القصص تدرك محاولة عرقلة دخولها إلى المغرب بحجج شتى، فهي طبعت في الإمارات العربية المتحدة عن (روايات – إحدى شركات مجموعة كلمات – الغلاف للفنان رامز فاخرة – وتقع في 144 صفحة متوسطة الحجم)، فهو بعد ما يرويه عن بؤس الإنسان الذي يتحول إلى ريشة في مهب ريح عفنة، يطمئن المسؤول الكبير «نم هانئا يا سيدي ولتقر عيناً فرعايا مهابتكم من النائمين السعداء الناعسين، إلا أعين حراسكم يا سيدي فلن تنام أو تسمح أبداً بأن تكون من ثغرة أو فرصة للعابثين». لكنه في نهاية القصة الثانية يقاوم أيادي تسحبه نحو حاوية الأزبال للتخلص من جثمانه رافضاً لعادة شعب الزومبي باحتقار ذاته، ليتساءل أخيرًا..هل تراه يفيق!

 

المغاربة نحبهم ويحبوننا…

سهيل كيوان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية