«المغاربيون».. لماذا لم يصوتوا لمرشح تونس لرئاسة البنك الأفريقي للتنمية؟

حجم الخط
4

تونس ـ «القدس العربي»:ما زالت مسألة عدم تصويت الجزائر وليبيا لصالح مرشح تونس لرئاسة البنك الأفريقي للتنمية تثير الكثير من الجدل في أرض الخضراء، خاصة وأنها تتزامن مع عدم تصويت عدد لا بأس به من البلدان العربية لمرشح الأردن لرئاسة الإتحاد الدولي لكرة القدم «الفيفا»، الأمير علي بن الحسين. وما زالت حالة الذهول تسود الشارع التونسي الذي لا يصدق أن الجزائر على وجه الخصوص قد تصوت يوما ضد مصالح جارتها الشرقية التي تحتفظ معها بعلاقات تاريخية مثالية واستثنائية في العالم العربي.
فالتونسيون لم يستغربوا كثيرا من موقف ليبيا باعتبار أنهم اعتادوا على المفاجآت من طرابلس إبان حكم القذافي الذي كان على خلاف حاد مع بورقيبة أواخر عهده وترجم هذه الخلافات بقرارات غريبة من قبيل طرد العمال التونسيين في ليبيا والقيام بمحاولات عديدة لاغتيال مسؤولين سياسيين تونسيين عارضوا الوحدة بين البلدين في ذلك الوقت. كما أن موقف المغرب الذي رفض منذ البداية التصويت لمرشح تونس لم يفاجئ التونسيين الذين لم ينتظروا أفضل من هذا الوقف من الرباط لإدراكهم أن الوحدة المغاربية والتضامن بين الأقطار المشكلة لاتحاد المغرب العربي ماهي إلا شعارات جوفاء للإستهلاك الإعلامي.

خيار خاطئ

كما ذهبت بعض الجهات التونسية وأغلبها تنتمي إلى المعارضة إلى اتهام الطرف الحكومي باختيار الرجل غير المناسب وهو ما تسبب في خسارة منصب تعلق عليه تونس والإقتصاد التونسي آمالا كبيرة. فالبنك الأفريقي للتنمية غادر لتوه العاصمة التونسية بعد أن كانت الخضراء دولة مقره، ورغبة في التخفيف من وطأة هذه الخسارة رغب الجانب التونسي وبشدة في أن يكون رئيس البنك تونسيا وكان الإختيار على جلول عياد الذي عمل في مؤسسات مالية إقليمية ودولية كبرى وتشهد سيرته الذاتية على كفاءته التي بوأته مركز وزير مالية في حكومة الباجي قائد السبسي التي تلت انهيار نظام بن علي وسبقت إجراء انتخابات 23 تشرين الاول/أكتوبر 2011.
كما اتهمت جهات تونسية الطرف الحكومي بالتقصير في ضمان نجاح جلول عياد وكان من المفروض عدم الدخول في منافسة، الفوز فيها غير مضمون لأن ذلك سيعود سلبا على سمعة تونس ومكانتها بين الأمم وخصوصا في قارتها السمراء. وكان من المفروض بحسب هؤلاء أن تنال تونس وعودا من الدول المساهمة في رأس مال البنك بالتصويت لمرشحها، فإذا ما ضمنت نسبة هامة ومعتبرة فحينها فقط يمكنها أن تراهن على عياد أو غيره من المرشحين لهذا المنصب الذي كانت تونس تعلق عليه آمالا كبيرة حتى تضمن التزام البنك الأفريقي بما وعد به، أي مواصلة دعم الإقتصاد التونسي في هذه المرحلة الحرجة.

ندوة صحافية

وردا على هذه الإنتقادات سارع الطرف الحكومي ممثلا في وزارة الخارجية إلى عقد ندوة صحافية في مقر الوزارة، حضرتها «القدس العربي»، تحدث خلالها كل من المعني بالأمر مباشرة جلول عياد ووزير الخارجية الطيب البكوش عن أسباب الإخفاق. واعتبر خلالها وزير الخارجية الطيب البكوش أن ما حصل هو نتيجة «اللامغرب» أي تعثر قيام اتحاد المغرب العربي، وأكد على أن تونس لن تعامل بالمثل وسوف تحترم التزاماتها في كل الظروف. واعتبر أن تغير الموقف الليبي لا يمكن اعتباره موقفا رسميا لحكومة بل هو تصرف منفرد من وزير تم تغييره في آخر لحظة، فوزير الخارجية الليبي عبر ولآخر لحظة، بحسب الوزير التونسي، عن دعمه لجلول عياد. ويضيف البكوش قائلا: «كما أن مواقف من يسمي نفسه وزير إعلام طبرق وتصريحاته المتمثلة في الإعتراف بحكومة الشعانبي وتهجمه على الخارجية وعلى رئاسة الجمهورية التونسية هي مواقف تبرأت منها حكومة الثني لاحقا واعتبرتها فردية».

سابقة تاريخية

أما جلول عياد الذي لم يحالفه الحظ فقد اعتبر أن عدم تصويت كل من الجزائر وليبيا لمرشح تونس هو سابقة تاريخية وصدمة غير متوقعة. وأضاف أن الجزائر التزمت أخلاقيا بدعم تونس وجاء ذلك من خلال التطمينات التي أعطاها الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة لمبعوث رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي إلى الجزائر الازهر القروي الشابي.
واعتبر عياد أيضا أن نيله للمنصب كان سيمثل فرصة لإرجاع الألق إلى الدبلوماسية التونسية وسيزيد من دعم مكانة تونس في قارتها السمراء لكن ذلك لم يحصل. وستكون نتائج الخسارة كبيرة أيضا بالنسبة إليه خاصة وأن البنك الأفريقي غادر تونس ولم تعد البلاد قادرة على الإستفادة منه استفادة دولة المقر التي تحظى عادة بامتيازات خاصة.

موقف مشرف

ولعل ما قامت به جمهورية مصر العربية، والمتمثل في دعم مرشح تونس منذ البداية وحتى النهاية يخفف من وطأة الشعور بالمرارة الذي يجتاح جانبا من الرأي العام في تونس لم يجد بعد المبررات لما أقدم عليه الجيران المغاربيون. فقد رأى البعض في الدعم المصري مواصلة من شعب الكنانة لنهج الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر الذي له في قلوب التونسيين مكانة كبيرة.
كما رأى فيه البعض الآخر مبادرة جيدة من القاهرة لطي صفحة الخلافات التي نشبت بين البلدين إبان فترة حكم الترويكا في تونس حين تمت إزاحة الإخوان عن الحكم في بلاد النيل وجب التعامل معها بجدية. ودعت جهات تونسية عديدة إلى معاملة المصريين بالمثل من أجل موقفهم المشرف هذا في حال قامت القاهرة بترشيح مسؤول لرئاسة منظمة إقليمية أو دولية.

حظوظ وافرة

يشار إلى أن المرشح لرئاسة البنك الأفريقي للتنمية يجب أن يحظى بأكبر ما يمكن من الدعم من البلدان الأفريقية وغير الأفريقية المساهمة في رأسمال البنك. وتقاس الدول المصوتة بحجم ما تمتلكه من أسم وحصص في رأسمال البنك، فبلدان مثل المملكة العربية والسعودية والكويت تحوزان لوحدهما على 20 في المئة من الأسهم، وبلدان أفريقيا الشمالية مجتمعة (تونس، مصر، ليبيا، الجزائر، المغرب، موريتانيا) لديها 19 في المئة من مجموع الحصص والأسهم في رأسمال البنك.
فلو تمكن مرشح تونس، جلول عياد من أن يحصل على دعم جيرانه المغاربيين ومصر والسعودية والكويت، لكان اليوم رئيسا للبنك الأفريقي للتنمية. فهذا الدعم الإقليمي كان سيجعله يحظى بمساندة اليابان وكندا والولايات المتحدة وغيرها من الدول التي لا تنتمي إلى القارة الأفريقية ولكنها مساهمة في البنك الأفريقي للتنمية، فهذه الدول عادة ما تساير التوجه العام للأفارقة وتساند المرشح الأوفر حظا والذي يحظى بدعم كتلة هامة من الدول.

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية