المغربية فاطمة الزهراء بنّيس: أبحث عن قصيدة الرواء المستحيل

حجم الخط
0

الرباط ـ من نادية الأزمي:
تعدّ فاطمة الزهراء بنّيس من ألمع الشاعرات المعاصرات في المغرب، أخذت من تطوان دفء رومانسيتها، وجمال روحها.. هذه الشاعرة التي يمتزج دفء شعرها بسحر التمرّد بدأت في النشر في مطلع التسعينيات في الصحف الوطنية والعربية، وقدّمت للقارئ دواوين شعرية متعددة: «لوعة الهروب» و«بين ذراعي قمر» و«طيف نبي».. وهي عضو اتحاد كتاب المغرب، وعضو اتحاد كتاب الإنترنت العرب، ورئيسة اللجنة الأدبية في جمعية أصوات نسائية المغربية، ولها العديد من المشاركات الشعرية في المهرجانات والملتقيات.. وفي أفياء هذه الرومانسية الدافئة كان لنا معها هذا اللقاء:

■ تنتمين إلى مدرسة الحداثة، وتفخرين بالانتماء إليها، ما الهوية التي تميّز شعراء مدرستك من شعراء المدرسة التقليدية؟
□ رغم اختلافي عن المدرسة التقليدية؛ إلا أنني لا أستطيع أن أنكر دور روادها في نشأتي الشعرية، فمن خلال قراءتهم اكتشفت خلايا الشعر التي تسري في جسدي، تتميز مدرسة الحداثة بانفتاحها على التجريب والمغامرة في الشكل والمضمون، وبإيمانها أن الشعر ليس فقط فنّا تعبيريا بمنأى عن الحياة، لكنه نهج نورانيّ يُشرّع آفاق الشاعر ويقوده عكس الصورة النمطية، واختراق لغوي لعوالم كانت في الماضي محرّمة، كما أنها جعلت القصيدة تلامس الواقع بكل تفاصيله الظاهرية والباطنية. وبالتالي تجاوزت القصيدة الحديثة المفهوم الكلاسيكي للشعر، وصارت نصا إبداعيا مترعا بحياة متعددة المعاني.
■ ما الذي يجعلك تبدين مختلفة عن شعراء الحداثة ذاتهم؟ أليست الأدوات هي نفسها؟
□ ربما الأدوات هي نفسها، لكن رؤيتنا كشعراء للكتابة تختلف من شاعر إلى آخر، بالنسبة لي، الشعر كان ومازال جسرا للعبور نحو تحقيق كينونتي، روحا وجسدا، واسترجاعا رمزيا لصوتي المجهض تاريخيا. أيضا ما يجعل الشاعر مختلفا عن الآخرين، اقترابه من عمقه.. من جرحه، وتشبثه بأسئلة، قد لا يجيب عنها الشعر، ولكنها تُحفّز الفكر على التوهج والإبداع وعدم الرضوخ للممكن. والحلم المستمر بالأجمل، جوهر الشعر لا يختصر فقط على كتابة القصائد، إنما يكمن في مدى قدرة الشاعر على تحويل حياته إلى منعطفات شعرية.
■ يقال إن كثيراً من شعراء قصيدة النثر يفزعون إلى هذا الشكل عجزاً عن مجاراة إيقاع الوزن والتفعيلة. هل توافقين على ذلك؟
□ أولا، قيمة الشعر لا تكمن في تمسكه بإيقاع الوزن والتفعيلة.. كم من قصيدة موزونة لم يبق لها أثر، وكم من قصيدة نثرية ظلت راسخة في الوجدان العام، رغم مرور الزمن. ثانيا، أن تكتب قصيدة يساعدك على موسقتها إيقاع الوزن، ربما أسهل من أن تكتب قصيدة لا تخضع لأي نظام موسيقيّ، أنت من عليك أن تبدع إيقاعها الخاص، أي جديد في الفن والإبداع، خاصة في المجتمعات المحافظة، يلقى نقدا لاذعا لا يهمده سوى جديد آخر.
■ الشعر بحاجة إلى أسلوب وصورة وخيال وموسيقى وأفكار، ولكنّك قلت: «إنه بحاجة إلى حدس». ماذا تقصد فاطمة الزهراء بذلك ؟
□ إلى جانب اللبنات الأساسية للكتابة الشعرية، الصورة والخيال والموسيقى والأفكار أحتاج إلى الحدس كقوة خفية تسعفني في الوصول إلى رحم القصيدة، كي ألد وأولد من جديد. دوما أرتكز في كتاباتي على الحدس والحلم والخيال، هذه ذخيرتي التي تقتادني نحو الإبداع، الشعر تدوين فنيّ للماضي وحدس للآتي.. صور كثيرة تخيلتها في الحلم وعشتها، بعد ذلك، في الواقع. وحدوس ضوئية انقشعت لي في عتمة اليوميّ.. فكانت الإحساس الذي اقتادني نحو التنقيب الشعريّ عن كينونتي.
■ يلاحظ القارئ أن لغة الجسد حاضرة بقوة في شعرك، فيما يرى البعض أنّ هذه اللغة ـ خاصة حين تستخدمها المرأة ـ جواز مرور سهل، لقارئ عربي يعيش أزمة الكبت. ما رأيك؟
□ كل شاعر هو نتاج جرح ما.. وإذا أردتُ أن أترك بصمتي لا بد أن أقترب من جرحي، وهذا ما فعلته ببساطة، اقتربت بجرأة من جرحي (أعني جسدي بكل تساؤلاته واشتعالاته وتوهجاته وتشنجاته) ثم شرّحته لغويّا وكتبته قصيدة قابلة لعدة قراءات، أما بخصوص جواز المرور السهل، فهو مقولة أطلقها الفكر الذكوري المثخن بالأمراض، الذي يعاني من توتر علاقته بالجسد الإنساني عامة والأنثوي خاصة، إنه فكر يعاني من الصراع الذاتي والازدواجية، فبقدر ما يقدس الجسد في الخفاء يلعنه في الظاهر، ليظل متصالحا مع المنظومة التقليدية التي تحكمه. لا أعتقد أن شاعرة حقيقية ستفكر في سرعة مرورها للقارئ أثناء كتابة قصائدها.. لغة الجسد لم أخترها عن قصد، صدفة وجدتني أمام مرآتي عارية من الأعراف والأوهام، فإذا بي أنطق لغة تعارض محيطي بكل حمولاته الرجعيّة. صاغية إلى أنيني الباطني، متشبثة بصوتي الإنساني. جسدي وروحي يشكلان صوت وجودي الشعريّ والإنسانيّ، لهذا لا أخجل من كتابتهما.
■ في شعرك تجاوز لتابو الجسد، هل فكّرت من الاقتراب من تابو السياسة؟
□ فضاء القصيدة رحب، وقابل للتمدد والتماهي مع كل الأفكار، لا أستطيع أن أحدد ما سوف أكتبه مستقبلا، لكنني أستطيع أن أجزم بأنني لن أخون قناعتي.
■ أنت قارئة جيدة لدرويش والماغوط، وهما من أهم شعراء المشرق، هل ثمة فروق جوهرية بين شعر المشرق والمغرب في رأيك؟
□ نعم قرأت محمود درويش والماغوط وأدونيس، وغيرهم من شعراء المشرق، وتأثرت كثيرا بالتيار الحداثي الذي قادته مجلة «شعر» اللبنانية، التي كان لها دور في تطوير الشعرية العربية من المحيط إلى الخليج، بالتأكيد كانت في الماضي فروق جوهرية بين المشرق والمغرب في الكتابة الشعرية، بحكم أن المشرق كان سباقا إلى الحداثة الفكرية والإبداعية والفنية، وكان المغرب متشبعا بثقافة فقهية تكبّل شعراءه. هذه الفروق بدأت تتبدد منذ زمن ليس بالقصير. وربما تلاشت حاليا بما أتاحته وسائل التواصل الحديثة، من اطلاع وانفتاح على التجارب العربية والعالمية.
■ ما دامت القصيدة أنثى، كما يقول نزار، هل توافقين على تقسيم الشعر بين ذكوري وأنثوي؟
□ القصيدة أنثى، والحياة أيضا أنثى، والمكان الذي لا يؤنث لا يُعوّل عليه بتعبير شيخنا الأكبر محيي الدين بن عربي. سؤالك يُطرح كثيرا على المبدعات، طبعا أنا ضد تقسيم الشعر، ذكوري وأنثوي، لكن لا يمكنني أن أنكر الخصوصية التي يطفح بها الشعر الأنثوي.. خصوصية لا تُقلل من قيمته ولا تحجزه في فضاء معين، بل تجعله إبداعا صادقا قادرا على تجاوز حدود الزمان والمكان. كل كتابة ناجحة إلا ولها خصوصيتها التي تميزها عن الكتابات الأخرى. هذه الخصوصية الأنثوية قد لا نجدها عند كل الشاعرات… كما أنّنا لا يمكن أن نغض البصر عنها في قصائد لشاعرات أخريات. الخصوصية ليست بالمعنى الجنسي: ذكر/أنثى. وإنما ما يحمله الجسد من تراث وأفكار وأحزان وأفراح. الخصوصية الأنثوية في الكتابة الإبداعية نجدها أحيانا في قصائد الشعراء. على سبيل المثال، نزار قباني كان قد كتب بعض أشعاره بخصوصية أنثوية عميقة. وهذا راجع بطبيعة الحال، إلى نشأته ومسار حياته المترع بالنفح الأنثويّ.
■ في عصر القصة القصيرة نجدك تميلين إلى كتابة القصائد القصيرة.. هل الأمر مجاراة لسرعة الحياة نفسها؟
□ لا أجاري سرعة الحياة بقدر ما أجاري سرعة تحولات المشاعر الإنسانية من النقيض إلى النقيض. أكتب القصائد القصيرة عندما تتسع رؤيتي، على قول النفري: كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة، وأكتب القصائد الطويلة عندما يتلعثم لساني في عتمة الرؤيا. حينئذ أحتاج إلى نفس طويل.
■ ما القصيدة التي تحلم فاطمة الزهراء بنّيس بكتابتها؟
□ أحلم بكتابة قصيدة على إيقاع الرواء المستحيل… قصيدة تكون جوازي نحو وطن فائض بالدفء، بأمطاره أطفئ عطشي. أحلم أيضا بكتابة نص يروي سيرة انفلاتي من رحم الصحراء ومعانقتي المفاجئة للبحر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية