المغربي أحمد جاريد: أحلم برسم لوحات شبيهة بصوت محمد العنقة وأرمسترونغ

يعتبر أحمد جاريد من الفنانين التشكيليين المغاربة القلائل الذين صاغوا لأنفسهم أسلوبهم الفني الخاص لذلك تجده لا يكل ولا يمل من البحث والتنقيب عما من شأنه أن يسند عضد مغامراته التي يخوض غمارها ممتطيا شراع التجريد. فالتشكيلي المغربي وإن كان يستشرف المستقبل فإنه لا يتوانى في الغوص بحثا عن صدفات المتن الصوفي، الذي يتسم بطابعه الحداثي وبعمق الخيال والتمثل .
يبحث صاحب رباعيات الخيام وابن عربي على التقاط لحظته الفنية التي تشي بسرها لتثير انتباه السند في انتظار لوحة الكمال التي ببلوغها يتوقف جاريد عن الرسم حتى لا يضيف غير التكرار. ويحلم أحمد برسم لوحات شبيهة بصوت المغني الجزائري الراحل الشيخ محمد العنقة وصوت أرمسترونغ .ولأنه تأثر بالتشكيل منذ زمن الطفولة، ولد سنة 1954 في الدار البيضاء، لا يتردد في الدعوة إلى التخلص من فكرة أن الفن والثقافة ترف زائد، بل الفراغ الحاصل في تأطير الأطفال والشباب بالفن وبالثقافة هو الذي أدى إلى التعاطي للمخدرات والتطرف والظلامية. كما أنه لا يتوانى في إشهار مواقفه، خاصة عند وصفه لرد الجمعية المغربية للفنانين التشكيليين والنقابة المغربية للفنانين التشكيليين المحترفين على مقال الصحافية روكسانا عزمي، بالباعث على الخجل ولا يمثل الفنانين المغاربة، بل يمثل من كتبه وأقل ما يقال عنه يفتقد للمروءة.
ويعترف أن للجمعية المغربية للفنون التشكيلية انتظارات كثيرة من طرف الفنانين الشباب لا يمكن لها أن تلبيها، كما أن اتحاد التشكيليين العرب لم يقدم شيئا يذكر للفنانين السوريين والعراقيين الذين يعيشون أهوال الحرب.
رحلة جاريد في مسار الفن يوازيها سفر عبر معارض وصالات العرض في المغرب وخارجه مرورا بمهمته كرويتر في المعرض الدولي لمغاربة العالم 2015 في أصيلة رفقة مديرة دار الفن المعاصرالفنانة أحلام لمسفر، ومشاركته في سيمبوزيوم الأصمخ الدولي في قطر، وقريبا سيشد الرحال إلى سمبوزيوم عمان في الأردن وبعده ماسيدونيا ثم الخرطوم وتونس…. التي تعد فرصة للتعريف بالفن المغربي الذي يحظى بتقدير خاص في الخارج وفرصة لتبادل التجارب واكتشاف مقاربات أخرى ومعالجات أخرى …

■ بصفتكم مفتشا عاما لمعرض فناني مغاربة العالم ، كيف جاءت فكرة تنظيم هذا الملتقى؟ وما هي مواصفات اختيار الفنانين المشاركين في المعرض وضيوفه؟
□ جاءت فكرة تنظيم هذا الملتقى بمناسبة نداء الملك محمد السادس من أجل تخصيص يوم وطني للمغاربة المقيمين في الخارج، الذي يصادف هذه السنة الذكرى العاشرة. وتبعا للمهام التي أخذتها جمعية الثقافة والفن على عاتقها من أجل توطيد عرض ثقافي وفني تواصلي، يرسخ لثقافة التعدد والتسامح، تساهم من خلال دورة 2014 لهذا السيمبوزيوم، المتميز بمشاركة الفنانين المغاربة المعاصرين المقيمين في الخارج والمعروفين عبر العالم، في تعميق الروابط الثقافية للتشكيليين المغاربة في المهجر ببلادهم، وتجديد الصلات من خلال منجزات فنية متلاقحة التجارب وتحقيق تقارب الثقافات، إذ يندرج هذا السيمبوزيوم الغني بالألوان والمناظرات ضمن مقاربة الانفتاح على ثقافة العالم. وعرف اللقاء تنشيطا لمحترفات الرسم وحلقات التفكير وفق برنامج شمل معارض ونقاشات تهم توطيد الأواصر الثقافية والروحية بين فناني مغاربة العالم والوطن الأم الذي منه ينهلون إبداعهم. إضافة إلى محاضرات موضوعاتية حول قضايا راهنة ذات طبيعة فنية حول: معنى أن نرسم اليوم؟ وهي طاولة مستديرة شارك فيها الناقد فاروق يوسف العراقي المقيم في ستوكهولم والباحث الجامعي المغربي مصطفى شباك المقيم في بلجيكا والفنان والناقد بنيونس عميروش وقمت بتنشيطها شخصيا.
أما معايير اختيار الفنانين للمشاركة في هذا الملتقى فتقوم على الحضور الوازن والمستمر للفنانين ومستوى إبداعهم ودورهم في إشعاع صورة المغرب في المهجر.
■ أليس مكان إقامة المعرض على شاطئ بريش في ضاحية مدينة أصيلة أشبه بزاوية للتصوف؟
□ مقر المعرض والسيمبوزيوم موجود في شاطئ بريش، في ضاحية مدينة أصيلة في اتجاه طنجة، حيث يوجد هذا المَزار المُكَرَّس للإبداع الفني؛ دار الفن المعاصر بتصميمها المعماري العصري الصافي تُشَكلُ جوهرة لمديح الأعمال الفنية المعروضة المطلة مباشرة على منظر متفرد للمحيط الأطلسي كمصدر لا ينضب لإلهام الفنانين.
■ اشتغلت على التجربة الصوفية، هل يمكن اعتبار التصوف تجريدا فنيا؟ وإذا أخذ المتصوفة موقفا من السياسة بنزوعهم نحو التصوف، هل يمكن أن نعتبر أحمد جاريد نزع إلى التجريد للسبب ذاته؟
□ ينبغي التمييز بين نوعين أو مستويين من التصوف. التصوف الطرقي وهو تصوف العامة والتصوف الإشراقي وهو تصوف الخاصة. وهذا الأخير هو مستوى من التفكير والتأمل الذي يهم الروح، وبالتالي يعتمد على التجريد لتشفير الخطاب على العامة وحمايته من القراءات السطحية أو التأويل الحَرْفي الذي قد يشكل خطرا على إسلام العامة.
ويتميز المنجز الصوفي عند المتصوفة من مستوى محيي الدين بن عربي والنفري والحلاج … بطابعه الحداثي وبعمق الخيال والتمثل. وشكل بالنسبة لي هذا المرجع مصدرا مُلهما لا ينضب. أدين له بالشيء الكثير، وفي ما يهمني لا أرى أي هروب من الموقف السياسي، بل مواقفي تجاه الشأن السياسي معروفة، وكذا انخراطي في تنمية الرافعات الثقافية، سواء في إطار المجتمع المدني أو القرار السياسي حينما شغلت منصبا ساميا في الدولة.
■ ما هي اللوحة القريبة منك أو التي فاجأتك كثيرا عند إبداعها؟
□ اللوحة التي تتوفر على هذه المواصفات هي اللوحة التي، مع الأسف، لم أرسمها بعد. وإذا حصل وأنجزت هذه اللوحة الكاملة فإني سأتوقف عن الممارسة، إذ ما عساني أضيف، غير التكرار.
■ ما هي اللوحة التي تمنى أحمد جاريد أن يكون هو من رسمها؟
□ لوحات كثيرة رسمها فنانون كبار بدلي، رسمها طابييس و(زاو كي) و(سولاج) … غير أنني أحلم برسم لوحات شبيهة بصوت المغني الجزائري الراحل الشيخ محمد العنقة وصوت آرمسترونغ …
■ ما هي طقوس أحمد جاريد في محراب اللوحة؟
□ أنا محترف وشغلي اليومي هو الرسم، إذ أشتغل أكثر من تسع ساعات يوميا، لذا لابد لي من توفر مناخ حميمي والذي لأجده إلا في مرسمي، أحب أن أستنفر حواسي كلها حاسة السمع بسماع موسيقى روحية وحاسة الشم بالعطر وهكذا… وكون مرسمي يوجد وسط الطبيعة فهذا أيضا معطى مهم في الإلهام.
■ شاركت مؤخرا في سيمبوزيوم الأصمخ الدولي في قطر، حدثنا عن مشاركتك وعن علاقتك بالمعرض الدولي للفن المعاصر في أصيلة.
□ مشاركتي في سيمبوزيوم الأصمخ الدولي في قطر لا تختلف عن باقي مشاركاتي في السيمبوزيومات والبينالات الدولية الأخرى، وهي دائما فرصة للتعريف بالفن المغربي الذي يحظى بتقدير خاص في الخارج وفرصة لتبادل التجارب واكتشاف مقاربات أخرى ومعالجات أخرى، فضلا عن أن الأثر الطيب التي تخلفه مشاركتي يتيح لي عروضا لتنظيم معارض في الخارج وتنويع الجمهور .أما علاقتي بالسيمبوزيوم الدولي للفن المعاصر في أصيلة فمهمتي كرويتر هي وضع التصور لكل دورة وموضوعها وموضوع الندوة الفكرية وباقي الأنشطة المرافقة، واختيار الفنانين والمتدخلين. وطبعا أشتغل جنبا إلى جنب مع مديرة دار الفن المعاصر الفنانة أحلام لمسفر. وسمعة السيمبوزيوم اليوم أصبحت دولية وتحظى دائما بالرعاية الملكية للعاهل محمد السادس، نظرا للجدية ولجودة الأداء والإشعاع الذي يحققه هذا الملتقى.
■ ما هي مشاريع أحمد جاريد المستقبلية؟
□ نشاطي الآن هو عدة مشاركات دولية قريبا في سيمبوزيوم عمان في الأردن وبعده ماسيدونيا ثم الخرطوم وتونس، وبعده التحضير لمعرضي الفردي بأعمال جديدة في المغرب. هناك مشاريع أخرى في ذهني تنتظر النضج.
■ كيف تقرأ الساحة الفنية اليوم في المغرب وفي العالم العربي؟
□ الساحة الفنية اليوم في المغرب تعرف ديناميكية غير مسبوقة من حيت تزايد التعاطي للفنون التشكيلية وانخراط المرأة بشكل واضح. غير أن جودة الإبداع وإن كانت ملحوظة عند البعض فهي تحتاج عند البعض الآخر للمزيد من المشاهدة ومن البحث. كما أن سوق الفن في المغرب تعرف حراكا، ورغم الأزمة المقبلة من الغرب فإن سوقنا الوطنية تقاوم بثبات. غير أنها تشتكي من قلة الضبط ونقص في التنظيم، سواء من حيث حماية الحقوق أوالتزوير الذي يسقط ضحيته هواة الفن. وتبقى الحلقة الضعيفة في هذا المشهد هي التكوين الفني الذي يعاني من تفريط كبير من قبل الدولة، وكذا تراجع الرعاية الفنية التي كانت مزدهرة في الثمانينيات وحتى التسعينيات والتي نلاحظها بشكل جد باهت اليوم، ثم التدبير غير المحترف لملف الفنون التشكيلية من طرف وزارة الثقافة. الظاهرة الأخيرة التي يمكن الإشارة إليها وهي نزعة التسطيح التي أخذت تغزو القاعات بعرض أعمال خفيفة تفتقر لمقومات البحث الرصين، بدعوى صرعة الفن المعاصر أو المفاهيمي … وهي ظاهرة مشتركة على صعيد العالم العربي.
■ بصفتكم أمين سر اتحاد التشكيليين العرب، ما الذي قدمه الاتحاد للفنانين السوريين والعراقيين الذين يعيشون أهوال الحرب؟
□ لا شيء، الكويت هي التي تترأس اتحاد التشكيليين العرب، ومنذ عام لم يدع إلى اجتماعه السنوي. سطر الاتحاد برنامجا ينظم في رام الله في اكتوبر/تشرين الأول المنصرم من سنة 2014 لكن الظروف الأمنية التي صادفت الموعد أدت إلى تأجيل الفعاليات.
■ ما الذي تقدمه الجمعية المغربية للفنون التشكيلية لتشجيع الشباب خريجي معاهد الفنون الجميلة؟ وما هي الرسالة التي يمكن أن يوجهها جاريد للفنانين الشباب؟
□ الجمعية أمامها انتظارات كثيرة من طرف الفنانين الشباب. أما عن الكلمة التي يمكن أن أوجهها لهم فهي أن يتركوا جانبا الرغبة المتسرعة في الوصول والظهور بأي ثمن. فالاسم يفرض نفسه بالمثابرة والصبر والبحث الفني ومواصلة التكوين الفكري الذاتي والإكثار من مشاهدة المعارض الجيدة. فوسائل التواصل الاجتماعي التي تتيح إمكانيات هائلة في الاكتشاف الشيء الذي لم نكن ننعم به في أيام تكويننا.
■ لطفولتك تأثير خاص في اشتغالك الفني، كيف يمكن تشجيع الأطفال على الاهتمام بالفن التشكيلي؟ وكيف تقيمون واقع الفن التشكيلي في المدرسة المغربية؟
□ تشجيع الطفل على التعاطي للفن مسألة تحسم أولا داخل الأسرة وثانيا في المدرسة وثالثا عبر وسائل الإعلام خاصة السمعية والبصرية. فتدهور الذوق البصري في الأسرة يعيد إنتاج رداءة الذوق لدى الناشئة، ثم التخلي المتواصل للمدرسة المغربية عن التربية التشكيلية بعرض ذائقة التنشئة إلى المزيد من التردي، أضف إلى ذلك أن ما تذيعه محطاتنا التلفزيونية أكثر رداءة ويساهم بخطورة في انحطاط الذوق. والاهتمام بالتربية البصرية للطفل يمر عبر هذه المجالات التي تحتاج إلى إقلاع يوازي الإقلاع الحاصل في باقي قطاعات محاربة الفقر والهشاشة. وينبغي التخلص من فكرة أن الفن والثقافة ترف زائد، بل الفراغ الحاصل في تأطير الأطفال والشباب بالفن وبالثقافة هو الذي أدى إلى التعاطي للمخدرات والتطرف والظلامية.
■ أثار مقال صحافي لروكسانا عزمي في جريدة «لوموند» الفرنسية كثيرا من ردود الأفعال المتباينة إثر انتقادها عدم وجود رؤية ومقاربة واضحة لتدبير متحف الفن المعاصر في الرباط. كيف يرى أحمد جاريد ذلك؟
□ مقال روكسانا عزمي أوضحت فيه أن انطلاقة متحف الفن المعاصر في المغرب كانت انطلاقة فاشلة، معتبرة أن الافتتاح الذي تم في اكتوبر 2014 يفتقر للانسجام وأن الأعمال التي عرضت ليست إلا إعارة من الفنانين المغاربة. وأضافت أن القيم على المتحف نفسه يعترف «بأننا في طور التعلم لمعنى مفهوم المتحف». التعلم والتجريب مع نقص في الكفاءة بشأن تدبير موضوع معرض افتتاحي مخالف للأعراف والقواعد المعمول بها، مستشهدة بتصريح السيدة سلمى لحلو الرئيسة المنتدبة السابقة للمؤسسة الوطنية للمتاحف بأن «البرمجة تفتقد لرؤية هيكلية ولا تستند إلى أي مشروع علمي وثقافي». وأضافت لوموند حرفيا أن حكامة مهدي قطبي -اللوبي النافد لكن غير الخبير للفن المعاصر- هي حكامة لا تحظى بإجماع الوسط الفني. هذا باختصار هو ما جاء به المقال الذي استشهدت فيه بتصريحات متعددة. وجوابا على سؤالك لماذا ردود الفعل هذه؟ أقول إن لوموند لم تأت بشيء جديد في ما نشرت، لأن السيد مهدي قطبي نفسه قال «إننا في طور التعلم لمعنى مفهوم المتحف» علما بأن هذا التصريح يلزم صاحبه ولا يلزمنا كفاعلين في الفن في المغرب، بل أضيف أنه في اجتماع بطلب منه معنا كجمعية مغربية للفنون التشكيلية وكنقابة مغربية للفنانين التشكيليين المحترفين في مقر مؤسسة متاحف المغرب في الرباط صرح بوضوح أن الافتتاح شابته نواقص وأنه يتحمل أخطاء مندوب المعرض الافتتاحي السيد محمد راشدي الذي كلفه باختيار الفنانين وما أن اتضح فشله حتى تخلص منه مهدي قطبي قبل افتتاح المتحف. وتصريح مهدي قطبي هذا موثق، وما أقول هو وقائع تشهد عليها كاميرات وكالة المغرب العربي للأنباء التي كانت تسجل الاجتماع.

كاتب مغربي

خالد الكطابي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية