عبد اللطيف اللعبي شاعر وروائي ومترجم، عاقر السجن والعزلة والمنفى، وحول التجربة نصوصا يمتص رحيقها القراء، وقد تدمي ضمير الجلاد. بقي عصيا على التدجين.. فكيف يقارب الترجمة، وكيف اقترب من الكتابة وهاجسها، وهل تغني الرحلة روحه والكلمات؟
■ في تاريخ كل مبدع، كتب ونصوص معينة آسرة قد تكون قربت بشكل كبير بين هذا المبدع والثقافة والإبداع عامة. ما هي الكتب التي شكلت علامات في مسيرة ثقافتك؟
□ هذا موضوع كبير جدا. شرعت أقرأ منذ بلوغي الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة في مدينة فاس الكتب المتوفرة في الخزانة العامة. قرأت أعمال دوستويفسكي، على سبيل المثال، ومن ثم انطلقت في اكتشاف الكتاب. ما يهمني في السؤال، وهو ثقافة المثقف، التركيز على جوانب تبدو لي مهمة. بالنسبة لي، وأنا كاتب مغربي.. عندما أفكر في تجربتي ألاحظ أنني وريث أدب عالمي.. سواء كتب في اليونان، قبل ألفي سنة، أم في دمشق وبغداد.. الكاتب هو وريث هذا التراكم على مستوى الإبداع، وهناك واجب المعرفة. أود أن أشير إلى مسألة، لا أريد أن أعمم، لكن الوضوح يلزمني القول إنه للأسف: أصبحت ثقافة المثقف هزيلة. هذه الحاجة المستمرة إلى المعرفة، إلى القراءة، إلى التثقيف.. ليس لأعمال الماضي فقط، بل أيضا لأعمال الحاضر.. لم تعد جزءا من جوهر وجود المثقف. يمكن أن نطرح هذا السؤال في المغرب، مثلا، على الثقافة المغربية وعلى ثقافة المثقف المغربي: ما هو حضور اليابان؟ نترك جانبا أمريكا أو أفريقيا أو روسيا أو الأدب المغاربي أو الأدب العربي.. اليابان قارة أدبية شاسعة جدا، لكن حضورها في الأدب المغربي، في ثقافة المثقف المغربي ضعيف جدا. بالنسبة لي، كنت أعرف كبار الكتاب المنتمين لبداية القرن العشرين، لكن في السنوات العشر الأخيرة اكتشفت أقلاما مدهشة ومذهلة، وقد تحول، الآن، مجرى تجربتي الإبداعية تماما. أعطي مثالا بهاروكي موراكامي، وهو روائي ياباني، قرأت أعماله الأدبية الكاملة، طيلة العشر سنوات الأخيرة، وقد اكتشفت معه وجود طريقة أخرى لكتابة الرواية، وهناك مغامرة داخلية نادرا ما لمستها في كتابات غربية مثلا. وهذا مثال يبين واجب التثقيف، وإذا تعثرت حركة الترجمة في العالم العربي فإنه يجب على المثقف الإلمام بلغة ثانية ليتوفر عمليا على إمكانية الاطلاع على جزء من آلاف الكتب التي تترجم سنويا.
■ أسألك كيف أتيت إلى الترجمة، ولم أصبح لها دور ملح في تجربتك الأدبية؟
□ ممارسة الترجمة نوع من الانتقام من أشياء فرضت عليّ عندما كنت في المدرسة الاستعمارية، وكانت اللغة الفرنسية هي لغة الدراسة الأساسية. وعندما بدأت أكتب، كانت اللغة الوحيدة التي كنت أعرفها هي اللغة الفرنسية. فأنا لم أختر الكتابة باللغة الفرنسية.. وقد عشت فترة طويلة هذا التناقض ما بين المعركة التي خاضتها مجلة «أنفاس» لإعادة الاعتبار إلى الثقافة المغربية، والتحرر من الثقافة الاستعمارية.. لكن في الفترة التي عشتها في السجن، استرجعت اللغة العربية، وقرأت الأدب العربي.. فشعرت بنوع من الارتياح، لأنني أصبحت متمكنا أيضا من اللغة العربية، وبالتالي تغيرت علاقتي باللغة الفرنسية. فابتعدت عن العنف وأصبحت أكثر توازنا وهدوءا واستقرارا. ومن هنا جاء التوجه إلى ترجمة الأدب العربي إلى اللغة الفرنسية. وهو نوع من إعادة أو استرجاع التوازن الذي كان مفقودا. وانطلاقا بداية الثمانينيات، شرعت في ترجمة درويش، والقاسم، والبياتي، والماغوط، وكنفاني، وحنا مينة، وعبد الله زريقة.. وكان هذا كله يدخل في تصور نابع من «عمل نضالي»، نضالي لأنه قبل ثلاثين سنة، مثلا في فرنسا، كان حضور الأدب العربي المعاصر رمزيا جدا. طبعا، كان المستشرقون قد اشتغلوا على الأدب الكلاسيكي العربي أو الآداب الإسلامية.. ولم يكن الأدب العربي المعاصر يحظى باهتمام ذي شأن. ومع حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل، حصل نوع من التحول ترجم في فوز الأدب العربي المعاصر بنوع من الاهتمام أكبر. وهو اهتمام انصب أساسا على الرواية، وليس على الشعر. ونحن نعرف مكانة الشعر في الأدب العربي. ومن هنا انطلقت في ترجمة مجموعة من الأسماء الكبيرة في الشعر العربي، للمساهمة في تكوين القارئ الغربي لصورة متكاملة وموضوعية على نوعية المغامرة الإبداعية التي صاغها الأدب العربي المعاصر.
■ أنت تسافر كثيرا. و«السفر مدرسة أخرى» كما قال المفكر ألان. هل يلهم السفر كتاباتك على مستوى المواضيع والأفكار، ويغني ثقافتك، إنسانيتك؟
□ طبعا سافرت إلى داخل الأقطار الأوروبية، وإلى أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية، وإلى الأقطار الأفريقية، والعالم العربي.. مما فتح آفاقا شاسعة بالنسبة لثقافتي الشخصية ولمعرفة الكائن البشري. أظن أن التنقل والترحال هو بالفعل مدرسة للانفتاح على الآخر، للمعرفة خاصة. نعلم أنه لا يكفي أن يقرأ الإنسان عن بلد معين.. فيدرك خصائصه وأبعاده.. بل يجب المعاينة المباشرة. وأقدم مثالا خاصا يثير حساسية الناس وهو أمريكا الشمالية. فهي دمرت العراق، وتلعب إدارتها دور الدركي العالمي، وتفرض الحرية والديمقراطية، كما تتصورها هي، على بعض دول العالم.. هذه أشياء نعرفها، نرفضها.. لكن أن يقودنا كل هذا إلى اعتبار أمريكا هي الشيطان، وأنها همجية، لا أقل ولا أكثر، وأنه ليست هناك ثقافة أمريكية إلا ثقافة الهيمنة وثقافة الاستحواذ.. فأمر فيه نظر. ذلك أن تنقلي بين عدد من جامعات الولايات، جعلني أكتشف شيئا آخر، اكتشف أن المواطن العادي يتميز بالطيبة، وجامعات أمريكية لا مثيل لها في العالم حتى مقارنة مع فرنسا. الجامعات في فرنسا منغلقة على نفسها، بينما هي في أمريكا فاتحة أبوابها على مصراعيها للمبدعين والمثقفين والفنانين.. هنالك مقاومة كبيرة وحقيقية يقودها عدد كبير من المثقفين الأمريكيين ضد الهيمنة الأمريكية، والسياسة الأمريكية، ومن ثم فأنا أكن محبة كبيرة لعدد من المثقفين والناس وأتقاسم معهم قيما أساسية.
■ الكتابة عندك هي شأن يومي، وهاجس حياة أيضا، وأداة لرفض ما هو سلبي.. ما هي طقوس الكتابة عندك؟
□ طقوس الكتابة، بالنسبة لي عادية وبسيطة جدا. أنا أكتب خلال الصباح، أحيانا، لأنني أسافر كثيرا. القطار أيضا أتخذ منه فضاء للكتابة، أحيانا أشعر برغبة في العزلة. في فرنسا، في الريف توجد بيوت صغيرة أو شقق يمكن للإنسان أن يكتريها في البادية ليشتغل في الهدوء. وأخصص فترة بعد الظهر للقاء بالأصدقاء، وزوار فرنسا من الأصدقاء. بينما في الليل، هناك جلسات عائلية، أو ذهاب إلى السينما أو المسرح.. لم أكن منضبطا في البداية لعملية الكتابة، وهذا أمر طبيعي ذلك أننا كنا طلبة، ثم انخرطنا في العمل السياسي.. لكن شيئا فشيئا، اكتشفت أن الكتابة مهنة، وهي رغبة ملحة.. ولكنها مهنة تتطلب الانضباط، «الانضباط الحديدي»، كما كنا نقول في السبعينيات، لأن الحضور أصبح مستمرا. ومنذ أكثر من عشرين سنة، أصبحت الكتابة بالنسبة لي موعدا.. موعدا مع شيء غير محدد، لكن عليك أن تكون حاضرا، أن تكون في وضع تنتظر الذي يأتي أو لا يأتي كما قال البياتي. لكن هذا الحضور ضروري، والاستمرارية شيء أساسي.
٭ كاتب مغربي
عبد العزيز جدير