المغربي نجيب مبارك… ثرثرة مع شاعر «زومبي»

حجم الخط
0

في عمله القصصي الأخير والأول تحت عنوان «الأعمال الكاملة للزومبي» بعد مؤلفين شعريين مميزين، سعى الكاتب المغربي نجيب مبارك، الحاصل على جائزة اتحاد كتاب المغرب في الشعر دورة 2004، من خلال ثماني قصص إلى رصد تناقضات الكائنات البشرية وزيفها وهي تحاول رأب تصدعاتها النفسية والجسدية، في محاولة للظهور وفق مظهر إنساني جميل يليق بإنسان معاصر راق، أو طامح لتحقيق ذاته وطموحاته التي تنوء بثقل واقع متفسخ، تنعدم فيه اللياقة الاجتماعية المفترضة؛ وعلى مدار جل قصص المجموعة يتوسل الكاتب بشخصيات وحالات نفسية واجتماعية متباينة، قاسمها المشترك الفوز بالمال والطموح للعمل والحياة المتمدنة في أمكنة/ مدن مغربية، كتطوان والرباط والدار البيضاء…
داخل بعض فضاءاتها الشاحبة، وقد صاحبته في سرديته مسحة ساخرة لتعرية حالات شخوصه الضاربة في صور ممسوخة أشبه بالزومبيين، تلك الكائنات الأحياء/الأموات، فبعدسته السردية اللاقطة يتجول هنا وهناك ليكشف سلوك وملامح الكائن البشري المشوه بالكامل وقد بدت عليه آثار الدم والوحل والسحنة الشاحبة وزيغان الأعين…
هي صور افتراضية ومتخيلة، لكنها تشي بصدق التوصيف لهذه الكائنات الجديدة، التي أفرزتها ظروف واقعية قاسية؛ ففي قصته «الشخصية» يصور السارد شكل الصراع الذي تتجاذبه الأنا مع شخصيتها تلك التي تسعى إلى إخضاع أناها إلى مظهرها البراق المصطنع والزج بها في حياة تتنافس فيها على الحلم بالمال عن طريق القمار، إلى جانب أشخاص آخرين يتصايحون أمام ناعورة الحظ، مثل كائنات زومبية تصارع الموت من أجل الحياة.
السخرية السوداء نفسها تنطلي في قصته «يوم جنازة الكناري» حيث تجري أحداثها بقصبة الأوداية في الرباط، وتحديدا على ضفة نهر أبي رقراق، الذي انمسخ إلى صورة شاحبة بمياهه المتسخة ومراكبه المهترئة، حين يلتقط في مقهى مجاور صور أناس يخفون سلوكاتهم الفجة وعاداتهم السخيفة ولكناتهم الأشبه بـ»صرير شبه آلي يخترق الكلمات، كما لو أن الذي يخاطبك قد تم قذفه للتو من صحن طائر»، هي حالات نفسية واجتماعية تحاول عبر تكلفها أن تبدي نموذجيتها في العلاقات الإنسانية، لكن السارد يثبت زيفها وانمساخها الزومبي.
ونجد أبشع صورها أيضا في قصته «الرجل القادم من بلاد الدندون» حيث يشبه الناس وانضباطهم الحياتي بطيور البيبي الضخمة المتبلدة الحواس «الديك الحبشي المهجن» المعدة خصيصا لاستهلاك يومي صنعته إكراهات السوق وعولمتها.
ولعل أبرز مظهر ساخر لهذه النزعة الزومبية هو ما تضمنته قصته العمدة داخل عمله «ثرثرة مع شاعر زومبي» التي نصب فيها سارد القصة وبطلها محكما في مجال الشعر، وهو يستقبل طالبا باحثا في الإجازة حول موضوع «الثابت والمتحول في الجسد الشعري» يلقب نفسه بشاعر زومبي «وجدت أمامي كائنا مفزعا ومشوها بالكامل»، حيث يستعين هذا الأخير بالسارد من أجل نشر أعماله الشعرية الكاملة وإنقاذها من تنكر الكائنات المثقفة المهيمنة على الساحة، بعدما بين له أنه جاء من عالم البرزخ الذي يعج بفصيلته من شعراء زومبيين آخرين يتكلمون لغة مهجنة من لغات عديدة يسمونها (البجغطة)، وهي إشارة إلى انمساخ المشهد الثقافي الشعري منه بكائنات جديدة تعيش بين الحياة والموت جاهدة لتمرير خطابها الشعري الشنيع لإيجاد مكان لائق بين الآخرين، وهو ما يؤكد فداحة التحول الفظيع في الجسد الشعري، لتنتهي القصة بمفارقة عجيبة وساخرة كتقنية سردية تتماهى بين تشويق القارئ وشده وبين صدامية القفلة النهائية للقصة لتكسير رتابة السرد ونمطية شخصيتيه عبر ازدواجيتهما في ذات واحدة أشبه بتلك الواقعية السحرية في مشهد سينمائي مرعب، حين اكتشف السارد أن هوية ذلك الشاعر الزومبي تنطبق عليه بعدما توجه إلى المقبرة بحثا عن الكتاب «الأعمال الكاملة للزومبي» الموصى بنشره مدفونا في قبر كتب على شاهدته اسم السارد نفسه كدليل على عبثية الحياة الشعرية التي تعج بأدعياء الشعر وهم ينمسخون فجأة إلى مثقفين حقيقيين. متشاعرون يسيئون إلى لغة الشعر وهويته…
كما يواصل عبر قصة أخرى (parkour) انتقاده للوضع الإنساني الموبوء بأفكار جديدة وسخيفة كهذه، حيث يشرح فكرة الباركور/المسار كفلسفة يتمرن عليها السارد على يد شخصية أخرى تُجهل تفاصيلها في النص، حين تذكره دائما «إن فلسفة الباركور تقوم بشكل عام على تصور لعبة قدَرية كاملة، نوع من الرياضة العقلية قبل أن تكون رياضة جسدية، فرارا من الواقع داخل الواقع، وتجاوزا لعوائق المادة بمساعدة المادة نفسها» هدف هذه الفلسفة هو اختراق القماش العمراني الغبي المسمى مدينة، والهروب من الواقع والناس والعالم…
بحيث يستعير الهارب انمساخا حركات وقفزات حيوانات من قبيل القط والقرد والكينغ كونغ؛ هي فكرة ساخرة أُريدَ بها تصوير حالات الإنسان الحالي في أشد لبوساتها الحيوانية السخيفة والانهزامية، إنسان فقد بوصلته الواعية بشروطها العقلية والوجدانية، الأمر الذي يفضي به في النهاية إلى موت حتمي عبر القفزة الحرة الأخيرة التي تقوم بها الشخصية العرابة من قمة أعلى بناية في المدينة…
إن هذه النزعة الزومبية التي يضفيها الكاتب على شخوصه، وكم هي كثيرة تلك النزعات الشاذة التي يكشفها ويصورها الأدب، هي من بين صور إنسانية كثيرة مبطنة بالتصنع والتكلف وانعدام اللياقة الاجتماعية والانتهازية، والرغبة في الوصول السريع للثروة أو الشهرة… حين ينمسخ فيها الإنسان إلى كائن حي/ ميت، مشوه وبشع، ينشر رعبه وعدواه وقبحه عبر العلاقات الإنسانية في ثقافتها وعاداتها وسلوكاتها ولغاتها… هي إذن صورة ساخرة استطاع من خلالها نجيب مبارك أن يلفت انتباهنا، على الأقل، إلى أن الكائنات الزومبية ليست محض فكرة سينمائية فقط، بل هي حقيقة فعلية لكثير من الأشخاص الذين تشمئز النفس من صفاقتهم وبشاعتهم، ولن يصدق أي توصيف لهم بأحسن من وسمهم بكائنات زومبية.

كاتب مغربي

سعيد السوقايلي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية