المغرب بلد حريات صحفية تكبلها قوانين رادعة

حجم الخط
1

الرباط – «القدس العربي»: لا زال الخيط الرفيع بين الحرية وضوابطها القانونية، يضع السلطات المغربية في احراج مع الصحافيين ومؤسساتهم الدولية، خاصة الاوروبية والامريكية.
واذا كان المغرب يقدم نفسه كبلد حريات متميز عربيا وافريقيا، فان تعارض القانون الذي لا زال ينظم مهنة الصحافة والعمل الاعلامي بالمغرب مع بعض التفاصيل التي قد يلحظها مشروع القانون الجديد، يضعه دائما في مرتبة متأخرة في اللوائح التي تصدرها المنظمات الدولية ذات الصلة بحريات الصحافة والتعبير.
قبيل ثلاثة ايام من تقديم وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة تقريرا حول الجهود المبذولة لتوسيع حرية الصحافة في بلاده، كان الحديث عن المغرب يتركز حول توقيف السلطات لصحافيين فرنسيين وطردهما من البلاد وبغض النظر عن موجبات قرار التوقيف والطرد، فانه يعتبر في مقاييس المنظمات انتهاكا لحرية الاعلام وتضييقا على الصحافيين، خاصة وان توقيفهما تم باسلوب عنيف وداخل مقر جمعية حقوقية.
مسا يوم الاحد الماضي، 15 شباط/ فبراير الجاري، دخل اكثر من 40 رجل امن مقر الجمعية المغربية لحقوق الانسان واوقفوا، بعد الاعتداء على عاملة في الجمعية حسب بلاغ اصدرته، الصحافيين الفرنسيين جون لوي بيريز وبيير شوطار اللذان يعملان في شركة انتاج «بروميير ليني» وكانا يعدان فيلما وثائقيا حول الاقتصاد المغربي لحساب قناة فرانس 3 الفرنسية.
وقالت السلطات في بلاغ رسمي ان قرارها جاء بعد أن توصلت بملاحظات تتعلق بمجموعة من التحركات المشبوهة وغير القانونية، التي تتعارض مع القوانين الجاري بها العمل في التصوير الصحافي، ولجوءها إلى فتح حوار معهما مرات عدة، في مقر إقامتهما في الفندق، وفي الشارع العام، لإثارة انتباههما إلى التجاوزات المرتكبة، وضرورة حصولهما على ترخيص مسبق من المؤسسات المعنية. غير أن هذين الأجنبيين تماديا في تجاوزاتهما، مما تعين معه اتخاذ القرار المذكـور».
وقال مصطفى الخلفي وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية أن الصحافيين الفرنسيين المرحلين لم يطلبا تصريحا للتصوير حيث ان «الوزارة لم تتلق أي طلب للترخيص بالتصوير، كما لم تمنح أي رخصة» للصحافيين المذكورين.
واكد الخلفي ان «المنع لأسباب سياسية في المغرب لم يعد موجودا حاليا، وهذا ما تشهد عليه الجرائد التي سمح بدخولها ويعبر فيها عن آراء سياسية معينة» الا ان «للمغرب سيادته التي يجب احترامها باحترام القانون».
منظمة «مراسلون بلا حدود» نددت بـ «الرقابة البغيضة» التي طالت الصحافِيين الفرنسيين جان لوي بيريز وبيير شوتار وطالبت السلطات المغربية إعادة المحجوزات ومعدات التصوير التي صُودرت من الصحافيَين قبل ترحيلهما.
وقال كريستوف ديلوار الأمين العام للمنظمة، في بلاغ صحفي، إنّ «ترهيب الصحافيين وملاحقتهم بهذا الشكل البشع وتفتيش غرفتهم في الفندق بعد القبض عليهم، عمل غير شرعي بتاتًا».
وأضاف أن «السلطات المغربية تكون بذلك قد كشفت أهدافها بكل وضوح: فهي تحاول منع إنجاز هذا الفيلم الوثائقي من جهة وتسعى للحصول على البيانات المتعلقة بمصادر المعلومات من جهة أخرى»، وقال أن المغرب لا يمكن أن يفرض الرقابة على صحافيين سبق لهما طلب رخصة التصوير بشكل رسمي ولم تجبها السلطات المعنية.
وقال تقرير وزارة الاتصال حول حرية الصحافة انه استنادا لقياس مدى توفير الحماية للصحافيين ، وضمان السلامة الجسدية والحماية القضائية لهم، فان حالات الاعتداء على الصحافيين أثناء مزاولة عملهم. علما بأن المغرب يشهد تنظيم حوالي 20.000 وقفة احتجاجية كل سنة.
واوضح التقرير الذي قدمه مصطفى الخلفي يوم الاربعاء 18 شباط/ فبراير الجاري أنه لم تسجل أية حالة تعذيب أو اختطاف أو هرب بسبب تهديدات، أو التوقف عن الأنشطة المهنية بسبب ضغوط سياسية أو منع الصحافيين من ممارسة مهنتهم لأسباب تتعلق بالجنس أو الأصل أو الدين. كما لم يتعرض أي صحفي للقتل أو السجن دون محاكمة، ولم يصدر أي حكم نهائي بعقوبة سالبة للحرية في حق الصحفيين. كما لم يتم خلال السنة نفسها تسجيل أي حالة للجوء أي صحافي للمنفى لتجنب المتابعة أو القمع بسبب عمله الصحفي المهني.
وأبرز الخلفي أنه تعزيزا لسياسة الانفتاح على الإعلام الأجنبي وباعتبار المغرب بلدا منفتحا لا يضع قيودا على حرية تنقل الصحفيين والمراسلين الأجانب، تم سنة 2014 اعتماد 99 صحافيا، يتوزعون على 23 جنسية، يمثلون 57 مؤسسة إعلامية أجنبية، مضيفا أن سنة 2014 شهدت تنامي عدد الصحف والدوريات الأجنبية الموزعة بالمغرب، حيث سجلت سنة 2014 توزيع حوالي 20 مليون نسخة لـ2172 عنوان صحافي أجنبي.
واذا كان ما قاله التقرير لا يجافي الحقيقة فإن الاشكالية التي لا زال المغرب واقعا فيها تاخره في اقرار مشروع القانون الجديد المنظم للصحافة بكل جوانبها وميادين اشتغالها، واذا كان هذا التأخير لا تتحمله الجهات الرسمية وحدها، فإن هذه الجهات ومعها فيدرالية الناشرين والنقابة الوطنية للصحافة، تدرك ان التاخير بعرض مشروع القانون على المؤسسات الدستورية، (مجلس حكومي ثم وزاري ثم مجلسي النواب والمستشارين) لمناقشته والمصادقة عليه، يجعل سمعة المغرب بالمحافل الدولية دون مستوى الواقع الذي تعيشه البلاد منذ عقدين تقريبا، من انفتاح وتوسيع هامش الحريات.
اذ لا زالت بعض الاوساط المناهضة للاصلاحات تجد بالقانون الحالي منافذ للحد من اندفاع الراغبين في الاصلاح، إن كان من خلال تقديم صحافيين بقضايا النشر وفق القانون الجنائي وليس وفق قانون الصحافة والحريات العامة او في انتهاك رجال السلطة لكل ما هو متعارف عليه في التعاطي مع الصحافيين، وكل ذلك في زمن الاتصالات السريعة والحديثة وعدم القدرة على اخفاء او تغطية حوادث من هذا القبيل، فتاخذ مكانها في التقارير الدولية وتدفع بمرتبة المغرب الى الخلف ليكون أقل او بعد دول لا زالت فيها الحريات شبه منعدمة.
وحسب الاوساط المعنية بمشروع قانون الصحافة، الذي يشكل قفزة نوعية ايجابية في ميدان حرية الصحافة، فان توجها بدأ يتبلور قرارا بتقديم المشروع الى المؤسسات الدستورية خلال الاسابيع المقبلة ليتمكن مجلسا البرلمان من مناقشته والمصادقة عليه، بغض النظر عن مواقف الاطراف المعنية ميدانيا بهذا المشروع.

محمود معروف

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية