المغرب والأردن: عن تقدم الإسلاميين وتراجع اليسار

حجم الخط
25

شهد المغرب (في 7 من الشهر الحالي) والأردن في الشهر الماضي انتخابات أفضت في الأول إلى فوز حزب «العدالة والتنمية» ذي المرجعية الإسلامية بـ125 مقعدا (من أصل 395)، مما أمّن له أغلبية لتشكيل الحكومة التي كلّف رئيسه عبد الإله بن كيران بها، وأدّت في الثاني إلى عودة حزب الإخوان المسلمين إلى الخريطة البرلمانية بعد سنوات من المقاطعة بعدد لا يعطيهم أغلبية عددية (15 نائباً من أصل 130) ولكنّ يقدّمهم ككتلة متماسكة وصلبة داخل برلمان يعطي ثقلاً للعشائري والمناطقي كما يؤمن كوتا نسائية بخمسة عشر مقعداً مما مكّن من حصول المرأة على 20 مقعداً في البرلمان الجديد.
تعرّض اليسار في الانتخابات المغربية الأخيرة إلى هزّة كبيرة قذفت به من صدارة العمل السياسي إلى هامشه بعد خمسين عاماً كان خلالها ممثل تيّار المعارضة الأكبر للنظام الملكي حتى تشكيله الحكومة عام 1998 برئاسة عبد الرحمن اليوسفي الأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوى الشعبية، وحصلت كل أحزابه على 34 مقعداً أي أقل من 9٪ من عدد المقاعد.
أما في الأردن فغاب تمثيل الأحزاب القومية اليسارية عن البرلمان باستثناء 4 مقاعد فقط أي ما نسبته 3.1٪، مقابل حصولها عام 1989 على 13 مقعداً وهو ما كان يشكل 40٪ من مقاعد البرلمان في حينه، وهو ما تراجع إلى 13.8٪ في انتخابات العام 1993. وذهبت 68 مقعداً للشخصيات العشائرية.
تكشف هذه النتائج في بلدين عربيين تحكمهما مؤسستان ملكيتان ولديهما تاريخ طويل في مجال العمل الديمقراطي، من دون مواربة، على إشكالية هبوط اليسار، بتياريه القوميّ والشيوعيّ بعد أن كان ساهم هذان التيّاران في قيادة مرحلة عربية كاملة، سواء في الحكم، أو في المعارضة، وفي المقابل، على صعود أحزاب ذات طابع إسلامي، كحزب «العدالة والتنمية» في المغرب و»الإخوان المسلمين» في الأردن.
يعود الأمر إلى تحوّلات عالميّة كبرى مع سقوط الاتحاد السوفييتي، الذي كان المرجعيّة السياسية الكبرى لأحزاب اليسار، وكذلك إلى تاريخ هذه التيّارات السياسية وفشل الأنظمة التي مثلتها في البلدان العربية، من اليمن الجنوبي، الذي كان يقوده حزب شيوعيّ، إلى مصر وسوريا والعراق وليبيا والجزائر، التي قادتها أحزاب قوميّة يساريّة وأوصلتها إلى مآلات كارثية بكل معنى الكلمة.
في هذه الأثناء شهدت المنطقة العربية تأثيرات صاعقة لصعود جمهورية إيران الإسلامية التي أدّت إليها ثورة شعبيّة أنهت حكماً ملكيّاً قويّاً، كما وصلتها أصداء نجاحات أحزاب «الفضيلة» ثم «العدالة والتنمية» في صناديق الانتخاب في تركيا، رغم القمع الكبير الذي تعرّضت له هذه التيّارات.
من جهة أخرى، فإن الكارثة الكبرى التي آل إليها العراق وتحوّل إيران من نموذج دولة إسلامية إلى قطب طائفيّ يفتّت الكيانات العربية ويؤجج الصراع الشيعي ـ السنّي، ثم تحوّل حركة الاحتجاج اليائسة ضدها في العراق إلى حركة انتحارية عدمية إرهابية وانتشارها إلى سوريا، وانقلاب الجيش في مصر على حكومة شرعيّة منتخبة يقودها رئيس من الإخوان، وضع الأحزاب الإسلامية المعتدلة بين ملزمتي الإرهاب والثورة المضادّة ورفع مستوى التحدّيات الفكرية والاجتماعية والسياسية التي عليها مجابهتها إلى ذرى جديدة، إضافة إلى تحدّي كونها غير قادرة عمليّاً على التغيير بوجود «الدولة العميقة» التي تدير أركان النظام العربي.
وهذا ما يفسّر عزوف قرابة 57٪ من الناخبين المغاربة عن المشاركة في الانتخابات ونسبة مشاركة قدرها 36٪ في الأردن.
الملك المغربي محمد السادس زار قبل أيّام رئيس وزرائه الأسبق عبد الرحمن اليوسفي في المشفى، وهو مشهد يكاد يشبه حال العالم العربي في وداعه لليسار الذي آل حاله إلى الشيخوخة والمرض.

المغرب والأردن: عن تقدم الإسلاميين وتراجع اليسار

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية