اليوم يقرر المغاربة مستقبل بلدياتهم وجهاتهم، اليوم سيختار المغاربة من يمثلهم في البلديات والجهات ومنها إلى مجلس المستشارين (الغرفة الثانية للبرلمان المغربي).
اليوم سيقرر المغاربة مواصلة الإصلاح أو النكوص والتراجع إلى ما قبل سنة 2011، أصبحت الصورة واضحة الآن ولم يعد بالإمكان خلط الأوراق أمام المواطنين، هناك تقاطب واضح بين تيارين في الساحة، تيار الإصلاح وتيار الفساد.
تيار الإصلاح يريد مواصلة مسيرة التغييرات الإيجابية إلى جانب جميع الشرفاء من الأحزاب السياسية الأخرى، وهو مسنود من طرف فئات عريضة من الشعب المغربي، يظهر ذلك بشكل واضح من خلال عشرات الآلاف من المواطنين والمواطنات الذين حضروا للتجمعات الخطابية الناجحة لعبد الإله بنكيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ومن خلال التجاوب الكبير الذي لقيته حملة حزبه في جميع الجهات والأقاليم، وهي حملة انتخابية نظيفة وناجحة بشهادة المراقبين، كشفت بالملموس عن المكانة التي يحتلها في قلوب المواطنين والمواطنات، هذا التيار يضم أيضا قوى يسارية مثل حزب التقدم والاشتراكية الذي عبر رئيس ديوانه السياسي عن رفضه الواضح لعودة التحكم ووجه رسائل واضحة لقوى التحكم والاستبداد، وهي نموذجية في التعاون بين التيار اليساري والتيار الإسلامي تمثل حالة استثنائية ناجحة في المنطقة العربية.
على الجانب الآخر من الصورة هناك تيار الفساد الذي تقوده عصابات البلطجة والتحكم وتحركه الأموال المشبوهة، وهو عاجز عن مواجهة الجماهير ومخاطبتها بواسطة لغة الإقناع السياسي، ولذلك فإنه يلجأ إلى المال المشبوه لإغراء الناخبين، مستغلا أحوال الفقر والبؤس الذي تعاني منه بعض الفئات المحرومة.
هذا التيار أصبح يتجسد اليوم في الحزب الذي يمثل ظاهرة حزبية استثنائية بالنظر لظروف نشأته الملتبسة التي جعلت منه حزبا إداريا تأسس – في نظر عدد من المراقبين – في ظرفية دقيقة لخلق نوع من التوازن السياسي والحزبي لمنع تبلور قوة سياسية حيوية حاملة لمشروع إصلاحي حقيقي..هذا الحزب تم تأسيسه ليتولى زمام الأمور ولذلك فهو يجد نفسه مطالبا بإثبات قوته السياسية وانتزاع شرعية انتخابية ولو باستخدام الكثير من الأساليب المنحرفة والمشبوهة.
بالفعل، نحن أمام حالة منظمة تقاوم بكل الوسائل قواعد المنافسة الديمقراطية وتتوسل لإفساد العملية الانتخابية بسلطة المال وأساليب التحكم والترهيب. العلاقة بين الفساد والتحكم واضحة، فالفساد يمول التحكم والتحكم يوفر الحماية السياسية للفساد. والحقيقة أن الفساد الانتخابي ما هو إلا مظهر لفساد أعمق يخترق الكثير من البنيات الحزبية و الإدارية والاقتصادية وهو ليس مجرد توصيف أخلاقي لبعض الانحرافات التي تشوب المعاملات الإدارية والمالية أو تتجسد في شراء أصوات المواطنين أثناء العملية الانتخابية. إن المعنى الحقيقي لمفهوم الفساد، وهو المعنى الذي أصبح متعارفا عليه دوليا، يتجاوز المعنى السابق بكثير، ويحيل إلى ظاهرة أصبحت تمثل جزءا بنيويا من الاجتماع السياسي والاقتصادي وحتى الثقافي لبعض المجتمعات ولا سيما تلك المجتمعات التي لا تتمتع بنظم حكم ديمقراطية، وهو ما ينعكس بشكل خطير على الأداء الاقتصادي، ويسهم في تعميق الفوارق الاجتماعية، ويضعف من شرعية مؤسسات الدولة ونزاهتها، ومن فعالية السياسات العمومية ونجاعتها، ويؤدي إلى تراجع الاستثمار الخارجي والداخلي.
ظاهرة الفساد في بلادنا، أصبحت جزءا لا يتجزأ من المنظومة السياسية السائدة، وتفاقمت ثقافة التعايش مع الفساد مع مرور الزمن، وفي غمرة ذلك بدأ القانون يفقد هيبته، بل أصبح الفساد يستظل بظل القانون وببعض التشريعات الموروثة من زمن الاستعمار.. ولم يعد الفساد حالة معزولة مجسدة في بعض الأفراد، بل أصبح ثقافة تسكن في ذهن العديد من السياسيين والبيروقراطيين ورجال الأعمال وغيرهم وحتى في ذهن المواطن العادي، طبعا نحن نتحدث عن الفساد الكبير الذي تكون له مضاعفات اقتصادية خطيرة وآثار مباشرة على النمو الاقتصادي، كما تكون له كلفة سياسية أيضا تؤدي إلى تآكل مصداقية المؤسسات واهتزاز شرعيتها، وهو ما ينعكس على مستوى الاستقرار السياسي.
الفساد الذي نحذر من خطورته، هو الفساد المؤسسي الذي يعني تحول الفساد من سلوك فردي إلى عمل منظم ومخطط له، يستثمر فيه البعض لمراكمة ثروات غير مشروعة يتم توظيفها في المحطات الانتخابية، وهذا الاستثمار يبلغ ذروته حينما يبتدئ بشراء مرشحين لا تربطهم أي رابطة تنظيمية مع الحزب ووضعهم على لوائحه وتنتهي بشراء أصوات الناخبين واستغلال فقرهم وحاجتهم… الفساد الذي نقصد هو ذلك الفساد المنظم الذي يهيمن على الصحافة بواسطة سلطة المال والإشهار وأشياء أخرى ليحرفها عن رسالتها النبيلة وتوظيفها لخدمة أجندة التحكم والفساد، واستغلالها للتشويش على المشاريع الإصلاحية الجارية. الفساد كظاهرة اجتماعية موجودة في جميع المجتمعات، لكن بأحجام ودرجات متفاوتة، والدول الديمقراطية هي الأكثر معافاة من هذه الظاهرة..لكن ذلك لا يعني بأن الديمقراطية كمنظومة سياسية وقانونية قادرة لوحدها على القضاء على الفساد، ولكن الديمقراطية توفر مجموعة من الآليات المتكاملة القادرة على تشديد الخناق على الفساد وأهله..فممارسة البرلمان لأدواره الرقابية والعمل على سن تشريعات جيدة قادرة على تتبع مسالك المال العام بدءا من أوجه تحصيله وانتهاء بمجالات وطرق صرفه، تعتبر من الضمانات الأساسية لضمان الشفافية ومحاصرة ظواهر الفساد. هكذا يتضح إذن بأن شعار مواصلة الإصلاح يقترن بالضرورة بخطاب مكافحة الفساد الذي سيبقى مقترنا بالخطاب الإصلاحي وملازما له، وهي ظاهرة صحية ينبغي أن تتعزز أكثر بانخراط المواطن في هذه الدينامية، واستيعابه بأن صوته الانتخابي لا يقدر بثمن وهو فرصته اليوم للتخلص من رموز الفساد.
لقد قام تيار الإصلاح خلال هذه المرحلة بواجباته كما تمليها عليه مرجعيته في العمل السياسي وكما تفرضها المصالح العليا للوطن، والكلمة اليوم للشعب المغربي ليؤكد التزامه بخيار مواصلة الإصلاح عبر المشاركة المكثفة..
المشاركة المكثفة هي الخيار الوحيد الذي يضمن اليوم تحصين الاستثناء المغربي والاستمرار في مسار الإصلاح وتجنب عودة شبح التحكم والفساد..أصوات الناخبين والناخبات هي الخيار الوحيد لمقاومة الفساد، والمشاركة المكثفة هي السلاح الفعّال للوقوف في وجه ناهبي المال العام.. التصويت لفائدة تيار الإصلاح ومرشحيه في البلديات الحضرية والقروية وفي الجهات، هو الاختيار الصحيح لوضع المغرب فوق السكة الصحيحة وحسم الصراع بين جبهة الصلاح وجبهة الفساد..
٭ كاتب من المغرب
د. عبد العلي حامي الدين