جنيف ـ «القدس العربي»: عندما سلم المبعوث الأممي ستيفان ديمستورا ورقته لآليات وأشكال التفاوض لرئيس وفد النظام السوري بشار الجعفري، استعرضها الأخير سريعا كما قالت الصورة التلفزيونية ووضعها جانبا وقال، سنطلب ردا على هذه الورقة من دمشق بالطرق الدبلوماسية، ما يعني انه سيرسل طلبات المبعوث الأممي إلى الأسد، وهذا يعني ان المفاوضات ستتمدد أياما في أحسن الأحوال.
ويراهن الطرفان، النظام وديمستورا على عامل الوقت، الأول يعتقد ان الحسم العسكري هو الحل رغم كل تعقيدات المشهد السوري وتقاطعاته الإقليمية والدولية، والثاني والذي كان يعمل خلال الفترة الماضية باجتهاد مع كل العواصم المؤثرة لتجديد انتدابه كممثل للأمين العام للأمم المتحدة في الملف السوري خاصة وان مهمته تنتهي فعليا في اذار/مارس المقبل.
عندما اختتم ديمستورا اجتماعاته بوفد المعارضة السورية نهاية الاسبوع وقبل ان ينهي رئيس الوفد نصر الحريري جملته قال «انكم لم تقرأوا جيدا حيثيات القرار الدولي 2254 « بمعنى انه يقول ان فهمه الخاص للقرار الأممي يعني البحث في الانتخابات والدستور والحكومة التي تجمع كل الأطياف بما فيها النظام، وهو ما دفع وفد المعارضة إلى توضيح موقفه اللغوي والسياسي لنقطة البداية وتعني حكما انتقاليا بصلاحيات كاملة تنفيذية وتشريعية وهو ما سيؤدي إلى تشكيل لجنة لإعداد الدستور واجراء انتخابات تشريعية ورئاسية.
هذه ليست العقدة الوحيدة أمام هذه الجولة من مفاوضات جنيف، فهناك المنصات المعارضة الأخرى والتي برر قرار مجلس الأمن 2254 وجودهم في جنيف، وهو ما زاد من تعقيد المشهد وتعقيد مهمة الوفد المفاوض. وفيما يبدو وفد النظام مسترخيا تغوص المعارضة في تفاصيل تتعلق في أساس عملية التفاوض.
وبينما كانت كل الخطوط مقطوعة بين وفد الهيئة العليا ومنصتي القاهرة وموسكو والتي كرسها الفصل بين طاولات الوفد المعارض بعشرة سنتيمترات حينما اشترط رئيس الوفد الحريري ان يجلس وفده منفصلا ورفضت المنصات الجلوس خلف وفد الهيئة وهو ما أخر الجلسة الافتتاحية لمدة ساعة كاملة، لينجح ديمستورا في اهداء نفسه نصرا تمثل في الصورة التي جمعت كل الأطراف تحت سقف واحد في خدعة وبدعة أممية جديدة انطلت على أطراف المعارضة السورية.
عقدة التمثيل ما زالت تلقي بظلالها الثقيلة على الانطلاق الجدي لمفاوضات بين النظام والمعارضة، وفي حين طلبت المعارضة بدء مفاوضات مباشرة مع النظام رفض الأخير ذلك. وفي الغرف المغلقة في مقر وفد الهيئة العليا للمفاوضات لا يخفي أعضاء الوفد خشــيــتــهم من ان تتــحـــول المحادثات إلى مفاوضات بين أطــراف متنازعة وليس بين ممثلي المعارضة والثورة السورية والنظام.
في هذه الأثناء كانت الأطراف الإقليمية والدولية في الأروقة الخلفية لمقر سكن المعارضة والمنصات والتي وصفها معارض سوري على انها «ورشة الشياطين» تنشط من أجل جمع منصة القاهرة ووفد الهيئة العليا، وبالفعل تم هذا وجلس وفد الهيئة ومنصة القاهرة في مقر إقامة وفد الهيئة.
وهنا برز نهجان مختلفان، الأول يقول على لسان وفد الهيئة «نحن نرحب بكم لان تكونوا جزءا أساسيا من وفدنا وبالنسبة التي تريدونها، لكننا ملتزمون بالتفويض الذي منح لنا من الشعب والهيئات الثورية وبالتالي البدء بهيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات ثم الدستور ثم الانتخابات» وهو ما رفضه جهاد مقدسي من حيث المبدأ متهما وفد الهيئة، معتبرا ذلك مستحيلا في الوقت الحالي ومطالبا بوجوب القبول بالقرار الأممي في ظل المتغيرات على الأرض وانه لا بأس بالقبول بحكومة مشتركة مع النظام في الوقت الحالي، وهنا انفضت الجلسة لكنهم حرصوا على العناق أمام مقر اقامة وفد الهيئة واتفقوا على جلسة أخرى.
وبينما يرى جهاد مقدسي من منصة القاهرة انه يجب ان يكون وفد المعارضة السورية واحدا لكن ليس موحدا مطالبا بان تكون الوفود واحدة لكن ليس بالضرورة موحدة، اعتبر جمال سليمان انه لا يجب ان تواجه الهيئة العليا للمفاوضات الصخرة التي هي ازالة بشار الأسد ويجب عليها ان تركز في أساليب أخرى، الأمر الذي جعل وفد الهيئة العليا في مأزق صحب أما ان يرفضوا المفاوضات شكلا ومضمونا ويغادروا جنيف أو يستمروا على ان يخترع ديمستورا صيغة ترضي جميع الأطراف.
مرة أخرى يحاول ديمستورا عبر الفهم المختلف عليه للقرارات الدولية ادخال المعارضة السورية في شيطان التفاصيل الذي ربما يجعل العملية التفاوضية لا نهائية، ما يوسع من مأزق المعارضة أمام مناصريها حيث أعترض كثيرون على العملية التفاوضية برمتها في ظل استمرار مسلسل القتل اليومي وانتهاك النظام لكل الهدن والاتفاقات المبرمة سابقا بضمانات إقليمية ودولية.
وخلال عطلة نهاية الاسبوع والتي ألقت بنوع من الاسترخاء على الوفد وفي حوارات مكثفة مع أطراف عدة يخرج المراقب باستخلاص جوهره ان المعارضة ستمضي في المفاوضات بالمنهج والاسلوب نفسه الذي اتبعه ديمستورا والنظام وهو المماطلة والتسويف كنهج تفاوضي و«سنستمر في التفاوض دفاعا عن حقوق شعبنا المنكوب بالدمار والقتل والتشريد لنطرح مطالبه مهما طال زمن المفاوضات، للوصول إلى تشكيل هيئة حكم انتقالي بصلاحيات واسعة تكون المعبر الضروري لحل سياسي بضمانات دولية».
احمد المصري