نيويورك ـ «القدس العربي»: من غرائب الأمور أن أحدا لم يتوقع نجاح لقاءات جنيف بين الحكومة السورية والمعارضة التي بدأت يوم الجمعة 29 كانون الثاني/يناير والتي تأخرت عن موعدها أربعة أيام. فالمبعوث الخاص للأمين العام ستيفان دي ميستورا قال إنه غير متفائل بنجاح الجولة والمعارضة السورية يبدو أنها جرّت إلى جنيف دون أن تكون على قلب واحد أو موقف واحد ووضعت شروطا يعرفون مسبقا أنها لن تكون مقبولة من الطرف الآخر. أما الوفد الحكومي فمن جهة صعد العمليات العسكرية على الأرض مدعوما بالغارات الجوية من الطيران الروسي ومن جهة أخرى جاء إلى جنيف أكثر تماسكا واطمئنانا أن الحسم العسكري قاب قوسين أو أدنى وخاصة في منطقة حلب. وزيرا خارجية روسيا والولايات المتحدة تغيبا عن اللقاءات الأولى تجنبا للإحراج فلم يملك بعدها دي ميستورا إلا أن علق الاجتماع لغاية 25 كانون الثاني/يناير الحالي.
وكي نعرف أسباب الفشل الذي لحق باجتماعات جنيف لا بد من مراجعة للشروط الموضوعية التي في ظلها تنجح أو تخفق المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة. والأمثلة كثيرة على ذلك وسنستعرض في هذا المقال عينات من المفاوضات التي أوصلت الأطراف إلى شاطئ الأمان وأخرى بقيت تراوح في مكانها دون حل أو إنزلقت إلى فشل ذريع.
توسطت الأمم المتحدة في كثير من الصراعات. نجحت أحيانا وأخفقت أخرى. والنجاح والإخفاق لا يعتمد فقط على براعة ممثل الأمين العام ولا على نوايا الطرفين الأساسيين للنزاع ولا على مصداقية الأمم المتحدة نفسها بل إن هناك شروطا موضوعية خمسة يجب أن تتوفر قبل وأثناء وبعد المفاوضات إذا ما أريد لها أن تنجح. ونلخصها كما يلي:
أولاـ توافق أعضاء مجلس الأمن وخاصة الخمسة الكبار ذوي المقاعد الدائمة.
ثانيا ـ توفر الإمكانيات اللوجستية والمادية والتقنية لتنفيذ خطة السلام عند نجاح المفاوضات.
ثالثا ـ أن تكون خطة السلام نابعة من إحتياجات الشعب المستهدف وأن تكون قواه الفاعلة قد شاركت في صياغة خطة السلام.
رابعا ـ أن يكون هناك تضامن إقليمي مع الخطة الدولية ودعم جاد لها من دول جوار البلد المستهدف.
خامسا- أن يتم تنفيذ الخطة بالرغم من العراقيل والمطبات والألغام وبقاء مجلس الأمن موحدا خلف الخطة رغم تلك المصاعب.
الأمثلة على نجاح الأمم المتحدة في حل الصراعات كثيرة وأكبر من أن يتسع لها مقال واحد. فقد تكللت جهود عديدة وخاصة بعد نهاية الحرب الباردة بالنجاح لأسباب موضوعية أهمها إنتهاء المنافسة بين الدولتين العظميين ونزع أغطية كثيرة عن طغاة ومجرمين وسفاحين فبدأ يسقط الواحد بعد الآخر وتستقر الأمور بعد سنين من الصراع أو التوتر الداخلي أو الحكم الشمولي الكاسر كما حدث في تشيلي ونيكاراغوا والسلفادور وهايتي والكونغو وإثيوبيا وتشاد وليبيريا وسيراليون وساحل العاج وناميبيا وجنوب أفريقيا والبوسنة وكوسوفو وتيمور الشرقية وكمبوديا وغيرها. لكن المفاوضات التي رعتها الأمم المتحدة في الصومال واليمن عام 1994 ورواندا وبورندي وجمهورية أفريقيا الوسطى وقبرص وكشمير والصحراء الغربية وحاليا في سوريا واليمن وليبيا وغيرها إنتهت إما إلى فشل ذريع إو إلى حالة من الجمود طويل الأمد. وسأختار عينة من المفاوضات التي نجحت وأوصلت الأمم المتحدة البلد المعني إلى شاطئ السلام.
توصلت الأمم المتحدة مع فيتنام وممثلي الشعب الكمبودي إلى إتفاقية باريس بتاريخ 23 تشرين الاول/أكتوبر 1991 والتي أعلنت نهاية الصراع. وقعت الاتفاقية كافة محافظات البلاد الـ 23. اعتمد مجلس الأمن القرار 745 (1992) بالإجماع والذي بناء علية أنشأت الأمم المتحدة أكبر عملية حفظ سلام بعد الحرب الباردة حيث وصل عددها إلى نحو 22،000 ممولة أساسا من اليابان ومدعومة من الصين وكافة الدول المؤثرة ووصلت تكاليفها إلى نحو 1.6 مليار دولار. ووضع تحت تصرف الأمم المتحدة كافة الإمكانات وكان ممثل الأمين العام الياباني، ياسوشي أكاشي، الحاكم الفعلي للبلاد لغاية عقد الانتخابات. عملت الأمم المتحدة على التحقق من خروج كافة القوات الأجنبية من البلاد ونزع سلاح الميليشيات وعقد انتخابات حرة ونزيهة. وهددت جماعة الخمير الحمر بإفشال الانتخابات وتعطيل تحول البلاد إلى الديمقراطية لأنهم كانوا يعرفون أنهم سيمثلون يوما أمام العدالة لكثرة ما ارتكبوا من مجازر وإبادة جماعية أثناء حكمهم للبلاد من 1975 إلى 1979 إلى أن دخلت فيتنام لتنقذ الشعب الكمبودي من سواطيرهم. وكثير من قياداتهم الآن يقبعون في الزنازين يحاكمون أو بانتظار محاكمتهم.
لم تتأثر الأمم المتحدة بالتهديدات بل استمرت في العملية الانتخابية عام 1993 حيث شارك فيها 90 في المئة من المؤهلين وفاز بها حزب الأمير راناريد سيهانوك وأقر البرلمان الجديد دستورا يؤسس لملكية دستورية ديمقراطية تعددية مما سهل خروج بعثة الأمم المتحدة مكللة بالنجاح الكبير.
خلقت بريطانيا المشكلة القبرصية مستخدمة أسلوب «فرق تسد» كما هو الحال في كل مستعمراتها. والمسألة القبرصية ليست محصورة بين القبارصة اليونان والقبارصة الأتراك بل هي تجسيد لصراع تاريخي عميق بين تركيا واليونان. وإذا لم يحسم النزاع بين البلدين فلن يحسم الصراع في الجزيرة المقسمة. بدأت المواجهات الدموية بين المجتمعين اليوناني والقبرصي سنة 1963 ونشرت الأمم المتحدة بعثتها للسلام عام 1964 وما زالت موجودة لغاية الآن. وبعد انقلاب 1974 الذي قامت به مجموعة من الضباط يريدون إنضمام الجزيرة لليونان، تدخلت تركيا عسكريا لحماية الشطر التركي حيث أعلن في الجزء الشمالي جمهورية قبرص التركية المستقلة والتي لا تعترف بها إلا دولة واحدة هي تركيا. وحاول أكثر من أمين عام للأمم المتحدة مباشرة أو عبر ممثليه أن يجدوا حلا مقبولا للطرفين ولم ينجحوا. وقدم الأمين العام السابق كوفي عنان مشروعا شاملا لقيام كونفدرالية بين الشطرين واستمرت مفاوضات غير مباشرة ومباشرة بين الطرفين من 1999 حتى 20003 دون نتيجة. ولكن بتشجيع من مجلس الأمن توصل الطرفان إلى إتفاقية شاملة للسلام على أن تخضع للاستفتاء من قبل الشطرين. وجرى الاستفتاء في 24 نيسان/أبريل 2004 فقبل الاتفاقية القبارصة الأتراك ورفضها القبارصة اليونانيون. ومنذ ذلك الاستفتاء إلى اليوم تقوم المبادرات على إستجلاء الأجواء لعل بارقة أمل تلوح، كان آخرها مبادرة قدمتها الأمم المتحدة في 2008 لإنشاء فدرالية بين الشطرين لكن الاقتراح لم ير النور بعد.
المشكلة القبرصية ستبقى تراوح في مكانها لأن اللاعبين الأساسيين تركيا واليونان عضوان في الناتو وحليفان للولايات المتحدة وليسا على إستعداد أن يدخلا في حرب لحسم المعركة. وما دام الصراع القائم غير دموي ولم ينفجر ليصبح بحاجة إلى تدخل دولي للحسم ستبقى القضية القبرصية معلقة إلى إشعار آخر.
إذن كل مقومات نجاح المحادثات/ المفاوضات السورية السورية غير متوفرة. فمواقف الدول الكبرى الأساسية غير موحدة حتى ولو بدا ذلك على السطح تجسيدا للقرار 2254. لكن ما حدث بعد القرار أن روسيا صعدت من عملياتها العسكرية دعما لقوات الحكومة التي بدأت تسترد بعض المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. والقصف الروسي لم يستهدف ما يتفق عليه أنها مناطق خاضعة للإرهابيين مثل «داعش» و»النصرة» بل للمناطق الخاضعة للمعارضة المقبولة حتى بالتصنيف الروسي مثل الجيش الحر. من جهة أخرى فإن الولايات المتحدة تراخت أكثر بعد القرار وكان همها الأول أن تعمل على تشكيل وفد المعارضة والذي أصبح بالأساس سعوديا وبدرجة أقل تركيا حيث استخدمت الدولتان الفيتو على مشاركة الجماعات التي لا تتفق مع رؤيتها.
جاء الوفد الحكومي قويا ومستقويا بالطيران الروسي وليس في عجلة من أمره بينما راح وفد المعارضة ومن موقف ضعف يطرح شروطا مسبقة وهو يعرف سلفا أنه غير قادر على تحقيقها. بل كان هناك خلاف حول الذهاب إلى جنيف وخلاف على الاجتماع بدي ميستورا وعلى البقاء في أو الانسحاب. كل مواقف وفد المعارضة كانت تنم عن ضعف وتردد وخلاف.
فالأمر إذن لا يتعلق بالمبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا ولا مهاراته الشخصية فقد جرب من قبله من هم أكثر دراية وأوسع خبرة وأكثر حنكة ولم ينجحوا فلماذا نضع اللوم على دي ميستورا والذي كان يحبذ التريث قبل إرسال الدعوات؟
المشكلة أن المفاوضات عندما تنجح الكل يحاول أن يأخذ حصته من النجاح وعندما تتعثر وتفشل يلقى باللوم على الأمم المتحدة ووسطائها الدوليين.
عبد الحميد صيام