مرة أخرى، يصر منتجون عرب على «اقتراف» شيء اسمه «الكاميرا الخفية»، ظاهره الإثارة وشد انتباه مشاهدي التلفزيون، وباطنه جني أموال طائلة من خلال تقديم بضاعة مغشوشة، «لا ترفع غباوة ولا تزيل غشاوة»، كما يقول بعض الحكماء.
ومعظم فقرات الكاميرا الخفية عند القنوات العربية لا يخرج عن أحد الأمرين:
– إما افتعال مقالب على أساس أنها حقيقة، بين المتحكم في المقلب ومؤديه وبين الشخص الذي يقع ضحيته. وغالبا ما تكون هذه المقالب «مفبركة»، أساسها التمثيل واصطناع عنصر الصدمة والمفاجأة من لدن أبطال الكاميرا الخفية. وكثيرا ما افتضح أمر المنتجين الذين يحاولون استغباء المشاهدين والضحك على ذقونهم. لكن المشاهد اليوم صار أذكى من أن تمرر عليه تلك الحيل السخيفة؛ فما إن تبث قناة ما فقرة من فقرات الكاميرا الخفية، حتى نجد في اليوم الموالي من يرصدها، فاضحا الجوانب المفتعلة او «المفبركة» فيها.
– وإما جر ضحايا الكاميرا الخفية (في حال كانت حقيقية) إلى مواقف محرجة وخطيرة قد تهدد سلامتهم البدنية والنفسية.
الشيء الذي حدا بعدد من رجال الدين إلى الإدلاء بدلوهم في الموضوع حيث أفتوا بـ»تحريم» هذا النوع من الكاميرا الخفية. ففي كل شهر رمضان بالخصوص، حيث تتنافس التلفزيونات العربية على بث الكاميرا الخفية، ينتفض دعاة محتجين ساخطين غاضبين ملوحين بورقة التحريم، مثلما وقع هذه السنة على خلفية برنامجي «رامز بيلعب بالنار» للفنان رامز جلال و»هاني في الأدغال» للفنان هاني رمزي، حيث أصدرت دار الإفتاء المصرية فتوى تؤكد فيها أن الشريعة الإسلامية نهت عن ترويع الآمنين، حتى ولو كان على سبيل المزاح، واستشهدت بحديث للنبي محمد (ص) يقول فيه “لَا تُرَوِّعُوا الْمُسْلِمَ فَإِنَّ رَوْعَةَ الْمُسْلِمِ ظُلْمٌ عَظِيمٌ».
من الخطورة بمكان أن يتحول المفتون إلى نقاد تلفزيون، وخطورة الأمر تتجلى في كونهم لا يستعملون أدوات التحليل التي يعتمدها النقاد الفنيون عادة والتي تبقى في النهاية مجرد وجهات نظر تحتمل أكثر من قراءة، ولكن أولئك المفتين يستعملون منطقا واحدا هو الحلال والحرام. وفي ذلك خطورة على المنتجين والفنانين عبر ممارسة نوع من التحريض ضدهم.
السخرية من «العروبي»
يعتقد بعض الممثلين الكوميديين المغاربة أن أقصر طريق لجلب ضحك الجمهور هو تقمص دور شخصية الإنسان البدوي (الذي يسمى عندنا «العروبي» في تحريف للمفردة الفصحى «الأعرابي»)، فتراهم يقلدونه في حركاته وطريقة حديثه، وأحيانا يصورونه على أساس أنه غبي، وفي ذلك احتقار وتنميط له.
ومن ثم، جعل بعض الممثلين المشهورين من شخصية «العروبي» علامة لصيقة بهم، يكررونها في مختلف الأعمال الكوميدية وحتى في الفقرات الإعلانية التجارية.
والواقع أن السخرية من «العروبي» أسلوب طغى على عدد من الممثلين المغاربة منذ زمان. مما يطرح معه تساؤل عن الهدف من جعل فئة عريضة من الشعب عرضة للتندر ومادة للإضحاك. في حين لا يقوى أولئك الممثلون على ممارسة ذلك السلوك مع الطبقة الأرستقراطية أو مع كبار رجال السلطة.
ما أصعب أن يظل الكوميدي أسير شخصية البدوي، ولا يتجاوزها إلى شخصيات أخرى!
حرب الإلهاء
بعد أن ضرب الخبراء المغاربة أخماسا في أسداس، اكتشفوا أن سبب أزمات البلاد والعباد تكمن في شيء واحد: الأكياس البلاستيكية المشتهرة باللقب الحركي (ميكا)؛ فأعلنوها حربا على هذا العدو الخطير، يشنونها من خلال القنوات التلفزيونية هذه الأيام. وإمعانا في حيلة الإلهاء التي دأب الساسة على ركوبها لشغل الناس عن مشكلاتهم وقضاياهم الحقيقة، صاروا يقترحون بدائل لــ»ميكا»، مستعينين بلوحات إعلانية يتهجمون فيها على اللغة العربية… ولسان حالهم يردد: (ديرو عين ميكا… ميكا). بمعنى: غضوا الطرف عنا!
سجال الإفطار العلني
في تدوينة «فيسبوكية»، قربنا الأديب والباحث المغربي إدريس الكنبوري من النقاش الذي شارك فيه على قناة «العربي» إلى جانب الناشط اليساري فؤاد عبد المومني وضيف ثالث من دعاة الإفطار العلني في رمضان. كان رأي الضيف الثاني أن الدولة لا يحق لها قمع المجاهرين بالإفطار، وأن القانون الذي يجرم الإفطار العلني يجب إلغاؤه، وأن الحكومة تريد أن تدخل الناس إلى الجنة بالقوة (لا أعرف من أين أتى بهذا، يقول الكنبوري، ثم إن القانون المذكور أي الجنائي الفصل 222 صدر في العهد الفرنسي).
وكان رأي الضيف الأول أن هناك بعض الناس تعرضوا للقمع على يد الناس أو رجال الأمن لأنهم أفطروا لأسباب مرضية في الشارع، وبالتالي يجب توفير الحماية للمفطرين. وكان رأي الكنبوري أن القانون هو نوع من الحماية للمفطرين المجاهرين، في وجه أي عنف يمكن أن يتعرضوا له على يد الناس، وأن هؤلاء يفعلون ذلك في قلب المدن الكبرى وأمام الكاميرات، ولا يدخلون المناطق الشعبية الآهلة، والدولة لا يمكنها في الواقع أن توفر حارسا لكل مفطر. وقال أيضا إن هناك الآلاف من المغاربة الذين يفطرون في رمضان لأسباب مختلفة بينها المرض وهذا لا يطرح أي مشكلة، لأنهم يفعلون ذلك باحترام للأغلبية الصائمة (هؤلاء يفطرون وهم يرغبون لو صاموا لكن المرض يمنعهم، ومنهم من يفعل ذلك عن قناعة بأن رمضان لا يلزمه)، ولكن الموضوع الأساسي اليوم هو حركة معروفة اسمها «مالي» تتخذ الاستفزاز وسيلة لإعلان مواقفها، حتى لا نخلط الأمور. وتساءل الكنبوري: ما الفائدة في أن تأتي جماعة أفراد إلى مكان عمومي وتبدأ في الأكل أمام الناس بحركات فيها استفزاز وهم أغلبهم شبان؟ وأنه إذا كانت القضية قضية حريات فردية فلدينا العديد من الحريات الفردية التي نحتاجها ونريد تحقيقها، وهي حريات جدية، بدل هذا الاستفزاز الذي يحول الحرية الفردية إلى مجرد عملية أكل في الطريق.
كاتب من المغرب
الطاهر الطويل