لم تحل المهمات السياسية التي مارسها حسن أوريد من خفوت صوت المفكر والمبدع لديه، بل بالعكس ظلّ وفيا لقلق السؤال الفكري وانفلات المخيال الإبداعي. فبعد سنوات من مزاولة نشاطات مطبوعة بالرسمية (مكلف بالدراسات في وزارة الخارجية المغربية، ومستشار في سفارة المغرب في واشنطن، وبعدها ناطق رسمي باسم القصر الملكي، ثم والٍ على مكناس تافيلالت، فمؤرخ للمملكة) وجد أوريد نفسه يضع مسافة بينه وبين السلطة، ويجدد صلته بعوالم البحث والتأليف والتفكير والإبداع والدرس الجامعي. ومن ثم، أصدر العديد من الكتب الفكرية والإبداعية، من بينها: مرآة الغرب المنكسرة، والإسلام والغرب والعولمة، وتلك الإحداث، ومأزق الإسلام السياسي، والموريسكي، والأجمة، وسيرة حمار، وفيروز المحيط، والحديث والشجن، ويوميات مصطاف، وصبوة في خريف العمر، وسينترا وغيرها.
وقبل بضعة أشهر، نشر كتابا باللغة الفرنسية عنوانه Aux origines du marasme arabe «جذور الوهن العربي» يحلل فيه الوضع العربي الراهن، من خلال العودة إلى مراحل تاريخية أساسية، وذلك استعانة بمجموعة من الوثائق والشهادات لمفكرين وكتاب متعددي المشارب. وهنا نص الحوار:
○ رجعتَ في كتابك الجديد Aux origines du marasme arabe «جذور الوهن العربي» الذي أصدرته بعد ست سنوات من «الربيع العربي» إلى فترات سابقة من تاريخ العرب والمسلمين في احتكاكهم بالآخر. ما هو الهاجس الأساسي الذي كان من وراء إصدار هذا الكتاب؟
• الهاجس الأساسي الذي دفعني إلى أن أغور في التاريخ هو ما عرفه العالم العربي من حراك تحت اسم الربيع العربي. وقد حاولت أن أغور في المحطات الحاسمة للتاريخ، منذ حملة نابليون إلى الثورة العربية التي قادها الأمير فيصل بن الحسين، مرورا بتداعيات الحرب العالمية الثانية، وصولا إلى انعكاسات العدوان الثلاثي على مصر في السويس. وخلصت إلى أشياء منها، أن العالم العربي مُؤَثَّر (مفعول به) وليس مُؤثرا، أي أن العامل الخارجي كان دائما فاعلا، إن إيجابا كما في التحديث الذي عرفته مصر، أو سلبا من خلال الالتفاف على مطامح مشروعة كالوحدة والتحديث. ليس يعني ذلك أنه لم تكن هناك ديناميات خارجية، ولكنها كانت موضوع رهان سياق دولي. بتعبير آخر، الوضع التي يتخبط فيه العالم العربي هو ـ في الأساس ـ نتيجة لصراع قوى، أولا قوى استعمارية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وثانيا سباق القوى العظمى عقب الحرب العالمية الثانية.
بتعبير آخر، وهي النتيجة التي انتهى إليها الدبلوماسي والكاتب الصحافي الفرنسي إيريك رولو في كتابه «في كواليس الشرق الأوسط» إن العالم العربي ضحية أكثر منه مسؤول عن الوضع الذي يعيش فيه. أعرف أن هذه الخلاصة قد تصدم. طبعا، هذا لا يعفي من القول: هناك مسؤولية للحكّام وللنخب، ولكن في الوقت ذاته ينبغي أن نقرّ موضوعيا بأن الوضع الذي يوجد فيه العالم العربي جغرافيا، وبحكم أنه يختزن طاقة مهمة هي البترول، جعله مسرحا لسباق دولي أثّر على ديناميته الداخلية.
○ هل يمكن أن نعتبر هذا الكتاب حلقة إضافية جديدة لكتابك «مرآة الغرب المنكسرة»؟
• «مرآة الغرب المنكسرة» كان يحمل أثر اللحظة، وهي الأزمة الاقتصادية التي عرفها الغرب، وكنت اعتبرت أن هذه الأزمة ستنتقل إلى الضواحي. الكتاب الذي كتبتُ مؤخرا، هو كذلك يحمل جمرة الحاضر: الوضع الذي يعيشه العالم، أو المخاض الذي لم يسفر عن شيء، لأنه في نهاية المطاف لا يكفي أن نحلل، بل لا بد أن أقدم نتائج. الكتاب ينتهي عند سنة 1967، لأنني اعتبرت أنها مرحلة فاصلة. وإذا كان لا معنى لكتاب إنْ لم يحمل أملا، فأنا أتبنى النتيجة التي قدّمها الكاتب الأردني مروان معشر، وهي أن اليقظة العربية الأولى كانت شأن النخب من دون جماهير، وأن اليقظة الحالية ـ إن صحّت تسميتها بذلك ـ هي شأن جماهير من دون نخب. لا يمكن عمليا للعالم العربي أن يخرج من الوضع المعضل من دون اضطلاع النخب بأدوارها السياسية والثقافية.
الفكر مزعج للعادات المستحكَمة
○ في نظرك، ما سبب تراجع النخب العربية عن أداء أدوارها التنويرية والتحديثية في هذا المجال؟
• هناك معطيات موضوعية أُلخّصها في عبارة: نهاية الحلم، فالقومية العربية حملت حلما، وكذلك الأمر بالنسبة للاشتراكية والقضية الفلسطينية التي كانت عاملا جامعا للنخب السياسية والثقافية. فغياب الإيديولوجيات أو الأفكار الجامعة هو شأن ليس قاصرا على العالم العربي، ما جعل الباحث يتوارى إلى دور المختصر أو الباحث أو الخبير. فالمثقف هو في الأساس حامل لرؤية شمولية إزاء قضايا معقّدة، وليس مقتصرا على مجال ضيق. وأنتم تعرفون الكتاب الشهير لإدوارد سعيد حول «تمثلات المثقف». المثقف، حسب تعبيره، شخص هاوِ في قضايا عدة، إنه ليس مختصًّا، ولكنه يحمل نظرة شمولية. هذا الصنف انتهى، لأنه لم تعد هناك فكرة جامعة أو إيديولوجيات تحمل أملا، فالاتجاه العام في العالم العربي ـ كما في العالم برمته ـ هو للخبير المختص التقني. وتبعًا لذلك، صارت هناك إيديولوجيا مهيمنة وبالأخص مع «الليبرالية الجديدة» New Liberalism تجعل المال هو القيمة المهيمنة.
ودور الكتاب تغيّر، لم يعد فكرة أو تصوّرا، ولكن ما يحدد قيمة الكتاب هو عدد القراء والجوائز. وطبعا، فعدد القراء ليس معيارا لكي نقدم فكرة أو تصورا عن مدى جودة الكتاب. الثقافة هي نفسها تغيرت، عوض أن تكون أداة للتغيير والتفكير، أصبحت إطارا للتسلية. نحن الآن، وأتكلم عن المغرب تحديدا، نختزل الثقافة في التسلية، مع بعض الأمور البسيطة في ما يخص دعم النشر أو طباعة كتب ودعم بعض الفرق المسرحية الخ. لكن الجهد الأكبر يذهب بالأخص للتسلية، فعملية الفكر أصبحت غائبة. وأنا عندما أتكلم عن الثقافة ودور المثقف لا أفصله عن عمل الفكر، بما هو عملية تفكير وإعادة نظر في أشياء مُسلمة، وهي عملية مزعجة. ليس هناك فكر غير مزعج، مزعج للعادات المستحكمة، مزعج للفئات الحاكمة… ولذلك، ينبغي أن نتسلح بدور الفكر والمفكر.
التربية ليست من الأولويات
في العالم العربي
○ هذا الفراغ الذي تتحدث عنه وعدم قيام المثقف بأدواره الطلائعية بسبب غياب المنظومات الفكرية المرجعية الكبرى، هل هو الذي أدى نشوء مثقفين يتماهون مع ما أصبح يُعرف بـ«الإسلام السياسي» الذي يطرح نفسه بديلا عن غياب تلك المرجعيات الأساسية؟
• بدون شك، فإن جزءا كبيرا من التغيير الذي حصل مرده إلى هذا التحول، وبالأخص بعد عام 1967 تحوّل من فكرة جامعة، أو ما كان يسميه الأكاديمي والكاتب السياسي اللبناني فؤاد عجمي بـ«الفكرة الكبرى» وهي القومية العربية، إلى فكرة الإسلام السياسي. والإسلام السياسي ـ بلا ريب ـ تعبير عن أزمة وعن أعراض، ولكنه لا يستطيع أن يكون جوابا، لأن دور المثقف أن يكون نقديا، ومن الصعب في إطار منظومة عقدية أن يضطلع النقد بدور أساسي. يمكنه أن يتحدث عن الإصلاح، ولكن أن يمارس النقد فالأمر صعب جدا. عادة، ما يتم استقطاب عناصر (وهو طبعا شيء له شرعية) من الشرائح غير المتعلمة أو ذات التعليم البسيط، والحال أنّ فهم ميكانزمات العالم يقتضي معرفة ولغة. لا يمكن أن نختزل المثقف في دور الداعية أو الواعظ الذي يتفاعل وينفعل مع معطيات معينة.
الفكر شيء أعمق، إنه يفترض معرفة وتكوينا وحسا نقديا، وهو أمر لا نجده بالضرورة لدى الحركات الإسلامية. وأعتقد أن هذا هو ما أدى ببعض الإسلاميين ـ وبالأخص تجربة حزب «النهضة» في تونس ـ إلى ضرورة التمييز بين الدعوي والسياسي، وهنا أشير إلى أن من بين الشخصيات السياسية في النهضة عبد الفتاح مورو الذي يدعو إلى تعلّم العلوم الإنسانية. ربما اعتقدنا في فترة معينة، أن التقدم والتطور أو التنمية شأن التقنيين. نحن نؤمن الآن بأننا في حاجة إلى أن نحسن تشخيص واقع مجتمعنا، مثلما يفعل الطبيب، ولا يمكن أن نقوم بذلك من دون أدوات العلوم الإنسانية التي كانت غائبة عن اهتماماتنا، كنّا نؤمن بأنه يكفي أن نكوّن مهندسين وأطباء وتقنيين ومهندسين في الإحصائيات… الآن، أدرك الكثيرون أنه لا بد من تعلّم العلوم الإنسانية.
في جميع الحالات، أعتقد أن هناك أشياء لا يمكن أن لا ننكب عليها، لأنها من أدوات التحديث، وأولها الدولة بصفتها عقدا اجتماعيا، وليس بصفتها أداة إدارية أو زجرية، فعادة ما يتم الخلط بين الدولة والنظام، ومثلما ورد في ملف قامت به مجلة «إيكونوميست» توجد في العالم العربي أنظمة قوية ودول هشة. فهناك فرق بين النظام وبين الدولة باعتبارها عقدا اجتماعيا لفائدة الجميع، وليس لشرائح أو عشائر معينة وليس للطغمة.
المسألة الثانية التي نتكلم عنها كثيرا ولم ننكب عليها بعمق، وهي التربية من أجل بناء إنسان جديد. يحزّ في نفسي أن لا يتم الالتفات بما يكفي إلى شخصية مهمة أفرزها العالم العربي وأولت التربية اهتماما كبيرا في وقت لم تكن فيه هذه القضية من الأولويات، إنه المفكر والسياسي محمد فاضل الجمالي الذي كان رئيسا للوزراء في العراق، وكان صديقا للمربّي والفيلسوف جون ديوي إذ تأثّر بنتائجه في التربية. وبعد الانقلاب على الملك فيصل في 1958 حكم على الجمالي بالإعدام، لكن الحكم لم ينفذ، وعوض بعقوبة سجنية، قبل أن يفرج عليه، ويختار تونس مقاما. كيف يمكن عمليا، بغض النظر عن الاعتبارات السياسية، أن تتم التضحية بكفاءة؟
أفتح قوسا لأشير إلى تشخيص وقع في 2002 ولا أعتقد أنه تم استخلاص العبرة منه، هو تقرير التنمية البشرية الذي قامت به الأمم المتحدة والذي انتهى في ما انتهى إليه إلى أن التربية في العالم العربي خارج المنظومة الكونية، بسبب تفشي الأمية، وأن ما يُدرَّس غير متطابق مع التوجه العالمي. وما انتهى إليه التقرير هو نفسه الذي انتهى إليه نزار قباني في قصيدته الشهيرة: «هوامش على دفتر النكسة» فالعالم العربي لا يقرأ.
○ ألا يمكن الحديث عن مشكلة أخرى تتعلق بالتربية، وتتمثل في عدم الاستقرار على نموذج تربوي محدد في هذا القطر أو ذاك، ووجود تضارب في النماذج حتى داخل البلد الواحد؟
• من دون شك أن لكل بلد خصوصية، كما أن لكل منطقة خصوصية. بلاد المغرب هي ليست الجزيرة العربية، ولا يمكن إسقاط وضع سلطة عمان على موريتانيا ـ مثلا. لكنني أعتقد، ما دمت أتحدث مع جريدة تُقرأ على صعيد العالم العربي، لا يمكن أن نضحي باللغة العربية. إنها قاسم مشترك، بغض النظر عن نوعية التربية، هل نريدها محافظة أم تقدمية؟ هل نريد من الثقافة أن تكون دعامة للوضع القائم، أم عاملا من عوامل التغيير؟ بغض النظر عن هذه الأسئلة التي قد تكتسي طابعا سياسيا، هل نحن مستعدون لأن نضحي باللغة العربية؟ طبعا هذا السؤال ليس حذلقة، لأننا نسمع اتجاهات مؤثرة تريد أن تجهز على اللغة العربية، أو حتى إن لم تفعل ذلك، فالطريقة التي يتعامل بها الكثير من السياسيين والمثقفين أنفسهم مع اللغة العربية طريقة ازدرائية. ومن ثم، أعتبر الاهتمام بهذه المسألة ليس ترفا. قد يختزل البعض اللغة في وظيفة واحدة هي التواصل، والحال أن اللغة أكبر من ذلك، إنها ذاكرة. ولنتكلم عن المغرب مثلا، هل هو مستعد لأن ينفصل عن تراث ابن خلدون وابن رشد وابن طفيل وابن باجة وابن حزم، فضلا عما كتب في أرجاء أخرى؟ أعتقد أن الجواب هو «لا». ومن ثم، فلا سبيل لأن يُقرأ هذا التراث إلا باللغة العربية. هذا فضلا عن أن العربية تمنحك ليس فقط مخاطبة أكثر من 300 مليون شخص مفترض، ولكن هذه اللغة تحتل أيضا مكانة مهمة في العالم الإسلامي، لقد كان هناك تقليد سواء في تركيا أو في إيران أن النخب المتعلّمة تحسن التحدث باللغة العربية، وهناك حاليا اتجاه في كل من البلدين المذكورين لتعليمها للأجيال الجديدة. ومن ثم، فحين نتكلم عن قضية التربية لا يمكن أن نغض الطرف عن اللغة.
○ موضوع اللغة يقودنا إلى الحديث عن قضية أشمل تتعلق بالهوية، وهي قضية ذات حساسية في بعض البلدان كالبلدان المغاربية، ونشير هنا بالخصوص إلى المسألة الأمازيغية. وباعتبار أن لك إسهامات عدة في هذا المجال، إن من خلال كتاباتك أو محاضراتك، أسألك: هل النقاش اللغوي في المغرب وما شهده من تجاذبات تتعلق بالهوية استطاع أن يجد مسلكه الطبيعي والسليم؟ بمعنى آخر، هل هناك تقويم لهذا النقاش حتى لا يسقط في مطبات ذات طابع شوفيني؟
• لأكن صريحا معك، الوضع الذي أنا فيه يجعلني غير مطالب بأن أُرضيَ أيًّا كان، ولا أن أغضب أحدا فقط من أجل أن أغضبه، ولكنني أقول ما أراه مطابقا للتوجه الصحيح وما يستجيب في نهاية المطاف لصالح هذا الفضاء الذي أنا جزء منه، وهو المغرب.
أولا، ينبغي تجاوز مفهوم الهوية، لأن من الصعب عمليا في العلوم الإنسانية ـ مثلما يقول ماكس فيبر ـ أن نحدد مفهوم الهوية، إننا نحددها بالأساس بتعارضها مع ما ليست هي. وبتعبير آخر، الهوية تركز على العامل المميِّز. فلكل شخص ولكل جماعة ما يميزها. التوجه الطبيعي للإنسان أن يركز على ما يجمع، وليس ما يفرق.
ثانيا، التجربة تفيد أن كل خطاب هوياتي ينطلق من جوانب موضوعية، لغة معينة، عرق معين أو دين معين. العرق كما النازية مثلا، واللغة كما الطورانية مثلا، والدين كما للصهيونية… الخ. كل خطاب هوياتي يقوم على استعداء الآخر أو شيطنته مثلما يقال. فليس هناك خطاب هوياتي من دون استعداء الآخر، إن الخطاب الهوياتي يحمل في ثناياه رفض الآخر.
نعم، هناك خصوصيات عبر التاريخ، ولذلك فأنا أفضل مصطلح «الشخصية» فعندما تقرأ أدبيات الأربعينيات والخمسينيات تجد هذا المصطلح، وطه حسين تكلم عن الشخصية المصرية على سبيل المثال. كما أن ألبير كامي تحدث عن شخصية شمال إفريقيا.
ما هي الشخصية؟ إنها العنصر الثابت عبر الزمان والمكان. المصريّ غيّر لغته أكثر من مرة، وغيّر عقيدته عبر آلاف السنين، ولكن البنية الذهنية أو الشخصية بقيت مستمرة. والمغربي مغربي سواء كان ناطقا باللغة الأمازيغية أو باللغة العربية. طبعا، هناك خصوصيات مرتبطة بالجغرافيا وبمسارات معينة، وليس مفترضا في شخص ما ولد في منطقة معينة أن يعيش ويموت فيها، وليس من طبيعة المجتمعات ألا تتفاعل فيما بينها.
ثالثا، ينبغي أن نذكّر بأن ما يجمع المجتمعات هي قيم مشتركة. إما أن أؤمن بالتقاليد وأرتبط بمن يؤمن بها وأشاطره الأفكار نفسها، أو أؤمن بالحرية والتغيير، أو أؤمن بالاشتراكية أو بتوزيع الثروات. بتعبير آخر، إن المجتمعات الحديثة تقوم على قيم مشتركة، أو لنُسَـمِّها المواطنة. ولذلك، أنا شخصيا أدعو إلى قيم المواطنة، أي إلى قيم جامعة للمواطنين، بغض النظر عن أعراقهم أو حتى معتقداتهم.
في الفترة المضطربة والحساسة التي يعيشها العالم العربي، أرى أنه يمكن للتمايزات الثقافية ـ إذا تم توظيفها ـ أن تكون فتيلا يأتي على الأخضر واليابس. ما يعرفه الشرق ينبغي أن يكون عبرة بالنسبة لنا. ولذلك، أعتقد أن من واجب المثقف أن ينأى عن شيء اسمه الهوية، ليعانق قيما مشتركة وهي المواطنة.
○ كلمة ختامية؟
• أود أن أوضح ما يلي: من السهل أن يشيع المرء خطاب اليأس، لكنني أعتقد أن من واجب المثقف أن يشيع خطاب الأمل، رغم الوضع الكابي. إن ما يعيشه العالم العربي في نهاية المطاف لا يمكن أن يبلغ حجم ما عرفته أمم أخرى كالصين قبل 1949 وبعدها وفي 1965 عاشت تجارب مريرة. روسيا نفس الشيء. ولذلك، لا يمكن الجهر بأن الأمل مات وانتهى. الأمل قد لا يكون معجزة، لكنه يُبنى من خلال ميكانيزمات أشرتُ إلى بعضها آنفا. فرغم الوضع الكابي ليس من واجب المثقف أن يرتكن إلى اليأس. أحب هنا بيتا شعريا للشاعر الألماني هولدلرين يقول فيه ما معناه: «كلما ازداد حجم الأخطار كلما ازداد ما شأنه أن ينقذنا». نعم، يوجد ما يمكنه أن ينقذنا، شريطة أن تضطلع به النخب المفكرة في الأساس، لأن لها إمكانيات للتفكير أكبر من السياسي الذي يقع ضمن إطار محدد وضمن ضغوطات إما داخلية أو دولية. الأمل ممكن.
حاوره: الطاهر الطويل