تونس – «القدس العربي»: يرى المفكر المغربي د. سعيد ناشيد إن انقلاب «الربيع العربي» إلى خريف أصولي لا يبرر البكاء على الأنظمة الاستبدادية السابقة، كما يؤكد أن الاستبداد السياسي والتطرّف الديني وجهان لعملة واحدة، مشيرا إلى أن الأول مهد الأرضية الخصبة لولادة الثاني.
وخلال حواره مع «القدس العربي» يؤكد ناشيد أن «داعش» لم تسقط من السماء، ولم يكن ظهورها نتيجة لأسباب سياسية طارئة، لكنها مثل أخواتها من الحركات المتطرفة «إحدى إفرازات الخطاب الديني السائد في معظم المجتمعات العربية والإسلامية، والذي يتبنى منهج التحريض والتّجييش وإثارة غرائز الكراهية والغيرة والحقد وتبخيس العقل والثقافة والفنون الجميلة».
○ في حوار سابق قبل ثلاث سنوات، أكدتَ لي أنّك غير مستعد للبكاء على أي من النظم الاستبدادية سواء أثمر الحراك الشعبي ربيعاً عربيا أم خريفا أصوليا، لكنك عبرت في الوقت نفسه عن تخوفك من «الإختطاف الأصولي» للثورات العربية على غرار ما حدث في إيران.
كيف تفسر «فشل» الإسلاميين في تجربة الحكم وتراجع شعبيتهم في بعض الدول العربية كتونس؟ و»الانقلاب» عليهم من قبل العسكر المدعوم من الشعب الذي صوت ذات يوم بكثافة للإسلامين كما هو الحال في مصر؟
وهل يعني سقوطهم استحالة تكرار تجربة «الدّولة الدينية» (على طريقة السعودية وإيران) التي ترى أنت أنها لم تجد سوى «العصبية» للإتكاء عليها في تبرير وجودها ومشروعيتها؟
• لقد كنتُ أعني ما أعنيه بالفعل، وما أعنيه هو الموقف التالي: بصرف النظر عن مآلات أولى ثورات القرن الواحد والعشرين فلا شيء يبرر الاستبداد، لا شيء يبرر الحجر على عقل الإنسان ووجدانه، لا شيء يبرر الوصاية على روحه وضميره، لا شيء يبرر القمع طالما أن القمع يدمر كل ما هو إنساني في الإنسان.
وإليك المثال التالي، إن الطفل الذي يلعب بحرية في الحديقة أو الشارع أو النادي الرياضي قد يتعرّض لحادثة أو ربّما اعتداء، لكن هذا لا يعني أن قرار حرية اللعب كان خاطئا. وكذلك نقول، إن احتمال فشل تجربة هروب الرهائن من أيدي الخاطفين لا يبرر عدم المحاولة، وإن احتمال سقوط الطائرة أو غرق الباخرة أو انقلاب السيارة لا يبرر حرمان الناس من حرية السفر، وإن احتمال فشل الخروج من العبودية لا يبرر رفض الحرية.
دعنا نقول بوضوح أكبر، حتى على افتراض انقلاب «الربيع العربي» إلى خريف أصولي، فلن يعني ذلك بأي حال أن الاستبداد هو الحل. بل، قلت وما أزال أقول: التطرّف الديني والاستبداد السياسي وجهان للعملة الواحدة نفسها، لا يكفي أن نقلب وجه العملة بل علينا أن نستبدلها.
أكثر من ذلك فإن الاستبداد حين يمسح الأرض من الفكر والثقافة والحرية والإبداع، فإنه يفرش البساط أمام الأيديولوجيات الهمجية. هذا ما يحدث في العراق وسوريا وليبيا. والحال، قد تبدو شعوبنا محشورة في الزاوية الضيقة بين الاستبداد والفتنة، بحيث لا تخرج من ذاك إلا لتدخل في تلك، ولا تخرج من تلك إلا لتدخل في ذاك، بل تبدو ثنائية الفتنة والاستبداد كأنها ملازمة للتاريخ الهجري، منذ موقعة الجمل والفتنة الكبرى والنهروان إلى غاية اليوم. لكني أقول أيضا، حين نظن بأن الحرية غير ممكنة، فإنها تصبح غير ممكنة بالفعل، وبالأحرى تنعدم كل ممكناتها. لماذا؟ لأن الحرية تتجلى في الأذهان قبل الأعيان.
لكن دعني أوضح لك بأني ساءلت فرضية «الخريف الأصولي» منذ البداية وقلت إن الإسلام السياسي لن ينجح في إدارة دول الربيع العربي للإعتبارات التالية:
أولا، لم يكن الإسلام السياسي مستعدا للسلطة فهو كغيره فوجئ بانفجار ثورات لم يسايرها منذ بدايتها، فالتحق بها بعد تردد كما تبين بوضوح تجارب تونس ومصر وسوريا.
ثانيا، خلاف حزب العدالة والتنمية التركي الذي استطاع تسيير العديد من البلديات الكبرى لسنوات عديدة قبل أن يحكم تركيا في الأخير، فإن أحزاب الإسلام السياسي في مصر وتونس وسوريا وليبيا لم يسبق لها أن تحملت مسؤولية تسيير ولو جماعة قروية واحدة.
ثالثا، لقد تسرع الإسلاميون في معركة «تطهير» الإدارة مما سموه بـ»فلول» الأنظمة السابقة، مع ضمان «صك الغفران» لمن التحق من «الفلول» بالأحزاب الإسلامية، كما لو أن الإسلام السياسي يجبّ ما قبله، هذا في الوقت الذي لم تكن فيه الأطر الجديدة، وهي أطر مؤدلجة في كل الأحوال، قادرة على خوض تجربة التسيير بكل ما تعنيه من كفاءة وخبرة ومعرفة ودراية.
رابعا، لربما قد يوحي سؤالك بخلاف ما كنت قد قصدته، فأنا قد تطرقت فعلا لمخاوف بعض المثقفين من تكرار السيناريو الإيراني، لكني بكل تأكيد لم أتبنّ تلك المخاوف، بل خلاف ذلك، قلت وشددت دائما على أن السيناريو الإيراني غير قابل للتكرار، باعتبار طبيعة الإسلام السني نفسه، والذي لا يمكنه أن يمثل أي بيئة حاضنة للدولة الدينية. وعدا ذلك فإن محاولة إنتاج الدولة الدينية لن تشعل عندنا غير الفتن والحروب الدينية. بمعنى أن العالم السني أمام خيارين: إما الدولة المدنية أو الفتنة التي تحرق اليابس والأخضر. والخيار الأخير هو المآل المخيف فعلاً.
○ اود التوسع أكثر في فكرة ذكرتها آنفا، وتتعلق بنجاح الإسلام السياسي في تركيا وفشله في العالم العربي، رغم الدعم الكبير الذي تلقته الحكومات الإسلامية الوليدة في مصر وتونس، ما سبب ذلك في رأيك؟
• شرط نجاح تجربة «الإسلام السياسي» التركي، والذي أعتبره نجاحا نسبيا في كل الأحوال، يتمثل في استناده إلى قاعدة سوسيو- اقتصادية قوية ممثلة في برجوازية الأناضول الصاعدة والتي كانت ولا تزال ترى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا -وهي منطقة تقطنها غالبية مسلمة- فرصة سانحة لتسويق منتجاتها الصناعية والفنية، لا سيما بعد أن أصرّت أوروبا على إغلاق أبوابها أمام عضوية تركيا.
أما في سائر الدول العربية والإسلامية الأخرى فإن الإسلام السياسي لا يستند على أي قاعدة سوسيو- اقتصادية، لذلك نراه يستعين بمنطق الريع مجسّداً في أموال الصدقات والزكاة لأجل بعض الأعمال الخيرية والتجارة غير المهيكلة.
وإذا قلت إنّ نجاح تجربة الإسلام السياسي التركي هو نجاح نسبيّ في الأخير فالسبب يكمن في أن الصعوبات التي تعاني منها سياسة أردوغان في المستوى الإقليمي، من حيث تدهور العلاقة مع السعودية والإمارات ومصر، وإجهاض الثورة السورية، وانهيار ليبيا والعراق، قد يسبب لتركيا خسارة بعض الأسواق المهمة، ما قد يؤثر على قدرة بورجوازية الأناضول على الصبر والتحمل.
لكني لا أستبعد أن تتغير سياسة أردوغان قريبا طالما يتعلق الأمر برجل منفعي أكثر ما هو عقائدي، ولربّما إذا استثنينا «حجاب» زوجته، واستعماله الخطابي لورقة الإخوان المسلمين في مصر، وحماس في غزة، تماما مثلما تفعل قطر، فلا شيء يدل على أي انتماء إيديولوجي لما يسمى بالإسلام السياسي.
○ أعود لسؤال تطرحه في إحدى مقالاتك الأخيرة، ما داعش؟ مؤامرة غربية ترتدي ثوبا أصوليا؟ رد فعل طبيعي على ديكتاتورية «علمانية» مزمنة؟ محاولة عبثية من الأنظمة السابقة لإحباط «ثورات التحرّر العربي»؟ نتيجة «عكسية» لمشروع حكم إسلامي تم إحباطه عربيا؟
• بل أكثر من ذلك، «داعش» لم تسقط على حين غرة من السماء، لم تظهر فجأة أو لأسباب سياسية طارئة أو عارضة، إنها مثل النصرة وبوكو حرام وأنصار الشريعة والقاعدة وأخواتها، إفراز من إفرازات الخطاب الديني السائد في معظم المجتمعات العربية والإسلامية، الخطاب الذي ترعاه الكثير من الدّول والأحزاب ويتبنى منهج التحريض والتّجييش وإثارة غرائز الكراهية والغيرة والحقد وتبخيس العقل والثقافة والفنون الجميلة.
لقد كان ضمن القرارات التي حاولت حكومة محمد مرسي اتخاذها مشروع قرار يقضي بإلغاء تدريس الموسيقى من المدارس، واليوم في المغرب تتجه حكومة بن كيران نحو تقليص تدريس الموسيقى في المدارس، وذلك بمباركة من كافة الحركات المتطرفة. ودعنا نقول، إن قتل الإبداع والفنون الجميلة يقود إلى إضعاف قيم التمدن لدى الإنسان، ومن ثم ينحدر الإنسان إلى مستوى البداوة والتوحش. وهنا تكمن البيئة الحاضنة للإرهاب والتطرف.
«داعش» هي إحدى الثمار المرّة لمسار فقهي تحريمي وتكفيري انطلق مع ابن حنبل وابن تيمية وصولا إلى المودودي وقطب والقرضاوي والعرعور وشيوخ الفتنة ووعاظ الفضائيات. ومن ثم فإن المعركة ضد التطرف الديني هي بالأولى وبالأساس معركة تحديث الخطاب الديني.
ومن المعيب أن نرى مناهجنا الدينية لا تزال تتكلم عن مفاهيم البيعة والطاعة والجماعة، وعن الغزوات والغنائم والسبايا، وعن الحريم والمحرم والعورة، وشخصيا ذهلت بما قرأته من سؤال في مادة الامتحان بإحدى شعب الشريعة الإسلامية في المغرب عن طول ما يجب قطعه من يد السارق!
إننا في القرن الواحد والعشرين، ولا يزال خطابنا الديني في المساجد والمدارس والجامعات ووسائل الإعلام يتكلم عن دار الحرب ودار الإسلام، عن الولاء والبراء، عن الفرقة الناجية. ألسنا بذلك نوفر كل الشروط الضرورية لـ»داعش» والنصرة وبوكو حرام وغيرها؟
○ بعد أربع سنوات على الربيع/الخريف العربي، هل باتت الشعوب العربية «القابلة للاستعمار» (وفق مالك بن نبي)، قابلة للديمقراطية؟ أم أنها ما زالت قابلة لـ»التدجين» بدليل الشعارات التي تنادي اليوم بالعودة لأنظمة الحكم السابقة؟
• دعني أعترف أولا بأن الديمقراطية تعبير «ثقافي» عن مطلب «طبيعي» هو الحرية، لذلك فإن الديمقراطية في حد ذاتها ليست حالة طبيعية للإنسان، إنما هي ثمرة جهد واجتهاد، ووعي وإدراك وإبداع. نعم نولد أحرارا، لكننا لا نولد ديمقراطيين، إنما الديمقراطية شيء نتعلمه، وفي الواقع فإننا نولد ولدينا قابلية غريزية للتسلط والهيمنة والغيرة والاستبداد بالرأي والتقوقع الطائفي ومسايرة القطيع.
لذلك تُعتبر الديمقراطية كفاحا دائما ومتواصلا ضد نوازع الذات، ضد غرائز الحرب والعنف والعدوان، إنها تمرين يومي ودائم في مهارات التواصل والتوافق والتفاوض والتنازل والتحاور إلخ. لذلك، لا توجد قابلية طبيعية للديمقراطية، وإلا لكانت الديمقراطية تنتصر وتنتشر من تلقاء نفسها وبلا جهد يُذكر.
والحال أن الديمقراطية حتى داخل المجتمعات الديمقراطية نفسها، تتطلب كفاحا متواصلا لضمان المراقبة والنزاهة والشفافية ومواصلة النقاش العمومي وتبادل المعرفة وحماية حرية التعبير. وكلما ضعفت قدرة المواطنين على الإنخراط في الشأن العام، ضعفت جودة الديمقراطية، بل قد تشرف الديمقراطية نفسها على الهلاك كما حدث في تجارب سابقة. لذلك، تدرك الدول الديمقراطية بأن تراجع نسب المشاركة في الانتخابات يعني أن الديمقراطية في خطر.
الديمقراطية ليست مجرد رهان على مواقف وآراء الجمهور، لكنها فعل من أفعال الوعي اليقظ والإرادة المتقدة أكثر من كونها نزوعا طبيعيا أو تلقائيا، وهي لذلك وفي كل الأحوال تتطلب جهدا تنويريا متواصلا من المثقفين والمفكرين والإعلاميين ومنظمات المجتمع المدني.
وما أريد تأكيده بالمناسبة هو أن الرهان على غرائز الجمهور لعبة خطرة في غير صالح الديمقراطية نفسها، لذلك أوجدت الديمقراطية الغربية عدة احتياطات دستورية ومؤسساتية للتقليص من مخاطر الاستغلال الشعبوي للديمقراطية، من بينها: الانتخابات عبر دورتين؛ التفاوت الزمني بين الانتخابات التشريعية والجماعية والجهوية؛ إشراف السلطة القضائية على الانتخابات وأثناء النزاع بين السلط؛ نظام الكوتا؛ دسترة حقوق الأقليات؛ دسترة حرية التعبير؛ ترسيخ دور المجتمع المدني كسلطة مضادة؛ إلخ.
هذا يعني أن مفهوم الديمقراطية نفسه قد تطور لأجل حماية المكتسبات الديمقراطية من التقلبات «الديمقراطية» وهو التطور الذي تحقق بفعل إعمال العقل النقدي في مفهوم الديمقراطية نفسها.
في كل الأحوال لا شيء يعلو على سلطة النّقد، ولا يمكن بأي حال توظيف المشروعية الديمقراطية ضدّ حق الإنسان في أن يفكر وأن يعبر. وإذا كانت الدّساتير الديمقراطية تصرح في الغالب بحرية التعبير، فلأن حرية التفكير يُفترض أنها مثل التنفّس الطبيعي لا تحتاج إلى تصريح.
بل، إنّ النّقد ليس مجرّد حق من الحقوق، لكنه واجب أخلاقي وإنساني وسياسي في معظم الأحيان، إنه ضرورة من ضرورات التنمية السياسية، وضمن ذلك لا يغمرنا أيّ شك في أنّ نقد دور التيارات المتطرفة في إجهاض أهداف ما يسمّى بالرّبيع العربي يبقى من أوجب واجبات العقل النّقدي اليوم.
○ في السياق ذاته، هل يقود الواقع الجديد لـ»نهضة فكرية عربية» جديدة، بدليل أن أغلب النظريات الفكرية في العالم جاءت كرد فعل على حروب أو أزمات أو حراك دولي معين؟
• لا أشكّ قيد أنملة في أنّ التطرّف الديني الذي تسبّب في انهيار المقاومة العراقية للإحتلال الأمريكي قبل سنوات، وتسبّب في إجهاض الثورة السورية اليوم، وقد يقود غداً إلى تفكك العراق وسوريا وليبيا واليمن، وقد يجهض آخر آمال ثورات الشعوب، كل ذلك يضعنا أمام ضرورة إصلاح صورة الإسلام، وتحديث الخطاب الديني السائد في المساجد والمدارس ووسائل الإعلام، وتحريره من مفاهيم السيف والبراء والطاعة والجماعة والعورة والغزو والسبي وما إلى ذلك.
ومن دون ذلك الجهد الاجتهادي لغاية تقويض ما يسمى بـ»النصوص المؤسسة لقطع الرّؤوس» سيكون أي رهان على «الوسطية» أو «الإعتدال» مجرد كلام فارغ، تلك هي معركتنا اليوم، لا بل هي معركة العالم كله خلال السنوات المقبلة، لأجل السلام الممكن، لأجل الأمن المأمول، لأجل التعاون المطلوب، ولأجل فرص أفضل للنضال الإنساني من أجل عولمة عادلة.
حسن سلمان