المفكر والمؤرخ التونسي عادل اللطيفي لـ «القدس العربي»: لا مناص من الفكر المتطرف في العالم العربي ما دامت العلوم الاجتماعية مثل الإسلاميات محاصرة

حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: يرى المؤرخ التونسي الدكتور عادل اللطيفي ان مواجهة الإرهاب كفكر تم من خلال نشر الفكر العقلاني التحديثي. ويوضح في حديثه لـ «القدس العربي» ان الفكر الإرهابي يستهدف شبابا هشا، وهذه الهشاشة في أغلبها فكرية بالإضافة إلى النفسية والاجتماعية. ويعتبر ان ما تشهده المنطقة هو جزء من مخاض نحو الديمقراطية مشيرا إلى ان هذا المخاض قد يطول لكن المسار العام سيبقى في اتجاه الحد من الاستبداد بالرغم من الكلفة التي تدفع.
ويلفت المؤرخ التونسي النظر إلى الدور الذي تلعبه اليوم العلوم الاجتماعية في فهم الإسلام والإنسان في إطار من الموضوعية المعرفية. يشار إلى ان اللطيفي هو استاذ مادة تاريخ العالم العربي المعاصر في جامعة باريس الثالثة وكاتب صحافي وله العديد من المؤلفات الصادرة في تونس والعالم العربي. صدرت له مؤخرا دراسة حول الإسلام في نقاش المجلس القومي التأسيسي في تونس بين 1956 و 1959.
○ لنبدأ من التفجيرات الجديدة التي هزت أوروبا وتحديدا بروكسل كيف تفسر نجاح الإرهابيين في تنفيذ هذه العملية وهل هو فشل أمني أم استخباراتي غربي وهل يمكن القول ان الجماعات الإرهابية تعيش اليوم عصرها الذهبي في أوروبا؟
• أولا لا أعتقد أن الجماعات الإسلامية الإرهابية تعيش عصرها الذهبي، بل إن استهداف المدنيين العزل هو دليل ضعف وعدم قدرتها على التحرك بحرية في فضاء فعلها الحالي أي المجال السوري والعراقي. عملية بروكسيل هي رد فعل وليس فعلا. ومن المؤشرات على ذلك أن ما يسمى بتنظيم داعش أصبح يلجأ إلى بعض قيادييه للقيام بعمليات إرهابية وليس إلى الشباب المؤطر حديثا. أما ما يمكن أن نسميه نجاح الإرهابيين فهذا يعود أولا إلى طبيعة الهدف أي المدنيين وهذا سهل، ثم ثانيا إلى طبيعة تحركات الإرهابيين أي في شكل مجموعات صغيرة وأفراد، ثم ربما في السياق الحالي من تدفق اللاجئين الذي قد يكون سهل من تنقل بعض الإرهابيين. لكن هذا لا ينفي بعض القصور على مستوى أداء الشرطة البلجيكية.
○ كيف يمكن حل معضلة الإرهاب؟ وما تقييمك للتحالف الغربي الأمريكي وتفسيرك لاخفاقه في هزيمة داعش رغم مرور أكثر من عام على تشكيله؟
• علينا أولا أن نعرف معنى الإرهاب كي نتمكن من تحديد سياسات ناجعة لمقاومته. لا يتلخص الإرهاب في تلك المجموعات التي تنشط هنا أو هناك. فهذه الجماعات تشكلت حول فكر وحول أهداف ولها وسائلها في استهداف الشباب للتأطير والدمغجة. وعندما نقول فكرا فنحن نتحدث عن رسالة وعن باث وعن متقبل وعن ظروف قد تساعد في التقريب بين الباث والمتقبل. الفكر نعرفه ويتمثل في تلك النظرة الاستعادية لإسلام متخيل ينظر إليه كخلاص وكبديل عن الدولة الحديثة وعقلانيتها. لا ينكر أحد أن ما يجمع حركات الإسلام السياسي بمختلف تلويناتها هو إقامة الدولة الإسلامية، غير أنها تختلف في الوسائل بين من يريد تحقيق الهدف بالانتخابات أو الدعوة أو الجهاد المسلح ضد كل مخالفيه. في مراحل معينة يتحول هذا الفكر إلى فعل إرهابي ما يجعل من المسألة الأمنية مسألة ملحة وتتطلب مجهودا دوليا لكن دون نفاق. بمعنى أن هناك دولا متساهلة مع الجماعات الإرهابية ومع الفكر الإرهابي وجب الضغط عليها. أما على المدى المتوسط والبعيد فلا بد من إيجاد حل للتطرف الفكري وللغلو الديني. في هذا السياق يرى الكثيرون أن الحل في نشر إسلام وسطي، والحال أن بعض ما يقدم كذلك هو بذاته نظرة متطرفة للإسلام. أرى أولا أنه لا بد من الخروج من تلك المقولة الخاطئة أن الإسلام دين ودولة. أي الخروج من ذلك العقل الفقهي الذي أصبح اليوم في تعارض تام مع الدولة الحديثة ومع مفاهيم المواطنة والحريات وحقوق الإنسان. في هذا السياق تلعب العلوم الاجتماعية دورا بارزا بما تمكنه من فهم الإسلام والإنسان في إطار من الموضوعية المعرفية. لا مناص من الفكر المتطرف في العالم العربي ما دامت العلوم الاجتماعية مثل الإسلاميات محاصرة. من جهة أخرى لا بد لهذه الأفكار النيرة أن تجد طريقها إلى الإعلام، لأن أغلب وسائل الإعلام العربية تنشر أفكارا لا تشجع على التفكير العقلاني.
أما التحالف الغربي ضد داعش فلا يتعلق سوى بالحلقة الأخيرة من الظاهرة الإرهابية. أي المستوى الأمني العسكري. ثم من جهة ثانية، اقتصرت العمليات على الضربات الجوية وعلى تدريب العناصر المقاتلة على الأرض وخاصة منها الأكراد. لكن مثل هذا النوع من التدخل يتطلب وقتا خاصة إذا لم تكن الجيوش على الأرض على جاهزية كافية مثل الجيش السوري والجيش العراقي. لكن بصفة عامة نلحظ تراجعا على الأرض لهذه الجماعات.
○ هل من استراتيجية فكرية وثقافية ودينية اليوم للتعامل مع ظاهرة الإرهاب المتفشي في العالم العربي؟
• مثلما سبق وأشرت لابد من مواجهة الإرهاب كفكر من خلال نشر الفكر العقلاني التحديثي. لا بد من الوعي العقلاني بالإسلام تاريخا وسوسيولوجيا. وفي هذا الإطار يلعب علم التاريخ وعلم الاجتماع والأنثربولوجيا دورا مهما. إذ يلاحظ أن الفكر الإرهابي يستهدف شبابا هشا. وهذه الهشاشة في أغلبها سياسية بالإضافة إلى الهشاشة النفسية والاجتماعية. ليس من الغريب أن نجد أغلب الشباب من المجندين للإرهاب ذوي المستويات التعليمية المتدنية أو من متخصصي العلوم الصحيحة والشعب التقنية. أي بعيدين كل البعد عن مجالات العلوم الاجتماعية. أما الفضاءات المعنية بنشر هذا الفكر العقلاني المعرفي فتتمثل في التعليم وخاصة في وسائل الإعلام. إذ لا بد من تبسيط المعرفة الأكاديمية بالإسلام وبالأديان كي نتقي خطر التطرف.
○ وما رأيك في مقولة ان داعش أداة بيد الغرب لتنفيذ مصالحه في المنطقة؟
• مثل هذا القول يدخل إما في خانة الكسل الفكري الذي يبحث عن التفسيرات الجاهزة، أو في خانة الهوس بالآخر وتحميله كل عيوبنا ومآسي تاريخنا وواقعنا. نعرف أن أصل داعش هو الدولة الإسلامية في العراق. وهي مثلها مثل طالبان وشباب الصومال لا ينتشرون إلا حيث تضعف الدولة أو تغيب كما في شمال نيجيريا ومالي وليبيا. توسعت الدولة الإسلامية في العراق نتيجة للسياسة الطائفية للمالكي ثم إثر سحب الجيش السوري لقواته من شرق سوريا. كما استفادت هذه الدولة من تسليح وأسلمة الثورة السورية من طرف قوى إقليمية. وزاد على كل ذلك اكتساب الأزمة صبغة الحرب الطائفية بدخول إيران وحزب الله على الخط. ما يلام عليه الغرب هو، أولا احتلال العراق وتدمير الدولة ثم ثانيا عدم الجدية في الضغط على الدول المتورطة في تسهيل مرور الإرهابيين.
○ ما مدى امكانية التدخل الغربي في ليبيا وهل يمكن لداعش ان تؤسس دولة لها في ليبيا أو شمال افريقيا كما حصل في وسوريا والعراق؟
• ما يسمى بالتدخل الغربي في ليبيا لن يتعدى ما يقوم به حاليا في العراق وسوريا، أي القصف الجوي الدقيق وربما معونات تقنية وتدريب ميداني. للأسف هذا الشكل من التدخل الغربي أصبح ضرورة لأنه لا أحد قادر على القيام بهذا الدور. مصر والجزائر مثلا لم تقوما بشيء في هذا الاتجاه. من جهة أخرى نعرف أنه لا حل سياسيا ممكنا مع الجماعات المتطرفة التي بدأت تسيطر على مناطق من ليبيا. فلا بد من التحرك العاجل إذن وهذا ما تفكر فيه الدول الكبرى لأن داعش أصبحت على مقربة من الحدود الأوروبية.
○ برزت مؤخرا دعوات للتقسيم في المنطقة على غرار دعوة الاكراد إلى بناء دولة مستقلة في سوريا فهل انتم مع حقوق الأقليات في العالم العربي وكيف يمكن التوفيق بين هذه الحقوق وبين وحدة الأمة ان صح التعبير؟
• لقد كشفت موجة الثورات العربية عن هشاشة الدولة في العالم العربي ما دفع إلى ظهور قوى منافسة للدولة الأمة مثل الطوائف والأقليات العرقية واللغوية. لا أرى أن مسألة التقسيم مطلب من الدول الكبرى كما يسوق إلى ذلك البعض، بل هو مرتبط أساسا بمدى متانة الدولة وقوة اللحمة الوطنية. انقسام الدول وظهور الحركات الانفصالية جزء من مسار تشكل الدولة الوطنية. إذا ابتعدنا عن المرحلة الاستعمارية ومنطقها نقول مثلا أن السودان انقسم بفعل سياسة الدولة السودانية التي عجزت عن توحيد شعبها في إطار المواطنة وليس بفعل عوامل خارجية. لكن هذه الحالة لا تتعلق فقط بالعالم العربي فقد انقسمت يوغسلافيا وانقسمت تشيكوسلوفاكيا وظهرت دول جديدة من بقايا الاتحاد السوفييتي. المشكل يطرح بإلحاح للأسف اليوم في سوريا وحتى في العراق باعتبار الدور المتعاظم للأكراد في مواجهة الجماعات الجهادية. لكن لا أعتقد أن المشروع الكردي المستقل سيرى النور في ظل المعارضة القوية من دول المنطقة وخاصة إيران وتركيا. الحل هو في ثقافة المواطنة التي تتيح لكل الأقليات التعبير عن ذاتها.
○ من وجهة نظر تاريخية، ماذا يمكن ان نسمي ما يحصل اليوم في المنطقة وهل ما زالت المجتمعات العربية قادرة على النهوض من كبوتها؟
• أعتقد أنه وجب التمييز بين ما حصل في تونس وما حصل في البلدان الأخرى. ما حصل في تونس يدخل ضمن مخاض من التحول الديمقراطي بدأ منذ نهاية السبعينيات من القرن الماضي. فهناك سياق ثوري سبق اللحظة الثورية التي اندلعت في 17 كانون الاول/ديسمبر 2011. وقد مكن هذا السياق الثوري من تحضير المجتمع وهياكل الدولة للمرحلة الانتقالية. لقد لعبت الإدارة التونسية والمجتمع المدني وكذلك الجيش دورا مهما في المرحلة الانتقالية. ما حصل في الحالات العربية الأخرى يدخل بدوره ضمن مسار الدمقرطة، لكن غياب مجتمع مدني قوي وموقع الجيش من الحكم عطل نسبيا عملية التحول باتجاه الدمقرطة. قد تطول فترة هذا المخاض لكن أعتقد أن المسار العام سيبقى في اتجاه الحد من الاستبداد بالرغم من الكلفة التي تدفع.
○ وماذا بقي مما يسمى «ثورات» أو انتفاضات عربية؟
• للأسف لم يزهر هذا الربيع سوى في تونس بالرغم من المخاطر. ولهذا أسباب مرتبطة بمسار تشكل الدولة الحديثة منذ نهاية القرن الثامن عشر وما أفرزه من قوى مجتمعية ضمنت مرحلة ما بعد الثورة. في الحالات الأخرى نجد إما عودة إلى الوراء مثل الحالة المصرية بسبب قوة الجيش كما حصل في الجزائر سابقا، أو أنه حلت الفوضى في الحالات التي كانت المؤسسة العسكرية فيها ضعيفة مثل اليمن وليبيا وسابقا الصومال. هذا هو المشهد العام.
○ ما رأيكم بنقل يهود يمنيين إلى إسرائيل وإلى أي مدى استفاد الكيان الصهيوني مما يحصل في المنطقة؟
• لا علاقة لإسرائيل بما يحصل في البلدان العربية من حيث اندلاع الأحداث. لكن أعتقد أن الإسرائيليين يريدون استغلال الوضع بتأجيل المفاوضات وتوسيع الاستيطان وبالتعزيز الديموغرافي للمجتمع الإسرائيلي. ربما يدخل التقرب من اليهود اليمنيين في إطار حل مشكل الديمغرافيا الإسرائيلية.
○ ما دور النخبة العربية المثقفة لانقاذ المنطقة؟
• يبقى مفهوم النخبة غامضا، لكن سأجيب باستعمال المحتوى العام للكلمة. للنخبة دور كبير سواء في توضيح الطريق باتجاه البناء الديمقراطي أو في التصدي لمظاهر التطرف التي بدأت تهدد المجتمعات. لكن على هذه النخبة كذلك أن تبسط أكثر منتوجها الفكري الأكاديمي كي يصل إلى الجمهور العريض.
○ كيف ترون اليوم دور اليسار التونسي؟
• لليسار في تونس دور كبير كما كان له دور في الحركة الوطنية وفي مسار المطلبية الديمقراطية. لليسار دور مهم اليوم في الانتقال الديمقراطي باعتبار تأكيده على الحقوق وعلى الحريات وكذلك على العدالة الاجتماعية. لكن على هذا اليسار أن يكون أكثر واقعية وأن يخرج من الخطاب الإيديولوجي الذي تجاوزته الأوضاع العالمية.
○ وما رأيكم في تجربة التوافق التونسية؟
• لعب التوافق دورا مهما في الخروج من مأزق حكومة الترويكا التي فقدت شرعيتها وأدخلت البلاد في وضع أمني وسياسي خطير. غير أن هذا التوافق لا يجب أن يكون بديلا عن الديمقراطية كما تريد أن تسوغه حركة النهضة اليوم. الديمقراطية تتطلب تحمل المسؤوليات والمحاسبة.

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية