المقاربة الأمنية تلحق الأذى بهالة القدسية التي تحيط بالملك

في فيسبوك حيث يناقش مئات الآلاف من الشباب المغاربة المغمورين شؤون بلادهم، تعددت الانتقادات التي يوجهها مرتادو الشبكات الاجتماعية للملك وذلك خصوصا من بداية سنة 2017 حين ظهر جليا واضحا أن القصر هو من يقف خلف أزمة «البلوكاج» التي استهدفت عزل بنكيران وتحييده. لقد شن بعض المستائين من موقف القصر هذا، حملة نشيطة دفاعا عن بنكيران وحزب العدالة والتنمية. لقد تهجموا على رموز النظام ورجاله ولم يستثنوا أحيانا الملك نفسه. إنضاف إلى هؤلاء بعض أنصار الاستقلال لما عبر القصر من خلال زعيم حزب الأحرار عن رفضه التام لدخول حميد شباط إلى حكومة بنكيران المتفاوض بشأنها. لكن الانتقادات الأكثر حدة لشخص الملك صدرت عن بعض نشطاء حراك الريف وخصوصا المقيمين منهم بهولندا و بعض البلدان الغربية الأخرى كفرنسا وإسبانيا والولايات المتحدة. ازداد عدد وقوة الانتقادات منذ اشتداد المقاربة الأمنية خلال الربيع الماضي وخصوصا عقب اعتقال زعيم الحراك ناصر الزفزافي والاعتداء عليه ضربا وجرحا وتعذيبا نفسيا ثم التشهير به عبر تسريب فيديو يظهر فيه شبه عار وهو في وضعية ضعف.
رغم كل هذا فإن تصريحات الفاعلين السياسيين المنشورة في الصحافة عموما وفي الجرائد الورقية على وجه الخصوص بقيت في أغلبها مساندة للملك بل ومبجلة له وحتى تلك التي تُشتم منها رائحة الانتقاد أو المعارضة فإنها تتحاشى عموما استعمال بعض الكلمات والمفاهيم كالنظام أو القصر أو الحكم أو السلطة وبالأحرى الملك، اللهم إلا إذا ذُكرت مقرونة بتقييمات إيجابية.
لكن الأسابيع الأخيرة عرفت بعض الخروج عن هذه القاعدة ويجب التذكير هنا بأمر مهم وهو أن هذا الخروج عن الأعراف المفروضة بطريقة رسمية قد أشارت إليه أو أذاعته بعض الجرائد الورقية دون الحديث عن المواقع الإعلامية المستقلة. وهكذا فإن تصريحات حميد شباط المنتقدة للقصر قد لاقت صدى لا بأس به بوسائط الإعلام. ولابد هنا من الإشارة إلى أن شباط يعانى منذ مدة من حمله أمنية منتظمة هدفها تحييده على المستوى السياسي وذلك بإزاحته من قيادة حزب الاستقلال وتقسيم نقابته الاتحاد العام للشغالين بالمغرب والتشهير به وبعائلته وبالمساندين له داخل الحزب والمنظمات الجماهيرية القريبة منه. لقد عنونت أخبار اليوم بالبنط العريض يوم الاثنين 18 أيلول/سبتمبر: شباط يعلق على خطاب العرش: كيف نعين حكومة وبعد أسبوعين نوجه إليها الضربات.
ولكي يتضح للقارئ خطورة تصريح شباط والمغامرة التي تقوم بها الجريدة بنشر كلامه، لابد من الرجوع إلى السياق الذي أتى فيه تصريح الأمين العام لحزب الاستقلال. كان هذا الأخير قد شن هجوما عنيفا على ما يسميه المخزن ويعني به أساسا مركز النظام وجهاز المخابرات. عدة أيام بعد هذا وخلال إلقائه الكلمة الافتتاحية للمؤتمر الجهوي لحزبه بفاس، قال شباط موجها كلامه لمناضلي الاستقلال: بعضكم جاء عندي وقال لي المخزن لم يبق راغبا فيك. وأنا أقول والله لن أتنازل سواء أراد المخزن أو لم يرد. ثم أشار القائد السياسي بعد ذلك إلى سياسات محمد السادس قائلا إن ما يحدث بالمغرب يشوبه الغموض، إذ لا أحد يعرف أين نتجه…وليقطع الشك باليقين فيمن هو المستهدف بكلامه قال شباط بشجاعة نادرة في المشهد السياسي والإعلامي المغربي: كيف نعين حكومة، ثم بعد أسبوعين نبدأ في توجيه الضربات إليها. تساءل بعض رواد الشبكة العنكبوتية عن متى سيعتقل القائد الاستقلالي بعد حديثه بهاته الصراحة غير المعهودة في الأحزاب المحسوبة على النظام.
هناك تصريح آخر يتميز بنفس النبرة المنتقدة للملك وهو الذي ورد على لسان القيادية البارزة لحراك الريف ونعني بها السيدة نوال بنعيسى. في نص قصير ولكنه جريء حد التهور، ذكرت الشابة الريفية بما سمته حرفيا: جرائم الملك السابق الحسن الثاني، هذا الملك الذي بمجرد أن يذكر يمر أمامك شريط جرائم ارتكبها هنا في الريف.
وبعد أن عبرت عن الآمال المحبطة من لدن خليفته الملك محمد السادس، وجهت بنعيسى كلامها مباشرة للعاهل المغربي: أريد أن أقول للملك إنك خسرت بسطاء الريف وهم الشعب الكادح وأنا لا أتكلم عن حربائيي الريف المفسدين ذوي المصالح الذين يهللون لك للمحافظة على هيبة الدولة بل أنا أقصد الكادحين الصادقين، لقد خسرتنا.
إن ما يغضب الزعيمة الريفية هو المقاربة الأمنية التي تفضلها الدولة عن أي حل آخر. كما عبرت عن انزعاجها وشعورها بالإهانة من تلويح بعض الأوساط الادارية ولاعلامية المقربة من السلطة بإمكانية العفو الملكي عن المعتقلين بمناسبة أعياد رمضان ثم عيد العرش ثم عيد الشباب. لكن الجبل تمخض فولد فأرا إذ عدد المعتقلين يتجاوز الآن الثلاثمائة. وصل الأمر بالسيدة بنعيسى إلى أن تعتبر العفو استبلادا للمغاربة: انتظرنا ذلك العفو الملكي الذي هو بحد ذاته إستحمار لنا ولباقي الشعب، انتظرنا ملكا كان يقضي الصيف كل سنة في هذه الأرض الطيبة وكان أناس يستقبلونه بفرح وتناسوا جرائم الوالد،لكننا اصطدمنا بأن حتى ذلك الاستحمار العفو بخلوا به على الشرفاء.
طبعا، بعد مقالها الذي تمت مشاركته بنهم بالغ على صفحات الويب بعد أن نشره موقع حركة أنفاس والجريدة الإلكترونية الأول، تم استدعاء نوال بنعيسى من لدن الشرطة. وهي الآن متابعة في حالة سراح، فالنظام لا يريد إعادة نفس التجربة المضنية التي عاشها مع رفيقتها سيليا الزياني التي أثار اعتقالها موجة عارمة من الغضب والتعاطف دفعت السلطات إلى إطلاق سراحها.

٭ كاتب من المغرب

المقاربة الأمنية تلحق الأذى بهالة القدسية التي تحيط بالملك

المعطي منجب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية