في الأسبوع الماضي غرّد كاتب معروف معلقاً على التطورات الأخيرة على الساحة الفلسطينية قائلاً، إنهم متعاطفون مع القضية ويريدون دعم الفلسطينيين، ولكنهم يخشون أن يدخل هذا الدعم جيب حركة فتح العلمانية، أو أن تستفيد منه حركة حماس الحزبية.
كان من الواضح انتماء الكاتب لمعسكر «الاعتدال»، كما كان من الواضح كذلك اجتهاده في جعل تغريدته معبرة ومبرئة للذمة. لم أشأ ذكر اسم صاحب التغريدة، فهذا المنطق يتردد كثيراً بشكل أو بآخر وأحياناً من قبل شخصيات ثقافية أو دينية كبيرة ومؤثرة.
في الواقع فإن مشكلة هذا المنطق تتجاوز التحفظ الأيديولوجي على حركة فتح، أو ذلك «العقدي» على حركة حماس. وإذا نظرنا بصورة أكبر سنجد أن المنطق نفسه يجد أن من الخيانة، وربما من الكفر، دعم حزب الله اللبناني حتى وهو يخوض معارك ضد الكيان الصهيوني، ليس لدوره المدمر والفوضوي على الأرض السورية، ولكن لمجرد كونه حركة شيعية يخالف توجهها عقيدة أهل السنة. الأمر نفسه ينطبق على حركة الجهاد الإسلامي، فهي حركة مقربة من إيران، ولذلك فإن دعمها يصب بشكل أو بآخر في سبيل تلميع «العدو الإيراني».
هذا الربط بين ما هو عقدي، وما هو نضالي يبدو لي محيراً. من التناقض مثلاً أن يعلّق مثقف عربي مستنير صورة المناضل اللاتيني تشي جيفارا في غرفته، أو على سطح مكتبه مثمناً دوره التحرري والنضالي، في الوقت الذي ينظر فيه باحتقار لحركة حماس مثلاً، لمجرد اختلافه مع حركات الإسلام السياسي. ربما يكون في الأمر بعض المنطق إذا كان ذلك المثقف شيوعياً، إلا أنه في الغالب، فإن الإعجاب بجيفارا وغيره من رموز الحركات التحررية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية لا تكون له أي علاقة بالخلفيات الفكرية لتلك الرموز. مجرد السعي للتحرر من الاستعمار والاستعداد للموت في سبيل ذلك هو ما يكفل لأولئك الاحترام والتبجيل، وفي كثير من الأحيان من أعدائهم قبل أصدقائهم، كما هو الحال مع عبد القادر الجزائري وعمر المختار الليبي وهو شي منه الفيتنامي وغيرهم.
هذا المنطق الذي يعادي جميع حركات المقاومة الفلسطينية بذرائع مختلفة، يصطدم في بعض الأحيان بعقبات لم تكن في الحسبان. من ذلك ما حدث قبل عامين من حركة احتجاج كبرى إثر محاولات الاحتلال التمادي في تهويد وتلويث الأقصى. حينها لم يجد الشباب الأعزل أمامه سوى محاولات الدهس والطعن بسكاكين المطبخ. كانت تلك الحركة الاحتجاجية قوية وصلبة وممتدة على عموم التراب الفلسطيني المحتل، كما كانت مربكة ليست فقط للاحتلال وداعميه، ولكن أيضاً لذلك المنطق البائس الذي يحاول شيطنة المقاومة، بسبب أو بدون سبب. سبب الارتباك هو أن هذه الحركة كانت عفوية فعلاً ولم تكن تابعة لأي فصيل بعينه أو حركة، ولذلك فقد اتبع الاتجاه المناهض والمقاوم للمقاومة عدداً من الاستراتيجيات في سبيل كبح جماحها. على رأس هذه الاستراتيجيات كانت محاولته للتقليل من شأنها ومحاولة تيئيس أصحابها عبر وصف هذه الأعمال بأنها طفولية وعبثية وغير قادرة على مواجهة العتاد الصهيوني المتقدم. ثم كان اتخاذ الاستراتيجية الأمنية عبر اتباع إجراءات في الداخل تساعد على تأمين الاحتلال، كالتفتيش المكثف ومراقبة «المشبوهين» والعمل بجدية على إحباط أي عمل «إرهابي» محتمل ضده.
ثم كانت الاستراتيجية الأخيرة وهي ادعاء أن هذه الحركة ليست عفوية تماماً، وأنها من بنات أفكار حركة حماس، وذلك للعمل على سحب بساط التعاطف منها، فالكثيرون كما قال صاحب التغريدة أعلاه، لا يريدون التعاطف مع حركة حزبية إخوانية.
اليوم يدخل الجميع امتحاناً أخلاقياً جديداً، ومع تنفيذ ثلاثة شبان لعملية استهدفت بعض الصهاينة في قلب الحرم المقدسي المبارك، ما زلنا ننتظر رد فعل من أولئك الذين لا يعترضون على المقاومة، وإنما يعترضون فقط على سلوك ومنهج بعض الحركات التي «اختطفت» القضية الفلسطينية وصارت تتحدث باسمها.
هؤلاء الشبان، على الأقل بحسب التحريات التي أجرتها شرطة الاحتلال نفسها، ينحدرون من قرية أم الفحم، ممن يطلق عليهم إعلامياً عرب 48 وهم شباب غير منتم لأي جهة، ولا دليل حتى اليوم على ارتباطهم بأي توجه واضح. رغم ذلك فإن السلطة الفلسطينية الرسمية سارعت لإدانة العملية وهو ما لم يكن مفاجئاً للمتابعين، كما لم يكن مفاجئاً الصمت الرسمي العربي، حيث وضعت هذه العملية الجميع في موقف شديد الحرج بين خيارات الإدانة والإشادة والأثمان الباهظة لكل منهما إقليمياً ودولياً. لكن ماذا عن عامة المثقفين كأصحاب الرأي المختلف فقط، كما يدعي، مع الحركات التي ترفع راية المقاومة؟ هل ستجد التحركات المقدسية الغاضبة دعماً ومناصرة منهم، أم أنهم سيتفقون مع الكيان الصهيوني على وصف تلك الأعمال بالإرهاب غير المقبول الذي يعطل المسيرة السلمية؟
كاتب سوداني
د. مدى الفاتح