من ناجي الخشناوي:
تمثّل الكتابة الشذرية (فنّ الخلود مثلما يسميها نيتشه)، العدو اللدود للخطاب/الذاكرة، بأسلوبها المقطعي المتحرّر والمنفلت من صرامة النّسق الفلسفي والفكري، وبتميّزها بالاقتضاب والتكثيف، وربّما لذلك كتب فريديريك نيتشه: «إن هدفي أن أقول في عشر جمل ما يقوله غيري في كتاب… ما لا يقوله في كتاب بأكمله».
ولئن عُرف الفيلسوف نيتشه بالكتابة الشذرية «هكذا تكلّم زرادشت/نقيض المسيح/أفول الأصنام»، فهو لم يكن الوحيد، فقد كتب الشذرة جان جاك روسو في كتابه «اعترافات» وكتب أدورنو «الأدب الصغير» وكذلك كتب الشذرة كل من رولان بارت «شذرات من خطاب العشق»، وإلياس كانيتي «شذرات» وفرناندو بيسوا «كتاب اللاطمأنينة» وغيرهم، وربّما يعتبر المفكّر الفرنسي من أصل روماني إيميل سيوران خليفة نيتشه في الكتابة الشذرية، لا بغزارة كتاباته في هذا السّياق، وإنّما من خلال فلسفته للحياة.
ولئن وصلتنا بعض «المختارات» من شذرات إيميل سيوران عبر ترجمة التونسي محمد علي اليوسفي «لو كان آدم سعيدا» واللبنانيّيين وضاح شرارة ولقمان سليم «توقيعات»، فإن الشاعر والمترجم التونسي آدم فتحي قدّم للمكتبة العربية ثلاثية كاملة من شذرات إيميل سيوران، بدأها بكتاب «المياه كلها بلون الغرق»، ثم كتاب «تاريخ ويوتوبيا» ليقوم مؤخرا بنقل كتاب De l’inconvénient d’être né إلى العربية تحت عنوان «مثالب الولادة» ويصدره عن «دار الجمل»، وهو الكتاب الذي أصدره إيميل سيوران سنة 1973.
حرا مثل وليد ميّت
«مثالب الولادة» الذي يشتمل على 12 جزءا وتتوزّع شذراته على 236 صفحة، جاء مثل الضربات المتتالية لمطرقة إيميل سيوران على زجاج لحظتي الولادة والموت وما بينهما من ماض وحاضر ومستقبل مدجّج «بالرغبة في الإحساس بالرّعب» ليظل سيوران وفيا لسياقه الكتابي/الحياتي، المتمثّل في ازدراء العالم وطلب الانقطاع عنه انتحارا أو موتا منذ أوّل كتاب أصدره سنة 1949 بعنوان «مختصر التّفكك» إلى أن يكتب في «مثالب الولادة»: «لم يُحب أحدٌ هذا العالَمَ أكثرَ مِنّي، وعلى الرغم من ذلك، لو قدّموه لي على طَبَق، حتى وأنا طفل، لصرختُ فيهم: فات الأوان، فات الأوان». وهذا الموقف الرّافض للعالم ليس تأمّلا مجرّدا من قبل سيوران أو تركيبا لغويا متخفّفا من الإحساس، فإيميل سيوران ـ الذي رفع طيلة حياته شعاره الخاص به «حرا مثل ميّت بالولادة» ـ يعلن هذا الموقف بعد أن توغّل عميقا في عبثية الحياة ولا جدوى لحظة الولادة، فالقلق الوجودي الذي يسوّر حياته/حياتنا يلخّصه سيوران في هجائه الفلسفي/الشّعري، متخفّفا من التأمّلات المزاجية عندما يكتب: «نحن لا نركُضُ نحو الموت، نحن نفرّ من كارثة الولادة ونتخبّط مثل ناجين يحاولون نسيانها. ليس الخوف من الموت سوى الخوف المقبل من لحظتنا الأولى، مُسْقَطًا على المُستقبل».
هذه الشذرة بالذات لا تعبّر فقط عن فلسفة سيوران من الحياة، بل هي أيضا تلقينا في عمق أسلوب الكتابة لديه، فهي كتابة قائمة على الركض والفرار والجري، في كل الاتجاهات بخفة وثبات، لا المشي المتأنّي المتواصل والطويل، وهذه مميزات الكتابة الشذرية التي يتقنها ويطلبها سيوران دون سواها، بل هو يسخر من أي نوع آخر من الكتابة، فحين «تسوءُ الأحوال وأُشفِقُ على دِماغي، أجِدُني أستسلمُ إلى رغبة آسرة في الخَطابة. عندئذ أحدس من أيّ هُوِيٍّ تافهة ينبثق المُصلحون والأنبياء والمخلّصون». وهو لا يتردّد أيضا في الكتابة في السّياق ذاته: «هذا الفيلسوف ينقصه تسلسُل الأفكار، أو كي نساير الرطانة، ينقصه الشكل الداخليّ».
رحلة باطنية
ويُمعن إيميل سيوران في السخرية من هذا الوجود ومن العدمية، وهو لا يعبّر عنها بنوع من التشاؤم والسّوداوية، كحال العدميين، بل هو يعبّر عنها بالازدراء واللامبالاة وعدم الاكتراث بساعات الزّمن، حيث يكتب في مخالب الولادة: «أنا لا أفعل شيئًا، هذا مُتَّفَقٌ عليه. لكنّني أنظر إلى الساعات تعبر ـ وهذا أفضل من أن أسعى إلى تأثيثها». فالواقع لدى سيوران هو من اختصاص اللامعقول، ولذلك فإنه يرفض أن يمنح شهادة ميلاد مزيّفة لأي كائن، وهو مستعد لاقتراف أفظع الجرائم على أنّ لا يساهم في كارثة الوجود، متمرّدا على الوراثة، على الخليّة الأولى عندما يكتب: «اقترفتُ كلّ الجرائم، باستثناء أن أكون أبًا»… علينا نسيان أن نُولد. ومثلما يرفض سيوران التّورّط في الكذبة الكبيرة التي اسمها الوجود، فهو يرفض أيّ تطفّل على وجوده الشخصي، ولا يتسامح مع من يفكّر في خلاصه، حيث يكتب: «بأيّ حقٍّ تُصَلُّونَ من أجلي؟ لا حاجة لي بشفيع، سأتدبّر أمري لِوَحْدِي». فالتواصل الحقيقي بين الكائنات، لدى سيوران، «لا يتمّ إلاّ عن طريق الحضور الصامت، عن طريق اللا تواصُل الظاهر، عن طريق التبادل المُلغز والخالي من الكلام، الشبيه بالصلاة الباطنيّة». وربّما لذلك يُرجع الوعي المشوب بالالتباس والاضطراب إلى سوء استغلال اليقظة، يقظة يوهمنا أن سيوران ذاته كانت تعوزه طيلة سنوات عمره، حيث يقول: «ما أعرفه في الستّين، كنتُ أعرفه أيضًا في العشرين. أربعون سنة من العمل الطويل وغير المجدي، للتثبُّت…».
ومثلما أعلن قائد الفوضويين، ميخائيل باكونين في كتاباته المبكّرة قائلا: «دعونا نضع ثقتنا في الروح الأبدية التي تدمر وتفنى فقط لأنها المصدر المبدع والبعيد المنال لكل الحياة ـ الرغبة في التدمير هي رغبة مبدعة»، فإن إيميل سيروان سيلقي بدوره كل الذوات الأخرى تحت قدميه ليظل أسيرا فقط إلى ذاته، حيث يكتب: «كلّ ما أقوم به وكلّ ما أفكّر فيه ليس سوى الأنا ومِحَن الأنا». وسيوران لا يلوذ بذاته هربا من الواقع وتخلّصا من كوابيسه، بل هو يفعل ذلك عن وعي، فكل قلق فردي مردُّه في آخر المطاف إلى قلق كونيّ، مثلما يقول هو، أو أن سيوران يواصل ما كتبه في «المياه كلها بلون الغرق» (الذي ترجمه أيضا آدم فتحي)، عندما كتب «تقزّزنا من هذا الشيء أو ذاك، ليس سوى تحويل لوجهة تقزّزنا من أنفسنا».
في إحدى النصوص التي كتبها سيوران معبّرا فيها عن فلسفته من الفلسفة والفلاسفة، عندما اعتبر أن معظم الفلاسفة انتهوا نهايات محترمة، ليعتبر هذا أكبر ادّعاء ضد الفلسفة، وهو ما سنجد له صدى في كتابه «مثالب الولادة» عندما يكتب: «ليس من وسيلةٍ لتجنُّب الخطأ أفضل من أن ننسف اليقين بعدَ اليقين»، فالاحترام هو من جهة ما يقين وبالتّالي فهذا الادّعاء وجب نسفه تماما، والاحترام أيضا هو نوع من النّجاح، وهذا النّجاح حسب إيميل سيوران يبعدنا عن كل ما هو حميم فينا، وهو لذلك يرسم ملامح مغايرة عندما يكتب: «نعرفُ الشخصَ المُؤهَّلَ لخوضِ رحلةِ بحثٍ باطنيّةٍ عن طريق العلامات التالية: أن يضع الفشل فوق كلّ نجاح، بل أن يبحث عن الفشل، من دون وعيٍ طبعًا. لأنّ الفشل، الجوهريّ باستمرار، يكشفنا لأنفسنا ويتيح لنا أن نرانا كما يرانا الإله، بينما يُبعدنا النجاح عن كلّ ما هو حميم فينا وفي كلّ شيء».
إن «الوصفة» التي يقترحها سيوران وعاشها فعلا جعلت ذاته مركزا لكل العالم، من دون أن يسقط في جنون العظمة أو يصاب بتضخّم الذّات، بقدر ما يقترب من كنه الوجود وسرّه، بل أن سيوران وهو يبلغ هاته الدرجة من التّأمل لا يتخلّى عن قاعدته الثابتة بأن لا يقين مع الوجود، حيث يكتب في «مثالب الولادة»: «لم يعش أحدٌ قريبًا من هيكله العظميّ مثلي. نتج عن ذلك حوارٌ لا نهاية له وبضعُ حقائق لا أُفلح في قبولها ولا في رفضها»، فسيوران واع بضرورة أن لا يتورّط في حياة لا موضوع لها سوى الحياة، بل هو لا يريد أن يجد نفسه «أمام صلاة لا موضوع لها إلاّ الدين؟».
فرنسا القذرة
يهمي إيميل سيوران، في كتابه «مثالب الولادة»، بمطرقته من دون تردّد أو «شفقة» على كلّ اليقينيّات والمسّلمات التي نخالها نهائية ونستأنس، لا في الفلسفة وحدها، بل في الأديان وفي الشّعر، في الأدب وفي التّصوّف، في الموسيقى والسينما والرّسم أيضا. يكتب عن الشّعراء والفلاسفة في «مثالب الولادة»: « إنّ ما يجعل الشعراء الرديئين أكثر رداءة، هو أنّهم لا يقرؤون إلاّ الشعراء (مثل الفلاسفة الرديئين الذين لا يقرؤون إلاّ الفلاسفة).» ويكتب أيضا عن ماهيّة الأدب في الكتاب نفسه: «ماهيّةُ الأثر الأدبيّ هي المستحيل ـ أي ما لم نستطع بلوغه وما لم يكن ممكنًا أن نُمنَح: إنّها حصيلة كلّ الأشياء التي مُنِعت عنّا».
ورغم اضطرار سيوران إلى الانسلاخ عن لغته الأم ـ الرّومانية ـ والتّوجه إلى الكتابة باللغة الفرنسية، وهي التي كتب عنها في كتابة «المياه بلون الغرق» «من الأفضل أن يكون المرء مؤلف أوبريت على أن يكون مؤلف ستة كتب بلغة لا يفهمها أحد»، فإن سيوران لا يفوّت الفرصة ليعبّر عن احتقاره لفرنسا «القذرة»، فرنسا التي لا يحب فيها سوى مقابرها الريفية التي تتيح له متعة الاستلقاء بين قبرين وقضاء ساعات في التّدخين، إنّه يدقّ عنق الحياة ويلويه، لا نكاية فيها، بل انتصارا لذاته. يكتب في مثالب الولادة: «تقدّمتُ بما يكفي على مرّ السنوات في دينين أو ثلاثة، إلاّ إنّي تراجعتُ في كلّ مرّة على عتبة «الاعتناق» خوفًا من أن أكذب على نفسي». لا لا
المترجم الخيميائيّ
من خلال هذه الترجمة لا يبدو الشّاعر آدم فتحي نافخا أعمى في زجاج فلسفة إيميل سيوران، فالشّاعر والمترجم آدم فتحي لا يستوعب اللغة التي كتب بها سيوران تأملاته ومواقفه الفلسفية، بل هو يستوعب سياق سيوران ومزاجه الباطني. ولم ينقل لنا كتاب سيوران وهو مقيّد بالشروط الصارمة للترجمة، بقدر ما نقل لنا أفكار إيميل سيوران بلغة آدم فتحي، فمترجم شذرات ايميل سيوران يبدو في هذا النص الكتاب مثل الكتابين السّابقين، مثل الخيميائي الذي يضع قطعة الذهب بجانب القطعة الثانية بعناية فائقة ليكون ناقلا أمينا لهذا الكنز الذّهبيّ، وكأن المترجم آدم فتحي لا ينام على عقيدة النّقل الحرفي الميّت أو الترجمة الآلية لنصوص حيّة.
إن آدم فتحي، الشّاعر والمترجم، وهو يمنح القارئ العربي ثلاثية إيميل سيوران «المياه كلها بلون الغرق/ تاريخ ويوتوبيا/مثالب الولادة» لا يثري المكتبة العربية فقط، بل هو يحاصر إيميل سيوران ولا يتركه يفلت من قبضته، ففي هذه المواجهة الوحشية كان يجب أن ينسحب سيوران من الحياة ليقتفي أثره آدم فتحي… حتى تظل «الحياةُ حالةُ طُموح».
ناقد تونسي