يوم الأحد الماضي خرقت طائرات روسية الأجواء التركية، وكررت العملية في اليوم الموالي. وفي اليوم نفسه وضعت الأنظمة المضادة للطيران مقاتلات تركية من نوع ف 16 في مربع التصويب وهدف إطلاق النار. لا يعتبر الأمر حادثا عرضيا بل كما يقول الأمين العام للحلف الأطلسي جينس ستولتنبرغ «عمل مخطط له ومتعمد»، فالأمر يتعلق بالحلقة الأبرز في الحرب الباردة الجديدة التي عنوانها العريض الآن «سوريا» وتتجاوز الملف الأوكراني. حلقة تحمل انعكاسات منها سياسة إعادة الانتشار التي بدأ الحلف الأطلسي يتبانها وسياسة الحذر للعربية السعودية وتركيا، وكل هذا أمام التساؤل العريض: إلى أي حد ستذهب روسيا في سياستها الشرق أوسطية الجديدة؟
لم يكن الحلف الأطلسي وخاصة الولايات المتحدة ومنها دول الشرق الأوسط مثل السعودية وتركيا يعتقدون في قرار روسيا التدخل العسكري بهذا المستوى المكثف جدا في سوريا لمساعدة دكتاتور دمشق، بشار الأسد لمواجهة جميع أطياف المعارضة وخاصة الدولة الإسلامية. في المقابل ساد الاعتقاد حتى الأمس القريب في تزويد موسكو لدمشق بالأسلحة واستمرارها في التركيز على أوكرانيا نظرا لوقوعها على حدود روسيا مباشرة وتمس أمنها القومي بسبب التعزيزات العسكرية للحلف في المناطق القريبة من أوكرانيا.
وعلاوة على هذا، رأى الحلف الأطلسي في استعمال روسيا القوة العسكرية ضد أوكرانيا امتدادا بطريقة أو أخرى للإشكالية العويصة المترتبة عن تفكك الاتحاد السوفييتي، إشكالية يتراوح حلها بين استعمال الدبلوماسية أحيانا واللجوء إلى القوة العسكرية أحيانا أخرى كما حدث في جيورجيا سنة 2008.
لكن الإنزال العسكري الهائل وبترسانة حديثة لروسيا في سوريا شكل المفاجأة التي لم يكن ينتظرها الغرب بما فيها المخابرات الأمريكية التي تتعرض لانتقادات قوية من طرف الكونغرس بسبب عدم معرفتها المسبقة بمخططات الكرملين العسكرية في الشام.
والتطورات العسكرية المسجلة حتى الآن هي التي تكهن بها الكثير من الخبراء وتناولتها «القدس العربي» في العدد الأسبوعي الماضي وتتجلى في القصف الجوي المكثف ثم عمليات تمشيط واسعة تقوم بها قوات الجيش السوري وقوات النخبة من كوماندوهات الجيش الروسي وإيران وحزب الله. وقد نشرت جريدة «لوموند» الفرنسية يوم الخميس وجود خمسة آلاف جندي روسي من قوات النخبة، وهو ما لم تتحدث عنه موسكو، علما أنه لا يمكن إرسال طائرات مروحية للقصف دون مرافقتها بكوماندوهات.
وعمليا، لا يمكن الحكم على المخطط العسكري الروسي إلا بعد مرور شهرين على الأقل، بحكم أن الأمر لا يتعلق بعملية كوماندو لتحرير رهائن بل بمحاولة السيطرة على نصف سوريا أو أكثر تحت سيطرة حركات منها الدولة الإسلامية، وهو ما يتطلب عملا عسكريا جبارا ليس مضمون النجاح التام.
في الوقت ذاته، عمليات القصف التي تشمل الجيش السوري الحر تهدف إلى دفعه إلى المشاركة في محاربة تنظيم الدولة وكذلك الحوار مع دمشق. ولا تترك موسكو للجيش الحر مجالا آخر في ظل تردد مدعميه السابقين من أتراك وسعوديين وأمريكيين بسبب التطورات الجديدة الناتجة عن التدخل الروسي. وبدأت موسكو تلوح بالحوار مع الجيش السوري الحر، وطلبت رسميا من بريطانيا يوم الخميس الماضي لعب دور الجسر بين الطرفين.
حالة الترقب في الشرق الأوسط
التدخل العسكري الروسي لا يعتبر مفاجئة حقيقية سياسيا، ولكن الكثافة العسكرية تعتبر مفاجأة حقيقية يترتب عنها حتى الآن الكثير من التطورات بدأت تبلور الشرق الأوسط والعلاقات الغربية- الروسية.
وعلاقة بالشرق الأوسط، تشكل دول الخليج على الأقل قبل «عاصفة الحزم» اللاعب العربي الذي حاول القيام بدور في الأزمة السورية عبر الضغط السياسي ثم العسكري بتسليح المعارضة لرحيل الأسد، ويعتبر هذا مطلب العربية السعودية الذي كررته يوما واحدا قبل التدخل العسكري الروسي. وفي الوقت ذاته، حضرت الأزمة الروسية في خطاب الرئيس التركي طيب رجب أردوغان بشكلف ملفت طيلة سنوات الأزمة. وبمجرد بدء الانزال العسكري الروسي، يقع شبه صمت سياسي وترقب للتطورات التي قد تحصل لاحقا.
التدخل الروسي يدفع السعودية إلى التزام الحذر تجنبا لعواقب غير مرتقبة مثل دور مفاجئ للروس في الأزمة اليمنية. وتدرك الرياض صعوبة تكرار سيناريو أفغانستان عندما سلّحت الحركات الإسلامية ضد الاتحاد السوفييتي. وتناولت الصحافة العربية والغربية تحذيرات وجهها الكرملين لبعض الدول الخليجية لتوقف عملية تسليح المعارضة السورية.
لكن الصمت الحقيقي هو الذي تلتزم به أنقرة في الوقت الراهن، غابت التصريحات النارية لرئيس البلاد طيب رجب أردوغان وحلت محلها تصريحات محسوبة بالملمتر ودقيقة جدا، بقوله يوم الأربعاء الماضي في تعليقه على خرق أجواء بلاده من طرف مقاتلات روسية «روسيا قد تخسر صداقتنا وقد نوقف مشاريع بناء محطة نووية وتجميد استيراد الغاز». ومن العوامل التي جعلت أنقرة تتريث وتتفادى الحرب الدبلوماسية مع موسكو، قيام الطائرات الروسية باستفزاز نظيرتها التركية يوم الأحد والاثنين الماضيين وخرق الأجواء التركية في الفترة الزمنية نفسها. ويعتبر الاستفزاز وخرق الأجواء رسالة واضحة من روسيا إلى تركيا بتجنب تسليح المعارضة حتى لا يسقط جنود روس.
ويشكل الترحيب المصري بضربات روسيا ضد تنظيم القاعدة وباقي الحركات المعارضة ضربة لوحدة الصف العربي الذي يوصف بالمعتدل وانهيارا لسياسة الجامعة العربية تجاه الملف الروسي، وهي السياسة التي قادتها حتى الأمس القريب العربية السعودية.
تساؤل عريض في الحلف الأطلسي
يدرك الحلف الأطلسي أن الملف السوري ما هو إلا حلقة، ولكن الأبرز، رفقة أوكرانيا ضمن حرب باردة جديدة عادت إلى المسرح الدولي. وينقسم الحلف الأطلسي إلى قسمين، قسم تتزعمه المانيا ونسبيا فرنسا وتدعوان إلى تفاهم مع روسيا حول القضايا الدولية ومنها محاربة الإرهاب. وقسم لا يثق في الكرملين وتتزعمه بريطانيا والولايات المتحدة وتصران على تعزيز الدفاعات شرق أوروبا. وبمقترح من لندن وواشنطن، سيقيم الحلف الأطلسي قاعدتين جديدتين لقوات التدخل السريع في كل من هنغاريا واسلوفاكيا تنضاف إلى بولونيا ورومانيا وبلغاريا وليتوانيا ولوتونيا.
ولم تتأخر موسكو في الرد، فقد نبه سفيرها لدى الحلف الأطلسي ألكسندر غروشو مباشرة بعد اجتماع الحلف أن «روسيا ستتخذ كل التعزيزات العسكرية للرد على القرارات الأطلسية الجديدة».
الاستعراض العسكري
والإعلامي الروسي
تنهج روسيا من خلال التدخل العسكري حاليا في سوريا نهجا جديدا في التواصل لإبلاغ مواقفها للرأي العام العالمي.
ولأول مرة، تعطي موسكو للإعلام والتواصل دورا مركزيا بعدما كانت ضعيفة في هذا المجال في الماضي. وتزامنا مع عودتها إلى الساحة الدولية، عززت روسيا من وسائل الإعلام التابعة لها مثل «روسيا اليوم» و»سبوتنيك» بمختلف اللغات، فـ «سبوتنيك» تنشر في الانترنت بـ 33 لغة موجهة إلى كل رأي عام على حدة على شاكلة عمل «بي بي سي». في الوقت ذاته، تتجنب البروباغاندا القديمة وتنشر كل الآراء والأخبار التي تنشر في الغرب، ولكنها ترد بسرعة اعتمادا على أدلة تعتبرها برغماتية وفي بعض الأحيان تكون تغليطية.
واستغلت روسيا الحرب السورية لاستعراض قدراتها العسكرية. في الماضي كان العالم يتحدث فقط عن الطائرات الأمريكية النفاثة ذات التكنولوجيا المتطورة والسفن الحربية التي تضرب عن بعد مئات الأميال. وينشر الكرملين عبر وسائل الإعلام التابعة له أشرطة فيديو تبرز عمليات القصف الجوي والبحري والبري، وهي التقنية التي أبهر بها البنتاغون العالم منذ حرب 1991 ضد العراق حتى الضربات الأخيرة ضد تنظيم الدولة مرورا بأفغانستان والعراق مجددا.
وفجأة يكشتف العالم طائرات سوخوي 34 وصواريخ كروز الروسية مثل كالبير التي انطلقت يوم 7 تشرين الاول/أكتوبر الجاري من سفن حربية من بحر قزوين لضرب أهداف للدولة الإسلامية، على بعد قرابة ألف ميل.
وبهذا تحول روسيا تدخلها العسكري في سوريا إلى منصة للتوقيع على عودتها العسكرية القوية إلى المسرح الدولي بعدما وقعت على ذلك سياسيا منذ سنوات بمعارضة مخططات الغرب في الشرق الأوسط.
د.حسين مجدوبي