المنجز التشكيلي في المغرب: صحوة جمالية أم حداثة معطوبة؟

حجم الخط
0

إذا استثنينا الشِّعر الذي يضرب بجذوره في التاريخ، فقد كانت الفنون في المغرب حديثة النشأة. صحيح، كان لهذه الفنون، مثل القصة والرواية والمسرح والتشكيل والعمارة والموسيقى، إرْثٌ تاريخيٌّ خصب يكشف عن حضارة هذا البلد وغنى ثقافته في حوض البحر الأبيض المتوسط؛ إلا أن المفهوم الحديث لكل فنٍّ من الفنون لم يتأسس إلا وفق شروط موضوعية، تاريخية وسوسيوثقافية. وفي هذا المعنى، سينشأ مثل هذا السؤال الإشكالي في صلب كُلّ تجربة فنية، والمُتواتّر بين الأخذ من التراث والانفتاح على العصر الحديث بمنجزاته وكشوفاته المتعاقبة.

تاريخ كولونيالي

من المُهمّ أن يعود باحثٌ رصين وقِرّيءٌ مشهود له بالجدية والتجرُّد، مثل إبراهيم الحيسن إلى أحد هذه الفنون، هو الفنّ التشكيلي، في كتابه القيم «المنجز التشكيلي في المغرب: روافد وسمات» (منشورات جمعية أصدقاء متحف الطنطان، 2015)؛ فقد قدّم مدخلًا لتاريخ الفن وتراثه المعماري والجمالي بالعودة إلى أهم تمثُّلاته وتجلِّياته التي استمدّت أسسها وملامحها من الفنون العربية الإسلامية التي ارتكزت على ما كان موجودًا وقائمًا في الحضارات السابقة على الإسلام، منطلقًا من الفرضية التالية: «إن فهم الينابيع الأولى التي قعدت للفنون التشكيلية أو دراستها في المغرب «لا بُدّ» من أن ينطلق من البحث في مختلف العوامل والمناخات التاريخية والسياسية والثقافية التي حيطت بها ومهّدت لظهورها».
هكذا، الباحث يعود إلى الحقبة الاستعمارية طوال النصف الأول من القرن العشرين، وما سبقها من قدوم مجموعة من الرسامين- وفي مقدمتهم الفرنسي أوجين دولاكروا- الذين شُغفوا بالمغرب فاستلهموا من إقامتهم فيه أو عبورهم منه صورهم ورسوماتهم (المناظر الطبيعية، الفرسان، مشاهد الحروب، العمران التقليدي، حياة البدو، الحريم…)، إلا أنّ نظرتهم كانت استشراقية دونية وقاصرة عن فهم روح الفنون الأهلية والحرف التقليدية، بحيث نظروا إليها باستخفاف ووصفوها في «صور كاريكاتيرية، قدحية وساخرة». لكن هذه الصوره الاستعمارية سرعان ما تلاشت مع تفكيك القيم والمعايير الجمالية الكلاسيكية لتتّسع النظرة في الفنون الإنسانية برُمّتـها.

اتجاهات وسمات: سؤال الهوية ومحنة الذات

في ظلّ الوجود الاستعماري الإسباني والفرنسي، وما يفرضه من حركة تثاقف وتبادل خبرات ضِمْنًا، ظهرت الطلائع الأولى لتشكيليّين مغاربة موهوبين كانوا يتعاطون للرسم والتصوير في صمت، بمن فيهم محمد بن علي الرباطي، سيدي المفضل أفيلال، عبد السلام الفاسي بن العربي، الجيلالي بن سلام، عبد الكريم الوزاني وطلال الشعيبية التي عُدّت ظاهرة التشكيل في المغرب. وعقب ذلك، أخذت الحركة التشكيلية تتململ، بدءًا مما أخذ يشهده المغرب من معارض تشكيلية جماعية وفردية، تؤرخ للإشراقات الأولى للرسم والتعبير التشكيلي، ثُمّ سرعان ما تجاوزت الحدود مع ثُلّة من الرواد، مثل: الجيلالي الغرباوي، أحمد الشرقاوي، فريد بلكاهية، محمد شبعة، كريم بناني ومحمد المليحي. وقد ترافقت هذه الحيوية الناشئة مع تأسيس جمعيات وطنية تعنى بالفن التشكيلي، من ضمنها: «جمعية الرسامين المغاربة المستقلين»، و»مدرسة باريس» التي كان يرأسها فريد بلكاهية، و»الجمعية المغربية للفنون التشكيلية» التي تأسست سنة 1972ولعبت دورًا تأطيريًّا أساسيًّا، و»جمعية التشكيليين المغاربة» التي راهنت على فعالية التشكيل في تعميق الوعي الفني والابتكار الأصيل، انطلاقًا من بيئته واعتباره كفنٍّ وطني، بمنأى عن الجماليّات الاستشراقية التي كرّسها الوعي الكولونيالي وشجّع عليها، من خلال الفن الفطري لفترةٍ من الزمن.
في خضمّ الإبداع التشكيلي وما صاحبه من معارض وورشات وسجالات لا تنقطع منذ مرحلة التأسيس إلى الآن، يعرض الباحث أبرز الاتجاهات والأساليب الفنية التي أظهرت مدى التنوع والتباين الذي أخذ يطبع أعمال الرسامين المغاربة، وقد اهتمَّ بتصنيفها بعض مُنظِّري الفن ومؤرخيه ممن كانت لهم علاقة مباشرة بالفن المغربي الحديث، من أمثال: طوني مارايني، وميشيل راغون، وبيير غودبير، وألان فلامون، عدا تصنيف المغربيين الشاعر محمد السرغيني والباحث الجمالي موليم العروسي. ونستخلص من هذه التصنيفات التركيز على اتجاهات بعينها (الانطباعي، الفطري، التشخصي، التراثي والحداثي بما فيه من انفتاح على الحلم واللعب والمفارقة والتجريد). يقول الباحث: «ورغم أن كل هذه التصنيفات تظلُّ نسبية، فإنها تعكس، في مناحٍ كثيرة، نوعًا من الاجتهاد وتكشف عن رؤية حاذقة وتتبُّع جيد لمسار الممارسة التشكيلية في المغرب من دون عزلها- بطبيعة الحال- عن السياقات الجمالية والمناخات الإبداعية العالمية التي ساهمت، بشكل أو بآخر، في نشأتها وظهورها».
وكانت هذه الحركة التشكيلية تحتضنها مدنٌ عريقة عُرفت بطابعها الحضاري والمعماري وميل ساكنتها الفطري إلى الفن، مثل تطوان التي أنشأ بها ماريانو برتوتشي مدرسة الفنون الجميلة (1945) ، وأصيلة، مراكش؛ ثم الدار البيضاء التي تأسست فيها مدرسة الفنون الجميلة (1952) تحت إشراف الرسام الفرنسي جاك ماجوريل، التي اعتمدت في منهاجها التعليمي التجريد وحرية الانتشار الخطي واللوني داخل مساحة السند وفضائه، ومع فريد بلكاهية تحولت هذه المدرسة إلى مساءلة التراث الكولونيالي وإقامة الوشائج بين ما هو تراثي وعصري. وفي الدار البيضاء نفسها، نشطت «جماعة 65» كطليعة ثقافية متسلحة في عملها بوعي نقدي وأخلاقي وإيديولوجي متقدم، وكان فيها فريد بلكاهية، محمد شبعة، محمد المليحي، محمد أطاع الله، محمد حميدي ومحمد القاسمي. وقد رفض هؤلاء أساليب النظام التدريسي الاستعماري ووجّهوا اهتمامهم إلى رد الاعتبار للفنون الشعبية والمتروكات التراثية، بأدوات تمزج بين البعد الهندسي والحِرَفي والتجريد التعبيري، فكان لكلّ واحد منهم أسلوبه الخاص. وإذا مثّلنا ببعض الجماعة، فهذا محمد شبعة ارتقى بفنّ الصباغة هندسًّا وبلاغيًّا، بعد أن صارت الرموز والعلامات هوائية وطائرة ومتحرّرة، ما هو رياضي إقليدي وأيديولوجي صرف؛ وهذا فريد بلكاهية يستلهم علامات فنّه من البعد الحِرَفي للصناعات التقليدية المحلية (الحناء والجلد بدلًا من الزيت والقماش)، ومن صفائح المعدنيات والنحاس الأحمر المطروق والمنقوش وفي ما بعد الورق؛ وهذا محمد المليحي تميَّز فنُّه الصباغي ببعده المسطح أحادي البعد من خلال مشاهد طبيعية تجريدية تترجّح بين الرومانسي والتعبيري.
ولعل أهمّ ما طرحته هذه الجماعة الطليعية كان سؤال الهوية والمحلّية، وعلى محكِّه اختبروا تأمُّلاتهم وأدوات تعبيرهم الفني، على نحو يكشف عن محنة الذات عندهم، الفردية والجماعية في آن. فقد وضعت هذه الجماعة في مقدمة أهدافها صون التراث البصري والجمالي الوطني وإدماجه في بنية التعليم الفني. لكن السؤال تحوَّل إلى معضلة كبيرة مرَّ منها الإبداع التشكيلي في المغرب، فهو لا يزال يُطرح بشكل سطحيّ لدى العديد من الرسامين والنحاتين المغاربة، وفي سياق الممارسة الغارقة في أشكال الحِرَفية والنمطية والسلبية التي لم تستفد من المواكبة النقدية المتخصصة والمنتظمة، ومن التكوين العلمي الذي يؤسس للتجربة الفنية، سواء في بعدها الفردي أو الجماعي. وفي هذا الصدد يقول الباحث: «سقط الكثير من الفنانين المغاربة في مصيدة التقليد والاستنساخ، مُقدِّمين بذلك أعمالًا فنية مسكوكة ومنسلخة عن جذورها وبعيدة عن المناخات والشروط الإستتيقية التي أسستها (…) كما أن معظمهم ظلُّوا منشغلين بالانخراط في حداثة عبثية استهلاكية ازدادت سوءًا بعد تنكُّر الكبار للصغار وظهور أجيالٍ مرتبكة تتبادل الجحود». ومن ثمّة، لا يزال معظم رسامي المغرب متذبذبين في تعبيراتهم بين استلهام حقيقي لفنون البلد الأهلية وبين تجاوز الوافد من التيارات الفنية الغربية التي انبثقت أصلًا من فنٍّ أوروبي تمرد على تراثه التقليدي لأكثر من أربعة قرون.

صحوة جمالية أم حداثة معطوبة؟

بدت الحداثة في التشكيل المغربي مرتبطةً بظهور نخبة من المبدعين تلقّتْ تكوينًا فنّيًا في المدارس الأوروبية، وإليها يعود الفضل في إرساء دعائم الفن الحديث في المغرب، وفي طليعتهم الجيلالي الغرباوي وأحمد الشرقاوي اللذان أَوْليا اهتمامًا بالآثار التصويرية والأشكال النموذجية للرسم الحديث، وجعلا من تجربتيهما أولى التجارب الرائدة التي تأثرت بالفن التجريدي واستوعبته جماليًّا، حريصين على القطع مع الوعي الفنّي الكولونيالي. وعقبيهما، بزغت أجيال جديدة من الرسامين في إطار الهواية، أو في إطار الممارسة الاحترافية المدعمة بالخبرة المدرسية، وقد تباينت أساليبهم في التصوير الواقعي والتعبير التشخيصي تبايُنًا يعكس تنوُّع مقارباتهم لموضوعات كثيرة ومختلفة، اجتماعية وتراثية أمازيغية وعربية إسلامية، تتأسس على المحاكاة والتمثيل. وقد صنّف إبراهيم الحيسن أهم هذه الأساليب أو الصيغ على النحو التالي:
الواقعية الحسية النابعة من الحرص على تطبيق قواعد الرسم والتلوين (أحمد بنيسف، مريم أمزيان، شمس الضحى أطاع الله، خديجة روسطان، المكي مورسيا..)؛
الواقعية الانطباعية الساعية إلى طرح مشكلة اللون والضوء من منظور المجاورة البصرية بينهما (الطيب لحلو، الأمين الدمناتي، محمد الجعماطي، عبد السلام النوار، محمد كريش، الحبيب لمسفر..)؛
الواقعية التعبيرية القائمة على التحوير والحركة وانصهار الألوان عن طريق المزج البصري، من دون الاكتراث بقواعد الرسم والمنظور (سعيد قديد، بوزيد بوعبيد..)؛
التشخيصية الرمزية الموسومة بتراكيب تجريدية مبسطة (عبد الحي الملاخ، العربي بلقاضي، فوزية جسوس، عبد القادر لعرج، حكيم غيلان..).
إلى جانب ذلك، ظهرت صيغ تعبيرية أخرى جديدة تستلهم روحيّتها من الفن الغرائبي كما عند بوجمعة لخضر وعباس صلادي. عدا خرائط التجريد المتراحبة التي فتح الرسامون أعينهم عليها، بدءًا من سبعينيات القرن العشرين، وهم يُركِّزون في رسوماتهم على المادة واللون بقدر ما يولون اهتمامهم بالبصمة والأثر والحركة والجسد، ويخلقون التواشجات الممكنة بين الجسد واللون. ومن هؤلاء من الجيل المؤسس: ميلود لبيض، المكي مغارة، التيباري كنتور وسواهم، ومن الجيل الجديد: عزيز أزغاي، فيصل احميشان، حافظ مربو، عبد العزيز أصالح، بنيونس عميروش، رشيد بكار وسواهم.
كما أن بعض التجارب الصباغية وظّفت الحرف والكتابة العربية وفق صيغ وتصوُّرات جمالية وتعبيرية لافتة، كما عند عبد الله الحريري وحسن المقداد وعمر أفوس ومحمد موسيك وحكيم غزالي وإبراهيم حنين. وبعضها الآخر انفتح على تجربة الجسد بوصفه علامة أيقونية ترسم في معانيها وأبعادها الدلالية ملامح القهر والاضطهاد والقتل الرمزي ومصادرة الحلم كما عند عبد الكريم الأزهر، بوشعيب هبولي والحسين طلال، أو بوصفه خلفية جمالية لا تخلو من إغراء وافتنان مُوحيين ببعد جنسي إيروتيكي، كما عند محمد حميدي، سعد بن شفاج، أمينة رزق وسواهم. وفضلًا عن ذلك، اهتمَّ الباحث بتعبيرات تشكيلية أخرى مثل: النحت، الخزف، الديزاين، الفيديو آرت، الغرافيك، البرفورمانس. وقد عكست بدورها حيوية المنجز وتحوُّله الإبداعي المطرد على نحو يشير إلى وجود «صحوة جمالية» داخل الحديث وما بعد الحديث، من خلال إنتاج مجموعة من الإرساءات والمنشآت كبدائل عن اللوحة، وكوسائل جديدة لخلق نوع من التدخل الفرجوي في الفضاء، كما عند محمد القاسمي، فؤاد بلامين، لطيفة التجاني، خليل لغريب ومصطفى بوجمعاوي. وفي أواخر تسعينيات القرن المنصرم، ظهر جيل جديد من الفنانين ارتقى بهذه التعبيرات الجديدة ووضعها على سكة البحث والتجريب، ومن جملتهم: يونس رحمون، هشام بن أحود، منير الفاطمي، صفاء الرواس، فؤاد لعتيريس ومجموعة 212.
ورغم ما يلمح إليه الباحث من أن «هذه التجارب والأبحاث الجمالية تمثل شواهد مادّية توحي ببزوغ «صحوة جمالية» قد يستفيد منها الفن المغربي المعاصر»، إلا أنّ هذه الصحوة تتهدَّدها هذه العوامل الضاغطة:
ـ عدم ارتباط المنجز التشكيلي بالهوية والذات الشخصية المستقلة، وانقطاعه عن امتداده الطبيعي في منظمة القيم والأنساق الجمالية؛
ـ تضاؤل التلقي والاهتمام به، ولاسيما في ظل هيمنة الخطاب الإيديولوجي المتشدد؛
ـ الافتقار إلى بنيات تحتية ووسائطية عصرية متخصصة (أروقة، متاحف، مشاغل ومحترفات مفتوحة)؛
ـ تذبذب مناهج ديداكتيك الدرس الجمالي في المدرسة المغربية وانعدامه في الجامعة؛
ـ انتشار ظاهرة الأعمال المزيفة، وانعدام سوق فنية دينامية لتصدير الإبداع التشكيلي الوطني وترويجه في الخارج؛
ـ الحاجة إلى خطاب نقدي أكاديمي يقارب خريطة الإنتاج التشكيلي المغربي بكلّ موضوعية وتجرُّد وشمولية.
وإجمالاً، فقد أوجز الناقد والباحث الجمالي إبراهيم الحيسن تاريخًا متشعِّبًا من الفنّ والبحث فيه أحسن الإيجاز وأبلغه؛ وأحسب نفسي أنّني كنت أعبره كما أعبر شارعًا عريضًا عُلِّقت على جانبيه أو على واجهاته لوحات فنّانينا الممسوسين بروح الإبداع والكشف، فكنتُ أتوقف عند هذه اللوحة أتقرّى في ملامحها وتخطيطاتها، وأتأمل صمت هذه اللوحة وبياضها الكثيف، وأطأطئ رأسي أمام تلك اللوحة لجلال حضورها وسموقه، وبين هذه وتلك أبحث عن لوحة محلوم بها تتفلّتُ من بين أصابعهم باستمرار. إنّه: «الكشف عن عالم يظلُّ في حاجةٍ إلى الكشف» بتعيبر الشاعر الفرنسي روني شار.
ومثل هذا البحث الذي انخرط فيه إبراهيم الحيسن وأخلص له، كان من الطبيعي أن لا يكون تأريخًا لنحو قرنٍ من المنجز التشكيلي المغربي فحسب، بل كان- عدا ذلك- إصغاءً له في شروطه السوسيوثقافية والجمالية، وحوارًا مع علاماته الكبرى ورموزه وأيقوناته الدالّة. إنّه كتابٌ تاريخيٌّ، بوليفونيٌّ ونقديٌّ يزاوج بين النظرية والتوصيف والتأمل النقدي، وبين التذوُّق الجمالي والتوثيق البيبليوغرافي حيث ذيّل بحثه بملزمة الصور والأيقونات (لوحات، منحوتات، سيراميك، إرساءات..)، وكتبه بلغة نابعة من روح الفنّ الذي كانت تقاربه وتذهب إليه بتؤدة وتفانٍ، مثلما ارتفع إليه بروح جذابة وسمحة لكن لا تُفرِّط في واجبها الأكاديمي فسمّت الأشياء بمسمياتها، لأنّ الهم الذي كان يُوجِّهها، من البداية، هو البحث عن المعنى في عالم مُتحوّل.

كاتب مغربي

عبد اللطيف الوراري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية