الناصرة ـ «القدس العربي»:يحذر خبير إسرائيلي من انقراض البحر الميت وجفافه نتيجة الاستيلاء على موارده خاصة مياه نهر الأردن وبحيرة طبريا واستخدامها للريّ الزراعي. وكشف الخبير الجيولوجي د. إيلي راز أن منسوب البحر الميت بات ينخفض سنويا 1.3 مترا لافتا لتفاقم المشكلة نتيجة شحّ الأمطار في البلاد بالسنوات الأربع الأخيرة على التوالي. ويشير إلى أن مستوى البحر الميت بلغ قبل عقد 420 مترا (تحت سطح البحر المتوسط) أي أكثر بـ 12 مترا عما هو الآن. ويعاني البحر الميت تراجعا يهدده بالجفاف منذ عقود نتيجة ضخ الكثير من مياه بحيرة طبريا في مطلع ستينيات القرن الماضي من أجل نقل مياه من البحيرة للنقب. وشهد عام 1977 نقطة تحول بعدما انقطع التواصل بالكامل بين شقي البحر الميت الجنوبي والشمالي جراء انحسار مياهه. وتحول القسم الجنوبي لمجموعة أحواض تقوم على ضفافها مصانع إسرائيلية لاستخراج الأملاح على أنواعها. ويؤكد راز أن السبب الأساسي لانحسار مياه البحر الميت مرده بقلة المياه الواردة عليه والتي تغذيه وعلى رأسها مياه نهر الأردن الخارج من بحيرة طبريا. وعلاوة على الخطر الداهم الذي يتهدد واحد من عجائب الدنيا نتيجة المشاريع الإسرائيلية هناك خسائر اقتصادية نتيجة ابتعاد الساحل الفلسطيني للبحر عن الفنادق والمنتجعات السياحية. كذلك تنجم الخسائر المادية نتيجة نشوء مئات الآبار الجافة (البالوعات) الناجمة عن جفاف مياه البحر مما يضرب البنى التحتية والمرافق السياحية والزراعية في محيط البحر الميت وهي تبدو انتقام للطبيعة من الإنسان لتدخله الفظ في شؤونها. وتحاط اليوم مساحات واسعة على طول الساحل الغربي للبحر الميت بالأسلاك بسبب الخوف من السقوط في البالوعات. ويرى راز أن الحل الوحيد لإنقاذ البحر الميت ضخ مياه محلاة من البحر المتوسط قبالة ساحل حيفا لبحيرة طبريا مصدر مياهه الأساسي عبر نهر الأردن.
جفاف الأردن
ويقترح راز أن يتم أيضا بواسطة مشروع تحلية مياه البحر الأبيض المتوسط حل مشكلة النقص الحاد للمياه في الأردن وذلك بتحويل بحيرة طبريا لمستودع مياه كبير تزود إسرائيل والمملكة الأردنية بالماء. معتبرا ذلك نموذجا لمشروع تعاون إقليمي يحظى بدعم مؤسسات مالية دولية موضحا أن ضخ مياه البحر المتوسط لها سيوقف أيضا ظاهرة ارتفاع ملوحتها. ويقترح تحلية 300 مليون متر مكعب من مياه المتوسط كل عام وضخها لبحيرة طبريا وبالتالي تعزيز كمية المياه المتدفقة منها في مجرى نهر الأردن. أما مشروع نقل مياه من البحر الأحمر للبحر الميت فهو بنظره غير قادر لتزويده بالقسط الكافي من الماء علاوة على مخاطر المساس بجودة مياه البحر الميت وتغيير طبيعتها النادرة.
الكاميرا تحكي كل الحكاية
ونيابة عن الطبيعة يصرخ مصور يهودي يدعى نوعم بودين الذي يقوم بتوثيق الاندثار المتسارع للبحر الميت بعدسته حيث يلتقط مئات الصور لمواقع مختلفة منه كل عام ويقارنها بصور التقطها بذات المواقع بالماضي وتتجلى الكارثة بوضوح ودون كلمات. وتكشف ألبومات صوره ليس عن كارثة انحسار البحر الميت وقتله بالتقسيط فحسب بل تعكس مشاهد طبيعية مدهشة عبارة عن منحوتات وحلّيمات بالملح علاوة على كهوف حفرتها وكونتها الطبيعة وينابيع مياه حلوة في أرضية البحر وآبار جافة عملاقة ومخيفة. ويستخدم المصور صوره للفت الانتباه للخطر المحدق بالبحر الميت فينظم في البلاد وخارجها معارض صور مساهمة في محاولات إنقاذ البحر الميت من خلال مقارنة صور الموقع الواحد بصور التقطت بفارق شهور أو سنة وتظهر جليا عملية التصحر المدهشة.وتبدو المفارقة المأساوية بلافتات ضخمة ثبتت قبل سنوات وقبل أن « يهرب « الساحل تحذر من الغرق بالبحر باتت في وسط الصحراء محاطة ببحر من الرمل.
مشروع قناة البحار
وقبل أن تشرع بمرحلة التطبيق يواصل باحثون محليون وأجانب من مشروع « قناة البحرين « الهادف لربط البحرين الأحمر بالميت، في محاولة لإنقاذ الأخير من الجفاف وعرف وقتها بـمشروع « قناة البحرين «. بعدما أبدت في العام المنصرم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان استعدادها للمشاركة بتمويل المشروع تتزايد تحذيرات علمية تشكك بجدواه وتحذر من خطورته.لكن وزارة التعاون الإقليمي في إسرائيل وهي الوزارة المكلفة بمتابعة إنجاز مشروع قناة البحرين ماضية في عملها وهذا الأسبوع طرحت عطاءا للحصول على استشارات هندسية عملية قبيل البدء بالتنفيذ.
ووفقاً لذاك المشروع، يفترض عام 2020 توفير مياه عذبة إلى سكان غور الأردن وتحويل مياه مالحة من البحر الأحمر إلى البحر الميت.
بعد صهيوني
وقتها حرص رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو على إظهار البعد الصهيوني للمشروع، مؤكداً أنه يتطابق مع رؤية تيودور هرتزل (مؤسس الحركة الصهيونية) كما وردت في كتابه «أرض قديمة حديثة». وأضاف: «لقد تنبأ بإقامة مشروع قناة البحرين، والآن نتشرف، ولدينا الفرصة بتجسيد تلك الرؤية». واعتبر نتنياهو أن هذا المشروع « يشكل مرساة استراتيجية أخرى في العلاقات السلمية القائمة بين الأردن وإسرائيل، وهذه العلاقات السلمية تعتبر حيوية أكثر وأكثر على ضوء ما يحدث في منطقتنا». ودون الإشارة للسلطة الفلسطينية مكتفياً بذكر الجانب الأردني، قال إنه « يرغب بتقديم الشكر لنائب الوزير أيوب قرا الذي يدير المشروع نيابة عن الحكومة وتولى هذا الأسبوع حقيبة الاتصالات أيضا.
من جهته، أكد قرا، في صفحته في «الفيسبوك» أنه بعد عقود من الأحلام يتحول المشروع لحقيقة على الأرض سيستكمل إنجازه في 2020 بحيث سيبدأ بتسويق المياه المحلية من منشأة تقام بجوار العقبة ـ إيلات وستصل مياه البحر الأحمر للبحر الميت.
الدول المانحة
وأوضح أن المشروع انطلق بعد توفير الدعم من الدول المانحة له في اجتماع استضافه الأردن قبل نحو عامين. وكرر أقوال نتنياهو حول القيمة الاقتصادية للمشروع، مشيراً أن «قناة البحار» مرساة اقتصادية هامة جداً لاستقرار المنطقة وأنها ستغري دولها لتطوير علاقات اقتصادية إضافية مع إسرائيل».
بالمقابل ينضم لتحذيرات راز خبراء آخرون من تبعات بيئية سلبية لقناة البحار ومن احتمالات المساس بالبحر الميت. ويوضح الخبير الجغرافي الفلسطيني د. شكري عراف لـ « القدس العربي» أن « مزج مياه البحرين سيؤدي لنتائج ومضار بيئية فادحة تجهز على المميزات الطبية للبحر الميت إضافة لتغيير لونه من الأزرق للأحمر». وتابع: « يخشى ألا تمتزج المياه العذبة نسبيا للبحر الأحمر كما يجب بمياه البحر الميت التي تبلغ نسبة الملوحة بها نحو 33٪». ولفت إلى أن «النتيجة ستفضي لانتشار جراثيم وطحالب تمنح المياه لونا يميل للحمرة أو البياض الحليبي علاوة على المساس بتركيز الأملاح الطبيعية التي تستخدم في علاج أنواع مختلفة من الأمراض». وبحسب الخبير فإن «المزج بين البحرين من شأنه أن يؤثر سلباً على عملية تبخر المياه في البحر الميت جراء تكون طبقة من الجبس في سطح البحر». يشار أن منسوب البحر الميت (418 متراً تحت سطح البحر الأبيض المتوسط) ينخفض سنويا بمتر واحد نتيجة حرمانه من مياه نهر الأردن والجداول والعيون المحيطة به من قبل إسرائيل. وفي هذا السياق، أكد عراف أن « الحل الحقيقي لإنقاذ البحر الميت يكمن في إعادة مياه نهر الأردن وبحيرة طبريا التي تستغلها إسرائيل منذ عقود لأغراض الزراعة والصناعة».
وأضاف: « حينما تدخلت إسرائيل بالطبيعة لتغيير الملامح الجغرافية تعرضت البيئة لنتائج كارثية كما ظهر في مشروع تجفيف بحيرة الحولة شمال فلسطين وفي حجز مياه طبريا عن البحر الميت بسد دغانيا في جنوب بحيرة طبريا».
وسبق وصدرت تحذيرات على لسان خبراء في مؤسسات بحثية محلية وفي المنظمة العالمية (أصدقاء الكرة الأرضية)، من المخاطر المذكورة. واعتبرت أن انخفاض نسبة الملوحة من شأنها أن تؤدي لطفرات بيولوجية تغير طبيعة البحر الميت».
مصدر التسمية
ويختلف المؤرخون حول سبب تسميته بالميت فمنهم من ينسب ذلك لانعدام أمواجه، ومنهم من يرى أنه بسبب موت الكائنات البحرية حيث لا يعيش فيه سوى الميكروبات والبكتريا التي يمكنها تحمل نسبة الملوحة العالية، ولا تسقط الأمطار عليه إلا بنسبة قليلة جدًّا تصل إلى 90 مم سنويا فقط. لذا فهو يعتبر من المناطق القاحلة، هذا إلى جانب درجة عالية من التبخر تصل إلى ما بين 1300 إلى 1600 مم، حيث إن ازدياد درجة الملوحة على سطح البحر الميت كلما ارتفعت درجة الحرارة يزيد من عملية التبخر. وفي المصادر التاريخية العربية والأجنبية، يلفت عرّاف إلى أنه وردت للبحر الميت أسماء كثيرة منها البحر المالح وبحر الصحراء والبحر الشرقي وبحر ســدوم وبحـــر الحمر والبحر الكافر والبحيرة المقلوبة وبحيرة لوط والبحيرة المنتنة وبحيرة سدوم وعمورة.
منافع جمة
لأملاح البحر الميت تأثيرات علاجية وتجميلية عديدة.. حيث يأتي السياح من مختلف أنحاء العالم للاستشفاء في هذه المنطقة، فالعلماء والخبراء يقولون إن ماء وهواء وشمس البحر الميت هي العلاج الحقيقي والطبيعي للأمراض الجلدية، حيث تحمل خواص لا تتوافر في الكون إلا في أرض البحر الميت. يعود ذلك لانخفاض مستوى سطحه عن سطح البحر مما يوفر أعلى نسبة أوكسجين، والحرارة المرتفعة تزيد التبخر فيبقى الجو مشبعاً بأملاح الماغنسيوم والبروميد والكالسيوم وغيرها من العناصر؛ مما يؤدي إلى المساعدة في علاج الأمراض الجلدية والأوردة الدموية وغيرها من الأمراض مثل الصدفية، كما أن نسبة الرطوبة منخفضة حيث لا تتجاوز 5 ٪ وهي من الميزات التي تساعد في العلاج. وتستخدم أملاح البحر الميت في إنتاج مستحضرات التجميل، حيث أنشئت عشرات المصانع على الجانبين الأردني والإسرائيلي لعمليات استخراج هذه الأملاح وتصديرها، إضافة إلى وجود نباتات البحر الميت التي تستخدم هي الأخرى في مستحضرات التجميل.
وديع عواودة