رحب الرئيس التركي أردوغان بالضربات الجوية التي وجهها التحالف الدولي على تنظيم «داعش» و»جبهة النصرة» في محافظة الرقة السورية يوم الثلاثاء 23/9/2014. ولكن هذا الترحيب لا يعني أن تركيا سوف تكون مشاركة للتحالف الدولي حتى تجد تجاوباً على أسباب التطرف والإرهاب الذي جعل هذه التنظيمات تجد أرضية فيها لتعمل أعمالها الارهابية، فـ»داعش» لن تنحسر بهذه العمليات الجوية، وهو ما أكد عليه رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، بل حتى الكثير من الصحف الأمريكية انتقدت الاستراتيجية الأمريكية في مواجهة تنظيم الدولة. إن الأتراك يدركون أن الأمريكان بدأوا يدركون أن بشار الأسد جزء من المشكلة وأنه من المستحيل أن يكون جزءاً في التحالف الدولي، وكذلك من المرجح أن لا تكون الرغبة الأمريكية بإشراك إيران في هذا التحالف، لأن الدول التي شاركت في مؤتمر جدة بتاريخ 12 /9 / 2014 رفضت مشاركة إيران في التحالف بما فيها تركيا والدول العربية المشاركة.
إيران تريد المشاركة في التحالف الدولي ولكن بشرط ربطه بالملف النووي الإيراني، وهو الأمر الذي رفضته أمريكا، بينما تطرح تركيا في سبيل مشاركتها في التحالف في تحقيق أهداف تساعد على حل مشاكل المنطقة أولاً، وبالأخص المشاركة الدولية الواجبة لمعالجات تبعات الحرب السورية من النازحين السوريين على مدى أربع سنوات، وقد دخل تركيا أكثر من مليون ونصف مليون لاجئ سوري وكذلك أدى احتلال «داعش» للشمال العراقي وربطه مع تواجده في شمال سوريا إلى فرار أكثر من مئة وستين ألفاً إلى تركيا، وهذه مشاكل كبرى تتعرض لها تركيا وتريد حلا دوليا لها، فقد حملت أكثر مما تحتمل اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً.
إن تركيا تريد أن يتم حل المشكلة السورية وضرورة تغيير النظام السوري الذي رفض التعامل مع المعارضة السلمية منذ بداية الأحداث في سوريا، فالمشكلة الحقيقية هي وجود نظام الأسد الذي يقتل شعبه، وبالتالي يخلق ظروف انبثاق تنظيمات مثل «داعش» وغيرها، فتركيا تريد رؤية استراتيجية أمريكية واضحة في سوريا وفي العراق، ولا توافق تركيا على الاستراتيجية الأمريكية الحالية التي أنشأت عليها التحالف الدولي لمحاربة «داعش».
لقد استطاعت تركيا الافراج عن ستة وأربعين رهينة لدى تنظيم الدولة الإسلامية بطريقة سلمية، ولم تر حاجة إلى أن تدخل في مواجهات عسكرية أو عمليات غير محسوبة العواقب، ولا حجة لمن يتهم تركيا بالتعاون مع «داعش» وهي منخرطة في التحالف الدولي من الناحية الحدودية ومن الناحية اللوجستية، وبالأخص في المراحل القادمة، بعد أن تبدأ أمريكا العمل بجد في تغيير أسباب نشوء التنظيمات الارهابية، فلا يمكن التورط بأعمال عسكرية قد تؤدي إلى تواجد تنظيمات مشابهة لـ»داعش» بعد حين، بينما يتم الادعاء الآن أن التحالف الدولي يستهدف القضاء على «داعش».
إن الحكومة التركية قد عرضت على حلف الناتو بتاريخ 5/9/2014، وكذلك طالب الرئيس التركي بعدها بأيام في الأمم المتحدة بضرورة إقامة منطقة عازلة داخل الأراضي السورية وهدفها أن تكون منطقة آمنة لكل السوريين الفارين من مذابح الأسد أو من مذابح «داعش» أو من مذابح المعارك المقبلة، هذه المطالبة التركية كانت قائمة منذ قيام الأزمة السورية، ولكن المجتمع الدولي لم يساند المطلب التركي، لأسباب كانت تفرض على حلف الناتو أن لا يتورط في معارك عسكرية خارج حدوده ولا يجد داعيا لها في ظل مصالحه الخاصة، بينما اليوم ومع وجود التحالف الدولي من خمسين دولة تشارك في محاربة «داعش» فإن الفكرة التركية تعود إلى الظهور لمطالبة هذا التحالف أن يفرض المنطقة العازلة والآمنة، حيث يمكن تنفيذها من خلال السيطرة الجوية على الأراضي السورية من قبل قوات التحالف الدولي، بعد أن شرعت بأولى هجماتها على تنظيم «داعش» على منطقة الرقة السورية.
إن المشاركة العربية في ضربات التحالف الدولي فوق الأراضي السورية مؤشر مهم على إمكانية إقامة منطقة حظر جوي يستفيد منه التحالف ويكون آمناً على طيرانه فوق الأراضي السورية، وكذلك يستفيد منه الشعب السوري، فيقيم مخيماته في أراضيه بدل أن تكون في الدول المجاورة لسوريا، فتركيا بدأت تستشعر وبعد أربع سنوات الكثير من الاشكاليات على الصعيد الأمني والاجتماعي، وتريد لهذه المنطقة ان تكون آمنة تقدم فيها كل المساعدات الإنسانية ويكون تدفق اللاجئين إليها مهما حصل من تغيرات، وهذه المنطقة ينبغي ان تكون تحت إطار انساني ودولي والأمم المتحدة وليس تحت سيطرة أي دولة بما فيها الدولة التركية، بل يمكن أن يكون التحالف الدولي المكون من أكثر من خمسين دولة هو الحامي والضامن لهذه المنطقة العازلة.
إن تصريح المتحدث الأمريكي بأن العمليات التي قام بها التحالف الدولي لم يتم بالتنسيق مع بشار الأسد دليل على أن أمريكا تستطيع أن تفرض هذه المنطقة العازلة، وأنها تستطيع أن تقدم معونة حقيقية وأمنية للشعب السوري، فما الذي يمنع أمريكا عن حماية الشعب السوري بإقامة منطقة آمنة، بينما تسعى أمريكا إلى تدمير مواقع كبيرة في سوريا من أجل محاربة «داعش» بطريقة قد تكون فيها معاونة لنظام الأسد بالقضاء على خصومه في المعارضة السورية.
إن تركيا تسعى إلى جعل المسألة الإنسانية في مقدمة الأهداف التي ينبغي للتحالف الدولي أن يقوم بها، وعلى التحالف الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية أن يفكر بالعواقب الإنسانية من جراء العمليات التي سوف يقوم بها التحالف الدولي ضد «داعش» في سوريا والعراق، فتركيا لن تقوى على استقبال ضحايا هذا التحالف من الهجرات الكبيرة المحتملة على تركيا، دون أن يتم ربط هذه المطالبة التركية بالمسألة الكردية التاريخية، لأن المشكلة الناشئة بعد الأزمة السورية والعراقية وضربات التحالف الدولي غير قضية المسألة الكردية التركية المعروفة تاريخياً، إن تركيا تمنع الأكراد الأتراك اللذين يريدون التوجه إلى سوريا لمقاتلة «داعش» أو المشاركة في الصراع السوري، فتركيا تمنع الأتراك الأكراد المشاركة في هذه المعارك، وهذا موقف يشابه موقف عبدالله أوجلان، ويختلف عن مواقف المتشددين الأكراد المقيمين في جبال قنديل، ولا يزالون يراهنون على الحل الأمني والعسكري لحل قضاياهم القومية.
ينبغي النظر إلى الصورة المأساوية للشعب السوري والعراقي اليوم بشمولية، فالخوف أن يصل إلى تركيا مئات الآلاف من المهاجرين جراء العمليات العسكرية ضد «داعش» وهذا سيفرض عبئاً جديدا على تركيا، وهي تريد أن تأخذ المنظمات الدولية دورها نحو حل هذه المشاكل الكبرى للنازحين، فالهدف التركي من المنطقة العازلة إنساني أولاً، وإذا كان له من آثار سياسية فهي في المرحلة الثانية، وثالثاً لا بد من تخفيف العبء الثقيل عن كل الدول التي تستضيف مضطرة لاجئي الشعب السوري والعراقي بكافة قومياته وطوائفه.
لم تطرح الحكومة التركية مطلب المنطقة العازلة الآمنة كشرط تركي لانخراط تركيا في التحالف الدولي، ولكن طرحه الآن من الحكومة يشير إلى أنها تريد أخذ مطالبها بعين الاعتبار، فلا ينبغي حل مشاكل دول معينة على حساب دول أخرى، وأردوغان لا يطلب ثمناً للدخول في هذا التحالف، وإنما يريد ان تشعر شعوب المنطقة انها في مأمن، وان يكون ساستها المنتخبون من شعوبهم هم أول من يبحث عن ملجأ آمن لهم يبعدهم عن مخاطر الحروب المحلية او الدولية.
إن المنطقة الآمنة التي يطالب بها أردوغان هي جزء من وضوح الاستراتيجية التي تطالب بها تركيا لدخول التحالف، وإذا وافق الغرب أو الناتو أو التحالف الدولي على خلق هذه المنطقة العازلة فإن أردوغان يمكن ان يشارك في التحالف بعد وضوح الرؤية الاستراتيجية أمامه بتحجيم سلاح الجو السوري، ومن صدق نوايا الحكومة التركية ان تطالب مجلس الأمن أو الهيئة العامة للأمم المتحدة أن تتولى مشروع المنطقة العازلة في سوريا، وإذا عارضت روسيا قراراً دولياً بهذا الشأن عن طريق الفيتو الروسي، فقد يصار إلى تنفيذ هذه المنطقة العازلة عن طريق الجمعية العامة للأمم المتحدة لتجاوز الفيتو الروسي في مجلس الأمن.
محمد زاهد غول