يمثل الوعي بالتاريخ أحد أهم المفاصل الحسّاسة في قراءة الواقع واستجلاء حقائق الماضي، ومن ثمّة يمكن تحديد العناصر المؤثّرة في واقعنا، التي ما زالت مستمرّة كحركة في التاريخ متفاعلة مع الوجدان ومترغَّبة في العقل، لكن تقع أمام معطيات الثوابت الكونية القاضية بالتغيير والمفاصلة بين ما حدث وما يحدث، لأجل اغتنام الذات المعاصرة عوامل الاستمرار في التاريخ، وترميم فجوات المسار نحو إنتاج الأفق الدافع والحافظ للحقيقة الإنسانية وهي تتأمل فعل الوجود.
الأسلفة الإشكالية والواقع
من هذه المفاعيل المؤثّرة في التاريخ العربي الإسلامي، تنبثق إشكالية «السلفية» بين مفاهيمها الأصولية وتمثلاتها الواقعية، حسب القراءات المتعددة لتطورها وممارساتها وعلاقاتها المتشابكة مع حركة المجتمع العامة، سلبا وإيجابا، حيث تعتبر السلفية كمنظومة عقدية وفكرية كينونة مستمرة منذ عهد النبوة، وانبثاق الفعل السلفي من تحديدات نصية ورد فيها ما يشير إلى معنى «السلف»، وهو ما يشير إلى الإتّباع الحرفي لحركة الرسالة متمثلة في شخص النبي عليه الصلاة والسلام، في قوله وفعله وتقريره، وما استقر عليه فهم وسلوك السّلف من الصحابة، ثم شهد المفهوم حركة تواصلية عبر العصور التالية للإسلام تنهل جميعها من الفهم ذاته للاتباع الحرفي، حتى غدا النص يؤخذ بشكله لا بتفكيك فحواه وتدبّره وتأويله، ومن هنا ظهر الاختلاف حول الحركة السلفية التي أنتج ثباتها المقصدي فرعين ألزمت حضورهما الضرورة المعرفية والواقعية، لاستمرار الرّؤية السلفية، وهما: السلفية العلمية والسلفية الجهادية، ولعلّني هنا أثير ضرورة المعرفة لمفاهيم الإتّباع والإبداع والبدعة في وعي السلفية. إنّ موضوع الاتّجاه السلفي- في ما أرى – تتبلور تاريخيا حسب أربع مراحل: رعيل الصحابة (رض) والقرب من منابع الرؤية، المذاهب الفقهية وتحولات الفهم لقراءة النص، علماء السّلف التابعون باعتبارهم ناصية الأخذ بالنص (ابن تيمية والعز ابن عبد لسلام كمثال) وأخيرا المدرسة السلفية المعاصرة وعلاقتها بالعقل (المدخلية مثلا).
أركيولوجيا الأسلفة
تنبع أركيولوجيا الأسلفة من الرؤية للنص، سواء الإلهي أو النبوي من حيث كونه نهائيا ومحدَّدا، بينما ينشأ النص «الإسلامي» مفتوحا على التدبر والتأويل، باعتبار كونه ملازما للواقع ومساهما في إنتاجه، لكن الرؤية السلفية تتحدّد انطلاقا من الحرفية القارّة عند المعنى القريب في اللغة كمفردة وتراكيبها، بعيدا كل البعد عن توهجها الدلالي، وبالتالي تصبح الحياة والواقع مفردة ملازمة للمعنى الذي يحدده النص بحرفية مطلقة تؤدي في وعي السلفي بالضّرورة المعنى الذي يرتاح إليه وهو الإتّباع، ويصبح كل مفهوم دلالي بنية خارجة عن النص تستلزم في الوعي السّلفي خروجا عن الشّرع، وهذه البنية تجد ممارساتها في الواقع التربوي العربي، الذي يحتكم إلى سلفية الفهم في النص الوضعي، فعندما يشار إلى «ما تحته خط» بالتّفسير أو الإعراب، فهذه الإشارة تعبّر عن دلالة ضمنية بإبعاد المفهوم الذي يتعلق بعموم المعنى الذي يختزنه النص، والخاضع لتعدّد الفهم واختلافه، واختزال الفهم في معنى محدّد يَرِدُ إلى الذّهن من خلال الفهم السّابق الذي حدّده المدرّس، فلا بد من فهم واحد تشترك فيه الجماعة التربوية، وهو ما يكشف عن الفهم البنيوي لشكلية التحديد السلفي في فهم النص من خلال الحرفية القارّة في تراكيب المفردات.
الالتباس السلفي والتمثّل السياسي
البحث في التمثل السياسي للسلفية لا ينفصل عن كونها تابعا للسلط القائمة كاشتغال حرفي للنص في اعتمالات المعنى القائم في «عدم الخروج على الحاكم» و»الحاكم المتغلّب»، وهو ما يجعل الرؤية السياسية للتيار السلفي معنى ظاهرا في الاتّباع الأوّل للنص وحركة النبي، وهو ما يفجّر إشكالية الالتباس بين النص كمقدّس وحركة البشر كمدنس، أو النص كجوهر والفكر البشري كفهم.
إنّ المعنى السياسي قد يبدو متعارضا مع الفهم السلفي للأشياء في حركتها نحو المستقبل، وبالتالي مفهوم الدولة الوطنية كمعيار للقياس في علاقة الحركة السلفية بالراهن يواجه معضلتين فكريتين: أولاهما علاقة الفهم السلفي بالنص، وثانيهما الحنين الماضوي للشكل المجتمعي القائم في تمظهراته الأولى من حيث اللباس والكينونة التواصلية، وبالتالي يصبح مفهوم الدولة الوطنية متغربا داخل منظومة الوعي السلفي في فهم السلف. فالدولة الوطنية قائمة على ميكانيزمات الدولة الحديثة، ومفهوم الحديث يجد التباسا أيضا في الفهم السلفي، لأنّ المنظور القائم يرتهن لفهم وحيد في خط التواصل مع النص، هذا الحصار لرؤية العقل أوقع التيار السلفي في تناقض وحيرة رهيبين وهو يواجه الحركات المطلبية الشّعبية، هذا من جهة، والانتقال الجذري في طبيعة النظام الإيديولوجي للسلط القائمة أساسا على الرؤية السلفية كالعربية السعودية، ومنه تبدو العلاقة بين التيار السلفي ومراسيم التحول الضاغطة غير مضبوطة لتشوش العلاقة مع مفهوم العقل وأزمة النضال المجتمعي، من أجل تثبيت رؤية الإنسان في ديمومة مواجهته للطارئ (النوازل السياسية) الذي يفاجئ العقل والفهم، وهو ما يثير إشكالية تحديد العلاقة مع النص وإعادة قراءة توجهاتها، وذلك ضمن ما أنتجه العقل العربي في تياراته الحداثية والمحافظة اتفاقا واختلافا (نصر حامد أبي زيد ومحمد عمارة مثلا).
ميقات التحرير
يجلب واقع السلفية المنظور فيه من خلال الممارسة التي تنبت داخل إطار شكلاني لا ينفك يحاول المماثلة المظهرية والسلوكية لزمن تشكلت أطره الخاصة والعامة ضمن ظرف له خصوصياته وعوامله وراهنياته، التي تختلف تمام الاختلاف عن خصوصيات وعوامل وراهنيات المرحلة المعاشة، وتناول الرّاهنية ـ على الأرجح ـ يحل إشكالية الرؤية إلى النص من حيث تفتق الوعي على فهم الواقع، ومن ثمة تشكيل الوعي به، وهو ما لا ينفرد به عقل واحد، السلفي في المنظور مثلا، ولكن يُراجع ضمن إطار الفهم العام المتعدد للأطروحات الفاعلة في مضمار التفكير والبعيدة عن التسطير، ولهذا طُرح مفهوم «ما بعد السلفية» في مؤلف يحمل العنوان ذاته للباحثين أحمد سالم، وعمرو بسيوني، فهما يريان أن هذا المفهوم «هو مفهوم إجرائي.. لا يفرض على السلفية موتا، ولا يستشرف لها فناء، وإنّما غاية ما يتقصده أن يحلّل خطاب السلفية المعاصرة بتنوعاته المختلفة، ويظهر مآلات هذا الخطاب في تنوعاته واختلافاته ضمن الراهن اليوم، الذي تدل شواهده على تراجع وانحسار لجاذبية السردية الكبرى التي نسجتها السلفية المعاصرة، وقدمتها لواقعها، واجتذبت بها أنصارها».
من خلال هذا الفهم الذي يعود بالعقل السلفي إلى منظور الأداة الإجرائية الفلسفية في ما وفرته المناهج الحداثية لفهم الظاهرة وتحليل معطياتها والتنبّؤ بمآلاتها، يكون جزء من هذا العقل قد احتاط لنفسه بأن أدخل شرطيه الراهن في التعامل مع كينونته الفكرية التي راهنت في مرحلة ما على المحدَّد والنّهائي في فهم النص لتحقيق الإتّباع، ويكون بذلك قد لزم الميقات الموعود بالتحرير، إذ ورود «الما – بعدية» في خطاب الباحثين السلفيين أحمد سالم وعمرو بسيوني، واعتبارهما «السلفية» التاريخية «سردية كبرى» بمفهوم فرنسوا ليوتار، يدمج الوعي السلفي، بل يحرجه أمام المعطيات التي ينجزها الرّاهن باعتباره مفصلا حيويا وحركيا ضمن منظورات الوعي العام بحركة الذّات وتفاعلاتها المستمرّة مع الواقع بكل تنوّعاته واختلافاته، وهو ما يمنح النص بعدا كونيا يستجيب أوّلا وقبل كل شيء إلى كليانية المقدس باعتباره ورودا إلهيا كاملا لا يشوبه النقص، فهو بطبيعته يدفع المتغير التاريخي نحو كمالات الثابت الإلهي، وفقا لسنن لا تتغيّر تكشف للنقص الإنساني على الدّوام مسلكه الاستناري في قراءة النص المقدّس وتدبّره وتأويله لإحداث التنوّع المرغوب والتحرير المبتغى لأجل الوصول إلى مدارات التجلي.
كاتب جزائري
عبد الحفيظ بن جلولي