القاهرة ـ «القدس العربي»: بين إغلاق موقع «مصر العربية» والقبض على رئيس تحريره وبين تهديدات تزداد وتيرتها أيام أشد سوادا ستحاصر أهل الإعلام من الرافضين للانسحاق أمام هوس السلطة بالديكتاتورية والقمع. أجواء من الترقب والتوتر لم يكن يتوقعها أشد السياسيين تشاؤما. وعلى الصعيد العربي مثلت تصريحات ولي العهد السعودي في الولايات المتحده الأمريكية عاملا إضافيا من الإحباط الشعبي بسبب كلامه عن الإسرائيليين وحقهم في وطن في فلسطين بينما لم «يبل ريق» أي مواطن فلسطيني أو عربي بكلمة عن حقوقه المشروعة.
يحرص ولي العهد الشاب أن يشتري الرضا من السيد الأمريكي في رحلته نحو وراثة والده ولو كان المقابل القدس وما حولها. عودة الملك سلمان للإدلاء بالتصريحات أثارت دهشة الكثيرين منهم جمال الجمل الذي وصفها بأنها «للاستعمال الظاهري» لمعالجة «التطجين» الذي أعلنه محمد بن سلمان في حوار فاضح مع رئيس تحرير مجلة «أتلانتيك» الأمريكية حيث اعترف الابن علنا بحق اليهود في «أرضهم». والأب لم ينف لكنه تحدث لترامب فيما بعد عن حق فلسطين في دولة عاصمتها القدس.
ومن أحداث الأسبوع المؤلمة وفاة الطبيب والروائي أحمد خالد توفيق المناوئ للسلطة الراهنة والتي مثلت الجنازة الشعبية، التي أقامها له البسطاء وسط عدم اهتمام رسمي، دليلا جديدا على العزلة التي تعيشها الدوائر المحيطة بالحكم. وكان اهتمام الكثيرين برحيله لافتا على الرغم من من هجوم بعض كتاب السلطة عليه متهمين إياه بأنه كان إخوانيا وهو الأمر الذي أثار سخرية الكثيرين. وممن نعوه سليمان الحكيم مؤكدا أن الراحل كتب مقالا يدافع فيه عن عبد الناصرمعترفا بعظمته يتمنى هيكل لو كان كتب مثله. كما كتب مقالا عن ضحايا رابعة ناعيا كما لو كان مرشدا للإخوان، وظل مخلصا لثورة يناير/كانون الثاني بالقدر الذي يحسده عليه كل من شارك فيها. هكذا كان أحمد خالد توفيق مواليا لوطنه غير عابئ بما قد يضعه فيه الآخرون من تصنيف أو توصيف. هذا هو الكاتب المخلص لوطنه يقول كلمته ويمضي في حال سبيله.
كل شيء وارد
هل يقوم النظام بتغيير بعض مواد الدستور ليظل الرئيس السيسي زعيما أبديا؟ فراج إسماعيل في «المصريون» لا يستبعد الأمر: لا أستبعد تعديل الدستور لإطالة زمن المدة الواحدة لرئيس الجمهورية وليس فتح الترشح ليتجاوز الفترتين المتتاليتين، لكن ذلك يرتبط بالجغرافيا السياسية خلال الأربع سنوات المقبلة وليس بأحوال مصر فقط. المفترض أن ظروفا دولية كثيرة ستتغير. فمن المستبعد مثلا أن يستمر الرئيس الأمريكي ترامب لفترة ثانية، والمعنى أن رئيسا جديدا من مزاج مختلف سيدخل البيت الأبيض وسيكون له تأثيره على السياسة في الشرق الأوسط، سيما إذا تمسكت الإدارة المقبلة بالدور الأمريكي في رعاية الديمقراطية والحريات. على المستوى المحلي ربما يفتح المجال للمحترفين السياسيين لصناعة مشهد أكثر قبولا لدى الرأي العام الداخلي والمحلي، فيصبح من الوارد الاستعاضة عن عشرات الأحزاب الموجودة حاليا ولا يعرف معظمها أحد لغياب الدور والفاعلية، بحزبين كبيرين وأحزاب قليلة أصغر، يتولى رئيس الجمهورية زعامة أحدها، فإذا خرج من رئاسة الدولة، طبقا للدستور، يمكنه أن يتولى رئاسة الحكومة على طريقة بوتين وديمتري ميدفيديف الذي تولى رئاسة روسيا من 2008 حتى 2012 شغل خلالها الرجل القوي بوتين منصب رئيس الحكومة. الأمر لا يحتاج لتغيير دستوري لأن دستور 2014 يعطي صلاحيات واسعة لرئيس الحكومة لم تطبق عمليا حتى الآن إضافة إلى صلاحيات البرلمان التي كان بعض النواب يودون التخلي عن بعضها لصالح رئيس الجمهورية تحت شعار دعم الاستقرار مع أن العكس هو الصحيح، فالحفاظ على هذه الصلاحيات يسهل عملية نقل السلطة أو تداولها مستقبلا. فرضية كهذه تحتاج إلى انفتاح سياسي بديلا عن الانغلاق الذي ساد الفترة السابقة. فتح الباب للحريات الإعلامية وللمناقشات الحرة.
بين الحشد والشجب
يستلفت الانتباه أن نحو (60٪) ممن لهم حق الاقتراع امتنعوا عن المشاركة. هذه نسبة عالية كما يراها عبد الله السناوي في «الشروق»: رغم الحشد والتعبئة بمعدلات غير مسبوقة تستدعي التساؤل عن أسبابها وخلفياتها ومدى اتصالها بالسلوك الانتخابي للمصريين يمكن أن نعزو نسبة المشاركة المعلنة، التي تجاوزت أي توقعات مسبقة، إلى كتل متفاوتة في أحجامها: الأولى ـ كتلة الاستقرار التي تخشى أي تغيير مفاجئ في مركز السلطة، وهي كبيرة نسبيا ودأبت على منح تأييدها في كل العهود لمن يمسك بمقاليد الأمور. وقد كانت الاستهداف الرئيسي للحشد والتعبئة. الثانية ـ كتلة الحاجة التي تنظر إلى الانتخابات ـ أي انتخابات ـ كفرصة للحصول على مال يسد الرمق، أو أكياس أرز وسكر تخفف وطأة الجوع. وقد كانت استهدافا آخر شارك فيه نواب. لم يكن ذلك أمرا مستحدثا، فاستخدام كتلة الحاجة مسألة معتادة ومألوفة على اختلاف العصور، وقد توسعت فيه جماعة «الإخوان المسلمين» بكل الاستحقاقات التي خاضتها. التعريض بأصحاب الحاجات عمل غير أخلاقي، فمن لا يملك قوت يومه لا يملك صوته، وهذه مسؤولية مجتمع تعوزه العدالة الاجتماعية، كما أنها مسؤولية الذين يستخدمون تلك الحاجات لأغراض سياسية كأن توظيف الفقر المدقع من مستلزمات حصد جوائز السلطة. بكلام آخر العدالة الاجتماعية مسألة ديمقراطية واتساع الطبقة الوسطى التحاق بالعصر. الثالثة ـ كتلة الخشية من الغرامة المالية للذين يتخلفون عن الانتخابات. هذه الكتلة تنتسب إلى الطبقة الوسطى الصغيرة والفئات الفقيرة في المجتمع وأوضاعها المعيشية بأثر ارتفاعات الأسعار وانخفاض قيمة الجنيه لا تسمح بتحمل أي خصومات من دخولها. بدا مستلفتا ارتفاع نسبة المقترعين فى الساعات الأخيرة من اليوم الثالث خشية الغرامة.
ليل طويل
من بين الذين انتقدوا ازدياد وتيرة القمع سليمان الحكيم الكاتب في موقع «مصر العربية» الذي أغلقته السلطات فاضطر لنشره على صفحته الرسمية: الذين جرموا «المصري اليوم» وحتى الذين ألقوا باللائمة عليها يعرفون الحقيقة أكثر من غيرهم. وقد جاءت النتائج التي أسفرت عنها عملية الانتخابات مؤخرا لتؤكد صحة موقف الجريدة وكل من تبنى رأيها. فما يقرب من ثلثي عدد الذين يحق لهم التصويت ـ كما ذكرت الإحصاءت الرسمية ـ قد اتخذوا قرارا بالمقاطعة والامتناع عن الذهاب إلى اللجان. إضافة إلى ما يربو على مليوني ناخب قاموا بإبطال أصواتهم عمدا كرد فعل تلقائي علي إجبارهم على التصويت في عملية أشبه ما تكون بعمليات الاعتقال أو التهجير القسري. لا شك أن ضخامة هذه الأرقام تؤكد المحاولات المضنية التي قامت بها الدولة لدفع هؤلاء الممانعين إلى الذهاب والحشد أمام اللجان بعد أن فشل الإعلام الرسمي وبكل الإغراءت التي لوحت بها للحشد طواعية وعن اقتناع ذاتي. فكان على الحكومة واتباعها أن يقوموا بالدور بأنفسم بأساليب الإكراه والجبر. وهو ما أشارت إليه «المصري اليوم» في عنوانها الرئيسي مقرة بالحقيقة ومعترفة بواقع الأمر. فوقعت في المحظور الذي تنكره الدولة ممثلا من وجهة نظرها في الكشف عن الحقيقة وإظهارها للعيان. فكانت جريمة «المصري اليوم» هي تخليها عن تملق الحكومة ونفاقها وعدم التستر على مأزقها الواضح. ولا شك أن غياب الكياسة والحصافة قد أوقع الحكومة والقائمين على أمرها في مأزق آخر حين حاولت الخروج من ذلك المأزق بمأزق أشد وأكبر بتقديم «المصري اليوم» إلى المحاكمة بتهمة نشر أخبار كاذبة، فكانت جريمة أخرى تضاف إلى سلسلة جرائمها.
هل يفاجئ شعبه؟
المطلوب عمله بعد فوز السيسي، وفقا لأحمد يوسف أحمد في «الأهرام»، هو التركيز على تحقيق التنمية المتوازنة لإيجاد اقتصاد قادر على تحقيق أكبر قدر من الاعتماد على الذات والقدرة على تحقيق معدلات للنمو تسمح برفع مستوى معيشة المواطن المصري. ويتصل بهذا استكمال عملية الإصلاح الاقتصادي الجسورة التي بدأت في الولاية الأولى، وغامر الرئيس فيها بشعبيته من أجل وضع الاقتصاد المصري على مسار التنمية المستدامة مع ضرورة المراعاة التامة لأوضاع الطبقتين الفقيرة والمتوسطة اللتين تحملتا أعباء هائلة في المراحل السابقة للإصلاح استحقت إشادة الرئيس بهما غير مرة. وتكون المراعاة بتثبيت أسعار السلع والخدمات الأساسية لهما، أو على الأقل مراعاة التدرج في الأعباء ومواجهة الارتفاعات غير المبررة على الإطلاق في تلك الأسعار، وتحسين الخدمات الأساسية وعلى رأسها التعليم والصحة، وهو ما من شأنه أن يخفف كثيرا من الأعباء الهائلة التي يتحملها الفقراء كي يضمنوا التمتع بمستوى لائق في هذه الخدمات، ويكتسب الاستمرار في المواجهة الجادة الشاملة للفساد أهمية قصوى في هذا السياق. وليت مشكلة الزيادة السكانية تحظى في الولاية الثانية للرئيس بأولوية واضحة إذ تتطلب منا هذه الزيادة جهودا مضنية كي نحتفظ بوضع «محلك سر» فما بالنا إن أردنا الانطلاق إلى الآفاق الرحبة للتقدم والرخاء؟
في المجال السياسي أنجز الرئيس في ولايته الأولى عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة على الصعيد الرسمي، لكن العملية السياسية على الصعيد غير الرسمي تبقى دون شك بحاجة إلى تطوير، وهو ما يفسر ملابسات مشهد الانتخابات الرئاسية الذي غابت عنه المنافسة الحقيقية سواء بسبب شعبية الرئيس أو لما تقول المعارضة إنه «إغلاق المجال العام»، وهو مشهد لم يُرض المصريين وفي مقدمتهم الرئيس نفسه.
قدرنا مؤلم
ممن ينتقدون النظام معبرين عن حزنهم لأجواء القمع المتزايد. أنور الهواري رئيس تحرير «المصري اليوم» الأسبق هاربا للتاريخ حيث يكشف معاناة المصريين مع حكامهم منذ قرون غابرة: تاريخنا الاجتماعي محتاج مجهود. نحن شعب حكمه الغرباء 25 قرنا من الزمان متواصلة دون انقطاع، هنا الحاكم لم يكن مجرد شخص فقط لكنه طبقة حكام، طبقة وافدة، جاءت من جنس مختلف عن أهل البلاد. هذه الطبقات الوافدة كانت هي صاحبة الامتيازات في التكوين الاجتماعي، أي هي من يستحوذ على الترتيب المتقدم في سلم القوة الاجتماعية، وما دونها، أي المصريين، لا تشعر بهم في التاريخ إلا مادة لزراعة الأرض وتوفير الطعام وتقديم الطاعة للحكام. فكرة أن يحوز المصريون نصيبا من القوة في تركيبة المجتمع كانت تواجه صعوبة شديدة تحت الحكم الأجنبي باستثناء الفرنسيين، ثم سلالة محمد علي ثم الإنكليز. طبعا مع الإقرار بأن القبائل العربية الوافدة مثلها مثل البدو المصريين في الشرق والغرب استطاعت – بسبب من طبيعتها الخاصة – أن تحافظ على استمراريتها كمراكز قوة اجتماعية. حكم الغرباء لنا يشكل نصف تاريخنا ترك فينا الكثير من الخصائص التي تستحق أن نكتشفها وأن نقف عليها.
الخاسر والفائز
في صدارة الذين اثنوا على الانتخابات الرئاسية جمال أسعد في «اليوم السابع»: خسر المقاطعون، وغضب الإرهابيون، وانحسر الإخوانيون، وفشل الحمديون والأردوغانيون، وخرج المصريون إلى صناديق الانتخاب لا لكي ينتخبوا السيسي، ولكن ليعلنوا للعالم أجمع أن المصريين يريدون القضاء على الفوضى، واسترداد الدولة، ومواجهة الإرهاب، واستكمال البناء، والحفاظ على الهوية المصرية، وتثبيت الأمن، وعودة الأمان، ومعالجة المشكلة الاقتصادية، والاستمرار للوصول إلى تغيير الفكر الديني، وبداية خطة تعليمية للوصول إلى تعليم عصري، وأنهم ينتظرون تأمينا صحيا حقيقيا لكل مواطن مصري بلا تفرقة، وأنهم يطالبون بخطاب ثقافي وإعلامي يساير العصر، ويحافظ على القيم، ويعزز الأخلاق، ويسمو بالروح، ويغذي العواطف، ويسمو بالإحساس… نعم خرج المصريون على الرغم من كل ما يحيط بالانتخابات من مشاكل ومناخ تربصي ومعاناة اقتصادية، دفع ولايزال يدفع فاتورته ويتجرع دواءه المر المواطن الفقير غير القادر. في مناخ مازال الإرهاب يهدد ويتوعد ويخوف، ولكن الشعب قال وأكد بخروجه أنه لا يخاف ولا يتهدد، وأنه مع الدولة جيشا وشرطة لمواجهة هذا الإرهاب. كانت الانتخابات في مناخ غير مواتٍ سياسيا، حيث الحياة الحزبية شكلية والحياة البرلمانية يسيطر عليها المستقلون نتيجة لهذا الغياب ولذلك الركود. ومع فكرة المستقلين السياسيين تغيب الرؤية السياسية الصحيحة، وتتوارى البرامج الحزبية، خاصة في ظل غياب ما يسمى بحزب الأغلبية المفترض أن يكون هو الحزب الحاكم… نعم يمكن أن نعتبر أن هذا المناخ بكل تفصيلاته وجزئياته كان نتيجة لهذه الظروف السياسية الاستثنائية التي لحقت 25 يناير/كانون الثاني وصولا لعام حكم الإخوان.
المطلوب عمله
من بين قضايا امس التي طرحها وائل السمري في «اليوم السابع»: لماذا ذهب المصريون إلى صناديق الاقتراع بهذه الكثافة التي أعلنت عنها الهيئة العليا للانتخابات في حين أن المنافسة كانت محسومة من قبل؟ في اعتقادي أن المصريين ذهبوا لمنح الرئيس السيسي أصواتهم، لأنه في المقام الأول أعاد الثقة في الدولة مرة أخرى، كما أعاد الثقة في مؤسسات الدولة. واستطاع بكل حزم أن يعيد التآلف بين مؤسسات الدولة وقطاعاتها المتعددة، فأصبح المسؤولون الآن يدركون أن الرئيس يسمع ويشاهد ويرى كل ما يدور في أروقة مؤسسات الدولة، كما أصبحوا على ثقة أيضا بأنه يراقب أداءهم ويقيم أفعالهم، فالحسنة لمن أحسن والسيئة لمن أساء. في السنوات الأربع الماضية، مضت مصر في مشروعات إصلاحية كبيرة، كما أنها مضت في مشروعات أمنية مذهلة، والإنجاز الأول الذي سيحسبه التاريخ للرئيس عبدالفتاح السيسي هو أنه حافظ على مصر والمصريين في ظل عالم مترنح، كما أنه استطاع أن يغير صورة مصر من تلك الدولة المتهالكة إلى تلك الدولة المتطلعة. وفي ظني أن الرئيس السيسي مطالب الآن بإكمال مشاهد الإصلاح في المجتمع، بداية من إصلاح الخدمات العامة، وحتى إصلاح الحياة السياسية، مرورا بإصلاح مستوى المعيشة الذي تأثر كثيرا بإجراءات الإصلاح الاقتصادي القاسية.
الضرب تحت الحزام وفوقه
حازم حسني المعارض والأكاديمي البارز وجد نفسه في حالة هجوم كاسح مؤكدا في البداية على صفحته في «الفيسبوك» وتناقلته بعض المواقع: قبيل سفري إلى لندن بيومين بدأت ضدي حملة مسعورة وممنهجة في الصحافة المصرية، فضلا عن بذاءات بعض الفضائيات التي لم تعد لها وظيفة إلا بث سمومها المصنوعة من الكذب وفنون التشهير والتدليس على عقول المصريين، وذلك بالطبع من خلال فلاتر الصدق والشرف والأمانة التي يروج النظام لملكيته الحصرية لها في السوق المصرية! كان الهدف من هذه الحملة الممنهجة التي استهدفتني هو بالطبع اغتيالي معنويا وإفقادي المصداقية والاعتبار. لكنها من حيث لم يحتسب الأغبياء الذين قاموا برعايتها قد كشفت عوارهم الذهني والأخلاقي، بل والمهني أيضا. فقد خرج موقع مجلة «المصور» – مثلا – في 22 مارس/آذار الماضي بخبر يقول في مطلعه : «غادر حازم حسني أستاذ العلوم السياسية القاهرة […] ليبدأ في الهجوم على الدولة المصرية عبر قناة العربي الإخوانية من لندن»… دعونا من اتهام قناة «العربي» بالأخونة، فهي تهمة جاهزة لإلصاقها بأي قناة لا يتفق خطها الإعلامي مع خط النظام، حتى ولو كانت بي بي سي البريطانية! دعونا إذن من هذه التهمة المعلبة ولنركز على الفعل الماضي «غادر» وهو مكتوب في صدر خبر منشور قبل مغادرتي القاهرة بيومين! الطريف في الأمر هو أنني كنت أخطط بالفعل لمغادرة القاهرة يوم 22، وهو ما يعني أن الخبر قد استند إلى معلومات استخباراتية لا إلى معلومات صحافية، ناهيك عن أن أحدا لم يكن يعرف بسبب سفري إلا ثلاثة هم زوجتي وابني وابنتي، وحتى إخوتى لم يعلموا بسفري أصلا! مصدر المعلومات إذن تنصت على الهاتف الشخصي قامت به سلطة ما هي التي أشرفت على تعميم الخبر على المؤسسات الصحافية التى صاغته بالصيغة نفسها تقريبا مع تجويد كل صحيفة ومجلة بإضافة بعض البهارات على المادة الخام التي وصلتها من الجهة التي تنصتت علي هاتفي الشخصي. قد أتفهم أن تتنصت أجهزة الدولة على الهواتف لجمع معلومات، لكن توظيف هذه المعلومات وفبركة البهارات المصاحبة لها لاغتيال الخصوم السياسيين فهو إبداع مصري خالص رأيناه فقط في عهد السيسي تأكيدا لحرص هذا العهد على الاستخدام المكثف لفلاتر الصدق والشرف والأمانة حتى لا تبور في الأسواق! جريدة «اليوم السابع» أبدعت من جانبها في خلطة البهارات التي صاحبت الخبر بحديثها يوم 22 مارس/آذار- أي قبل سفري بيومين – عن أنني التقيت بالفعل خلال رحلتي – التي لم أكن قد قمت بها بعد – عددا من قيادات «جماعة الإخوان الإرهابية» من أعضاء التنظيم الدولي للاتفاق حول المصطلحات التي سأستخدمها عبر شاشات قناة العربي «الإخوانية» لإرسال رسائل لأعضاء «جماعة الإخوان الإرهابية» بالتحرك لإفساد تلك العملية الانتخابية التي اعترف النظام وأنصاره فيما بعد بأنها لم تكن عملية انتخابية!
لهذا السبب لن يموتوا
يتطلع الفلسطينيون في قطاع غزة كما لمس مصطفى يوسف اللداوي في «الشعب» من خلال مسيرة العودة الكبرى إلى كسر الحصار المفروض عليهم، وتحريرهم من السجن الكبير والمعتقل الواسع، الذي تقف على بواباته سلطات الاحتلال ودول أخرى، تحاصره وتخنقه، وتضيق عليه وتتشدد في التعامل معه. ولهذا كان لا بد من مشاركة جميع القوى والأحزاب والحركات والتنظيمات الفلسطينية والفعاليات والأطر المهنية والنقابية والشعبية والمدنية المختلفة، لئلا تكون المسيرة مجيرة لحساب فريق، أو موظفة لخدمة أغراض وسياسات أي جهة، بل هي مسيرة وطنية كبرى، ذات أهداف وطنية عليا، تختفي فيها الشعارات الحزبية، ويمتنع المشاركون فيها عن رفع الرايات والإعلام الحزبية، ويكتفون بعلم فلسطين جامعا، وخارطة فلسطين عنوانا، يتوحدون تحت راية العلم وضمن حدود وأطر الوطن. أما في الجانب الآخر فقد أفردت الفضائيات ووسائل الإعلام الإسرائيلية المتعددة برامج عديدة، استضافت فيها شخصياتٍ مختلفة ذات اهتمامات عسكرية وأمنية وسياسية وسيسيولوجية واجتماعية وغيرهم من مختلف الاختصاصات، في محاولة من المستويات القيادية المختلفة في الكيان الصهيوني لفهم ما يجري، ومعرفة اتجاهات التفكير الفلسطينية، وآفاق هذا الحراك الشعبي المدني الجديد، الذي يبدو فيه الابتكار والتجديد، والحزم والإرادة والجرأة والشجاعة وعدم الخوف، بما يشبه الانتفاضة الشعبية الفلسطينية الأولى التي أربكتهم وأقلقتهم. تفاجأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بهذه الخطوة، وأقلقتها هذه المسيرة، وهالها هذا الإجماع الوطني الفلسطيني الذي تراجعت دونه الحزبيات والفئويات، والخلافات والانقسامات، وتلاشت الحسابات الفردية والمنافع الشخصية، ولهذا تعاملت معها بجدية كبيرة، ونظرت إليها بعين الخطورة والقلق، ورأت فيها تحديا وجرأة، وقوة واندفاعا، ومخاطرة جسورة وإرادة عنيدة، وأن أهدافها أبعد من الاحتجاج وأعمق من التظاهر.
وداعا أيها الغريب
في روايته «قهوة باليورانيوم» يقول الأديب الراحل الطبيب أحمد خالد توفيق الذي نعاه حسام فتحي في «المصريون»: «اليوم كان من الوارد جدا أن يكون موعد دفني هو الأحد 3 أبريل بعد صلاة الظهر».. وقد كان إذ دفن – رحمه الله – يوم 3 أبريل/نيسان بعد صلاة الظهر بعد أن أنهى آخر رواياته بعنوان «أفراح المقبرة» وسلمها إلى دار النشر قبل أسابيع، ولم تنشر بعد! أستأذنك في اقتباس ما قلته على لسان بطلك رفعت إسماعيل: «وداعا أيها الغريب.. كانت إقامتك قصيرة، لكنها كانت رائعة، عسى أن تجد جنتك التي فتشت عنها كثيرا، وداعا أيها الغريب، كانت زيارتك رقصة من رقصات الظل، قطرة من قطرات الندى قبل شروق الشمس.. لحنا سمعناه لثوان من الدغل، ثم هززنا رؤوسنا وقلنا إننا توهمناه. وداعا أيها الغريب لكن كل شيء ينتهي»…وداعا فقد كان وداعك الأخير كما وصفته بنفسك عندما قلت: «ستكون مشاهد جنازتي جميلة ومؤثرة لكني لن أراها للأسف برغم أنني سأحضرها.. بالتأكيد»!
الاستقلال يولد الصدق
وممن نعوا رحيل الكاتب نفسه في «الوطن» محمود خليل: أحمد خالد توفيق مبدع مستقل. المستقلون لا يعجبون «الشماشرجية»، الذين يحبون الكتاب «الملاكي» أو «الأجرة»، لكنهم يُبهرون القراء كل الإبهار. والكاتب الحقيقي لا يرى قيمة لما يكتبه إلا لدى قارئه، ويجد أن تفاعل القراء معه بالموافقة أو الاختلاف هو الجائزة الكبرى التي يفرح بها. الباحث عن الحقيقة لا بد أن يكون مستقلا عن أي سلطة. البحث عن الحقيقة والخضوع لسلطة، أيا كان نوعها خطان متوازيان لا يلتقيان. كيف يكون الكاتب مستقيما مع قارئه وهو يخضع لقوة أعلى؟ تغريد الكاتب بعيدا عن القارئ خيانة. أعتقد أن تلك حقيقة عاش بها أحمد خالد توفيق. بإمكانك أن تتأكد من ذلك من مطالعة ما كتبه مجموعة من الشباب الذين عرفوه والذين قرأوا له، وكان الرباط المقدس الذى يربطهم به هو التغريد في صميم حياتهم وفي قلب همومهم وأوجاعهم وفي أولويات تفكيرهم. مواقف الراحل وكتاباته شاهدة على استقلاله. والاستقلال يولد الصدق. والصادق مع نفسه يصدّقه الناس. الكتاب المزيفون يظنون أن أعذب القول أكذبه، تماما مثلما كان يفكر أجدادهم حين ردّدوا «أعذب الشعر أكذبه». الكاتب الحقيقي – خلافا لهؤلاء – يؤمن بأن «أعذب القول أصدقه». هنيئا لأحمد خالد توفيق الحياة الصادقة التي عاشها، ورحمة الله عليه، وهو جالس «فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ».
احتفال مؤلم بيوم اليتيم
تسأل سحر جعارة في «الوطن»: هل يجوز أن نحتفل بـ «يوم اليتيم» ونحن نتابع كل يوم كيف تحولت دور الأيتام إلى «سلخانات»، تمارس فيها كل أنواع الانتهاكات من تعذيب وضرب وسحل للأطفال، وتضيع فيها كل معاني الرحمة والإنسانية، ويتحول فيها الطفل إلى «سبوبة» تستغله «جمعية خيرية ما» لجلب التبرعات. بينما المتبرع الذي استجاب لعذابات الأيتام يتابع في الصحف كم الاختلاسات في هذه الدور، مع أنها تحت رقابة «وزارة التضامن الاجتماعي» وكأن التعذيب والغش والاختلاس أصبح «أسلوب حياة»؟! لقد تعمدت ألا أذكر أسماء الجمعيات الخيرية أو دور الأيتام جميعها، سواء التي تعتني بالطفل وتهتم بتعليمه وصحته وأخلاقه أو التي تحولت إلى «أوكار» تستغل الأطفال في الدعارة والتسول والإتجار بالبشر. ويكفي أن تكتب على محرك البحث «غوغل» عبارة «تعذيب الأطفال في دورالأيتام» لتكتشف مهازل يندى لها جبين البشرية. ورغم ذلك تقام المهرجانات والاحتفالات كل عام، (في أول جمعة من أبريل/نيسان)، باعتبارها «فرصة» لتسليط الأضواء والكاميرات على نجوم الفن والإعلام والسياسة، وهم يتبادلون الصور التذكارية مع الأيتام. ثم تطفأ الأنوار ليعود اليتيم إلى الوحدة والعوز العاطفي والمادي! لقد تم الإعلان عن اليوم العالمي لليتيم، من قبل مؤسسة «ستار فونديشن» البريطانية، ثم قامت إحدى الجمعيات الخيرية المصرية بحدث استثنائي في عام 2004، فنظمت وقفة لـ5 آلاف طفل مصري تحت سفح الهرم، حاملين أعلام مصر في يوم اليتيم. وبهذه الوقفة الرمزية دخلوا موسوعة «جينيس» للأرقام القياسية، وأصبح بعدها الاحتفال بيوم اليتيم عالميا. أنا لا أنكر جهود بعض الجمعيات الخيرية في رعاية الأيتام الأسوياء والأيتام المعاقين، وتوفير أمهات بديلات ومجموعة متكاملة من المشرفين والأخصائيين النفسيين والاجتماعيين لتقديم الرعاية المتكاملة للأطفال.
ترامب لا يزال صامدا
يعتقد جميل مطر في «الشروق» أن الرئيس دونالد ترامب صار يشعر بأن الخناق المفروض عليه يشتد إحكاما. أتصور أنه أدرك أن خصومه عادوا ينظمون الصفوف ويستعدون لتوجيه ضربتهم الحاسمة. الكل يعرف أن نظام الرئيس ترامب مهدد بالسقوط وحزبه مهدد بفقد أغلبيته البرلمانية إذا الرئيس نفسه تقاعس أو أظهر ضعفا أو انحشر وأعوانه في مواقع الدفاع. رأيناه مناورا قادرا وعرفناه صاحب مشروع، وبناء على ما رأينا وعرفنا نستطيع أن نتصور أنه يستعد الآن لشن هجمة استباقية تنشر الارتباك في صفوف خصومه وتزيد أو تثير الشكوك في صدقية ونزاهة مؤسسات في الدولة والمجتمع ناصبته العداء لأكثر من عام. ترامب يبدو لي أنه يتهيأ ليستعيد زمام المبادرة. عام وأكثر والرئيس ترامب مشتبك في معركة حياة سياسية أو موت على جبهات عديدة. الأشد قسوة وفاعلية، ربما كانت الجبهة التي استخدم فيها الطرفان جميع أنواع الأسلحة التقليدية والأحدث تكنولوجيا المتوافرة في ترسانتيهما، إنها الجبهة الإعلامية. لا أبالغ، وأنا مدرك جيدا حقيقة أن كل الأطراف تبالغ هذه الأيام، لا أبالغ حين أسجل أنني على امتداد تجاربي المتشعبة في مهن متعددة لم أمر بفترة عشت فيها شاهدا على حرب إعلامية، خارجية أو داخلية، اتسمت بالقسوة والتفنن والتنوع التي اتسمت بها فترة العام وأكثر قليلا التي عشتها شاهدا على الحرب الدائرة بين معسكر الرئيس ترامب من ناحية والمعسكرات الليبرالية والإصلاحية والديموقراطية من ناحية أخرى. أسجل أيضا أن ترامب، رغم شراسة المعسكر الآخر، لا يزال واقفا على قدميه صامدا بل ومتحديا وساعيا لمزيد من النزالات. تلقى، ويتلقى، ضربات موجعة يصدها ويردها بضربات أوجع. أعرف مثلا كيف يلتف حول الإعلام التقليدي باستخدام أسلوب يصعب مجاراته بالأساليب التقليدية، بتغريداته هو الأسبق زمنيا.
حسام عبد البصير