الرياض ـ «القدس العربي»: أزمة العلاقات السعودية – اللبنانية بعد قرار الرياض وقف مساعداتها لتسليح الجيش والقوى الأمنية اللبنانية، أثارت مخاوف كبيرة في لبنان لا سيما عند حلفاء السعودية من ان تتخلى عنهم. وفي الوقت نفسه أثارت مأزقا عندهم جعلهم في حالة إرباك حقيقي.
وفي لبنان أعينهم على الرياض يريدون ان يعرفوا ماذا تريد المملكة؟ وما هو هدفها من هذه الضغوط التي تشاركها فيها دول الخليج العربية الأخرى؟
هل تريد المملكة منهم الدخول في مواجهة سياسية وغير سياسية مع حزب الله ومع حلفائه من قوى 8 آذار؟ ام ان المملكة ترسم خطوطا حمراء لهيمنة الحزب على الدولة؟
وإذا أرادت المملكة منهم المواجهة فان المسكنات السياسية التي يعطيها لهم رئيس الحكومة اللبنانية السابق ورئيس تيار المستقبل سعد الحريري لا تعود كافية للمواجهة.
حتى الآن لا يبدو ان السعودية تعطي حلفاءها من قوى 14 آذار الدعم المادي الذي يجعلهم قادرين على المواجهة، وحتى زعماء «السنة» في لبنان الذين توافدوا على مقر السفارة السعودية معلنين التأييد للمملكة وموقفها الرافض لهيمنة حزب الله، ومتمنين عليها عدم التخلي عن لبنان وعنهم، لم يجدوا عند السفير السعودي النشط لدى لبنان علي عواض عسيري سوى الأمنيات بالخير.
فالمواجهة مع حزب الله سياسيا تتطلب أولا إسقاط حكومة تمام سلام «الضعيفة» التي نجح حزب الله في جعلها غطاء سياسيا له ولتدخلاته في سوريا وغير سوريا، ولكن بشرط ان يكون هناك البديل السياسي لمثل هكذا خطوة قد تكمل الفراغ الدستوري وغياب الدولة.
في حين يلاحظ على الجانب الآخر ان حزب الله وحلفاءه لم يعملوا على تهدئة الأزمة السعودية مع لبنان، بل انهم يصبون النار عليها من خلال إعلامهم وتصريحاتهم.
حتى ان بيان اجتماع الحكومة اللبنانية الذي أكد على ارتباط لبنان بعالمه العربي تحداه المؤتمر الصحافي لوزير الخارجية جبران باسيل الذي أتى مناقضا لما صدر عن الحكومة. وقال، إن «هناك مشكلة فعلية مع الدول العربية، إذا لم ترد تفهم المواقف اللبنانية»، مضيفا، أن «بين الإجماع العربي والوحدة الوطنية اللبنانية، طبعاً نحن مع الوحدة الوطنية».
وكان رئيس الحكومة اللبنانية، تمام سلام، صرح في مؤتمر صحافي نقله التلفزيون الرسمي، عقب الاجتماع الوزاري، إن الحكومة كلفته، بـ«إجراء الاتصالات اللازمة مع قادة السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي تمهيدا للقيام بجولة خليجية على رأس وفد وزاري». وأشار سلام، إلى أن بيان الحكومة اللبنانية، دعا إلى «تصويب» العلاقة مع «الأشقاء»، والالتزام بـ «الإجماع العربي».
ولكن هذا البيان لم يرض السعوديين، مما زاد في حالة الإرباك عند حلفاء المملكة والمحسوبين عليها في لبنان.
وبالطبع استغل حزب الله وحلفاؤه كل ذلك ليوسعوا من حملة زرع الكراهية ضد السعودية في لبنان، وأخذ إعلامهم يبالغ في الحديث عن إجراءات عقابية سعودية وخليجية ضد لبنان واللبنانيين، منها ان المملكة ودول الخليج ستطرد اللبنانيين العاملين والمقيمين فيها، ومنها وقف الرحلات الجوية لطائرات هذه الدول إلى مطار بيروت، وان المملكة ستسحب وديعتها المالية من المصرف المركزي اللبناني.
والذي ساهم في تصديق مثل هذه الإشاعات البيانات الخليجية التي دعت المواطنين الخليجيين لمغادرة لبنان وعدم السفر إليه.
وفي الحقيقة فان السعودية ودولة الإمارات والبحرين منذ سنوات عديدة تقوم بترحيل اللبنانيين المؤيدين والموالين لحزب الله، وبالطبع معظم هؤلاء من الشيعة، والمملكة منذ سنوات – حين تشعر ان هناك مخاطر أمنية على السعوديين في لبنان – تصدر بين الحين والآخر دعوات لمواطنيها لعدم زيارة لبنان ومغادرته.
وهذا يشير إلى ان الرياض والعواصم الخليجية الأخرى ترى ان هناك مواجهة قادمة مع حزب الله. ولكن كيف؟
في الرياض يتحدثون عن ان الهدف من وراء قرارهم «مراجعة» علاقاتهم مع لبنان هو وضع حد لـ«دولة» حزب الله في لبنان. وهذه الدولة «غير الشرعية» التي هيمنت على الأوضاع السياسية والأمنية اللبنانية أصبحت مخلبا من مخالب إيران في المنطقة، فهي ترسل بمسلحيها إلى سوريا لتشارك النظام السوري في حربه على شعبه، وترسل الأسلحة والمرتزقة إلى اليمن لمساعدة الحوثيين والرئيس المخلوع صالح في تصديهم لمشروع عودة الحكومة الشرعية إلى صنعاء.
وفي الرياض يتحدثون أيضا عن ان علاقات المملكة مع الآخرين ستحددها المصالح الوطنية العليا للمملكة، وحزب الله يهدد هذه المصالح، لذا ليست لنا مصلحة في تقديم المساعدات للبنان وجيشه وقواه الأمنية.
هل هذا يعني تخلي السعودية عن لبنان وانسحابها منه؟
الرد بالايجاب يعني ترك لبنان لحزب الله وتسليمه لقمة سائغة لإيران ليصبح مركز عمليات للمشروع الإيراني في الهيمنة على المنطقة، وهذا ما يفعله حزب الله فعليا؟
ام ان المطلوب مواجهة إيران وأداتها في المنطقة «حزب الله» في لبنان، مثلما الرياض تواجهها في اليمن وسوريا؟
في الرياض لا تسمع من المصادر السعودية المعنية جوابا واضحا على هذه التساؤلات، أو بالأصح على السؤال الأهم وهو، هل هو انسحاب سعودي من لبنان ام مواجهة لحزب الله وللمشروع الإيراني في لبنان؟
مصادر دبلوماسية في العاصمة السعودية ترى ان المملكة تسعى حاليا لخوض معركة سياسية دولية مع حزب الله هدفها الخروج بقرار من الأمم المتحدة يدرج الحزب كمنظمة إرهابية.
وتشير المصادر في هذا الصدد إلى سعي الحكومة الشرعية في اليمن لتقديم شكوى رسمية لمجلس الأمن حول تدخلات حزب الله في اليمن من خلال مساعداته للحوثيين وتهريبه للأسلحة والمرتزقة إلى المتمردين مخالفا بذلك قرار مجلس الأمن رقم 2216.
وإذا ما أدرج حزب الله على قوائم المنظمات الإرهابية فان هذا بدوره سيعطي مبررا لقوات التحالف الدولي ضد الإرهاب الذي تقوده الولايات المتحدة للقيام بعمليات عسكرية ـ لا سيما ضربات جوية ـ ضد قوات الحزب المتواجدة في سوريا. وهذه الخطة السعودية لاشك انها تستند إلى الثقل السياسي الدولي للمملكة وتتوافق في أهدافها مع مصالح العديد من القوى الإقليمية والدولية، لذا فان احتمالات نجاحها واردة بنسبة كبيرة.
وإذا ما نجحت المملكة وحلفاؤها في استصدار قرار من مجلس الأمن ضد حزب الله، فان هذا سيضعف أيضا من نفوذ الحزب في لبنان ومن هيمنته على الدولة اللبنانية.
ولاشك ان هذا سيساعد حلفاء المملكة من قوى 14 آذار على الدخول في مواجهة سياسية مع حزب الله توقف هيمنته وسيطرته على الأوضاع فيه.
والمواجهة مع الحزب تتطلب أولا إسقاط الحكومة اللبنانية «الضعيفة» والتي أصبح حزب الله يستخدمها كغطاء سياسي له.
سليمان نمر