لندن – «القدس العربي»: تنتشر بصورة متسارعة في العالم العربي ظاهرة «المواطن الصحافي» وتشهد ازدهاراً كبيراً بسبب الأوضاع السياسية الساخنة، وبسبب التطور التكنولوجي الذي أدى إلى ازدهار وسائل الإعلام والاتصال بما جعل كل مواطن عربي «صحافيا محتملا» بسبب حيازته الأدوات اللازمة لنقل وتداول المعلومات والتي كانت حتى الأمس القريب حكراً على العاملين في الإعلام دون غيرهم.
وتحول «المواطن الصحافي» إلى مصدر مهم للمعلومات بالنسبة لوسائل الإعلام، سواء في العالم العربي أو في غيره من الأماكن في العالم. إلا أن الظاهرة تستحوذ على اهتمام أكبر وأوسع في الدول العربية نتيجة الأحداث المتسارعة والتضييق المستمر على وسائل الإعلام، سواء من جانب الأنظمة الحاكمة أو من قبل التيارات السياسية المتنافسة.
ويقول الكثير من العاملين في القنوات الفضائية ووسائل الإعلام المختلفة إن ظاهرة «المواطن الصحافي» أنعشت الطفرة الإعلامية التي يشهدها العالم، وتحول هؤلاء المواطنون المراسلون إلى مصادر مهمة للأخبار تتفوق على الكثير من المصادر التقليدية، كما أن قدرة الشهود على نقل المعلومات بالصوت والصورة في أغلب الأحيان جعلت إمكانية التدليس والكذب ونشر الشائعات بدلاً من الحقائق أمراً صعباً مقارنة بما كان عليه الحال سابقاً.
وبحسب الصحافي في قناة «الجزيرة» محمد النجار فان «أهمية الصحافي المواطن بالنسبة لغرف الأخبار تكمن في أنه المؤشر الرئيسي على وقوع الخبر» فيما يبدأ المحرر المهني بعد ذلك بالعمل على تطوير القصة الإخبارية والتأكد من صحة ما وصل إليه ومن ثم بثها إلى الجمهور.
وترى الكاتبة الصحافية علا محمود سامي أن ظاهرة «المواطن الصحافي» جعلت من الصعب تزوير الأخبار وتدليس الأحداث، مشيرة إلى أنه مع هذه الظاهرة أصبحت «الحقيقة يسهل الحصول عليها، عن طريق تدفق المعلومات عبر وسائل متنوعة، ومن يسعى إلى حجبها، أو العمل على تشويهها هو فقط من سيخسر نفسه وضميره ومهنيته».
وتضيف: «لم يعد أحد يستطيع احتكار الحقيقة، باستثناءات محدودة فيما هو حصري، وربما تكون هذه الاستثناءات نادرة، بعد أن أصبح حجب المعلومات أو تزويقها أو حتى تزييفها عسيراً في هذا الفضاء الواسع المفتوح، الأمر الذي يجعل الوسائط الإعلامية على المحك، وأمام اختبار صعب لدى متلقيها، وربما هذا ما لا تدركه كثير من الدعايات الإعلامية، التي تعتبر نفسها صاحبة الحق في مثل هذه المعلومات، فتقدمها لمتلقيها إما بحجب أجزاء أساسية من الصورة أو بتزييفها أو تشويه معالمها، مستغلة في هذا الأمية المتفشية نسبياً بين جمهور المتلقين».
المواطنون.. المصدر الأهم
ويؤكد الصحافي النجار أن «المواطن الصحافي» مصدر هام للأخبار في الوقت الراهن، مشيراً إلى أنه «يسبق في كثير من الأحيان الوكالات، وحتى لو كان مجرد مؤشر على حدوث الخبر فهو مؤشر رئيسي ولا تُهمل معلوماته».
ويقول إن «هناك مغردين عربا وصفحات على مواقع التواصل تعتبر بالخبرة مصادر هامة ورئيسية للوكالات وغرف الأخبار ولكن حتى الآن لا يتم النقل إلا عن مصادر قليلة منها، ولكن تؤخذ معلوماتها ويتم التعامل معها عبر مزيد من التأكد». ويتفق الصحافي الأردني أمجد العبسي مع النجار، مؤكداً أن الشهود وأدواتهم أصبحوا مصادر بالغة الأهمية لوسائل الإعلام، مشيراً إلى أن «أهميتهم تتفوق في الكثير من الحالات على وكالات الأنباء والمراسلين المهنيين».
وأضاف إن «نقل المعلومة ووصف الحدث من حولك لا يحتاج إلا لشرط واحد، وهو الصدق، وهو ما يمكن أن يتوفر في أي شخص يشهد حدثاً ما، فيما تنتقل المهمة بعد ذلك للصحافي المحترف ووسيلة الإعلام من أجل ضمان نقل ما جاء به الشاهد إلى الجمهور» معتبراً أن صورة في هاتف محمول أو وصف من شاهد عيان أصبح اليوم أهم بعشرات المرات من بيان رسمي قد يتضمن أكاذيب ومغالطات لصالح طرف دون آخر.
ويستشهد العبسي على ذلك بالأخبار التي ترد من سوريا إلى وسائل الإعلام ويتم تداولها على نطاق واسع، مشيراً إلى أنه «منذ أكثر من أربع سنوات والمواطن الهاوي هو المصدر الرئيسي والأهم للأخبار التي تأتي من سوريا، وهو الذي استطاع أن يكشف تفاصيل ما يدور هناك، بينما غابت وكالات الأنباء وغاب المراسلون الأجانب عن تغطية الثورة السورية، سواء كان ذلك الغياب نتيجة للإختيار أو الاضطرار».
أدوات « المواطن الصحافي»
ويستخدم «المواطن الصحافي» العديد من الأدوات التي تمكنه من نقل المعلومات على أوسع نطاق، سواء بإرسالها إلى وسائل الإعلام الكبرى أو إلى الجمهور مباشرة، إلا أن الأداة الأهم التي يجمع المراقبون أنها أحدثت هذه الطفرة هي الهواتف الذكية التي أصبحت مزودة بالكاميرات ومتصلة بشبكة الانترنت، ما يجعل حاملها قادرا على نقل ما يدور حوله بسرعة فائقة تصل إلى البث المباشر في الكثير من الأحيان.
ويقول العبسي إن الفضل يعود إلى «الهاتف المحمول» وشبكات التواصل الاجتماعي في ظهور طفرة «المواطن الصحافي» حيث أن هاتين الأداتين جعلتا الصحافة والإعلام عملية تفاعلية، كما جعلتا المواطن في بلده ليس متلقياً فقط، وإنما يتلقى المعلومات والأخبار عن حدث ما، ويرسل الأخبار من طرفه عن حدث آخر.
وتمثل الفيديوهات والصور التي يلتقطها النشطاء من مواقع الأحداث مادة مهمة ودسمة لوسائل الإعلام، حيث أصبحت محطات التلفزيون الكبرى ووكالات الأنباء والشبكات الإخبارية تتسابق عليها من أجل إعادة بثها دون الإكتراث بجودة الصورة أو سلامة الإنتاج على اعتبار أن الأولوية دوماً للخبر والمعلومة وليس للفنيات أو الشكليات التي تحسن من جمالية المادة الصحافية ليس أكثر.
ويؤكد العبسي أن متابعة شبكات التواصل الاجتماعي من أجل الحصول على المعلومات والصور وتسجيلات الفيديو باتت أمراً ملحاً لا غنى عنه بالنسبة لأي صحافي، حيث لم يعد الرجوع إلى المصادر التقليدية أمراً كافياً بالنسبة للصحافي ووسيلة الإعلام.