الموت في المستشفى!

منذ شهر، كتبتُ مقالة، هنا، حول الأخطاء الطبّية التي ترقى إلى مستوى الجرائم، وكيف يتمّ تلفيق الأدلة، أو صناعة الصمت، بحيث تخسر الضحية حياتها بسبب الأضرار التي تلحق بها، أو بمستقبلها، لأنها تُترك فريسة تواجه الحياة في دوامة معاناة أكبر، إذا ما قيس مرضها الأول بتطوراته اللاحقة.
ليس في قاموس القضاء العربي مساحات مضيئة كثيرة بشأن الأخطاء الطبّية، والجهل الطبّي، والضرر المتعّمد، عن سبق إصرار وترصّد أحيانا؛ فكأن كل محاسبة لطبيب أو طبيبة أو مستشفى ستخضع مباشرة إلى (فيتو)، ما، يحمي مُرتكبي هذه الجرائم.
لقد كنت أعتقد أن إثارة مواضيع من هذا النوع، لا تهمّ القراء، لكن ردود الفعل الأولى، على القسم الأول من هذا المقال، أثبتت العكس تماما.
ولكي لا أطيل، سأتناول حكايتين متعلقتين بذهاب امرأتين إلى المستشفى لوضع مولوديهما.
الحكاية الأولى:
تذهب المرأة الأولى، في حادثة لم يمرّ عليها أكثر من أسبوعين، لتضع مولودها الأول، ثمة خوف، وترقّب، فالتجربة الأولى صعبة، وفيها من الأمل بقدر ما فيها من مخاوف لا تحصى، على الجنين والأم.
في غرفة كبيرة، مقسّمة إلى عدة أقسام، تنادي الأم الصغيرة الممرضات، طالبة المساعدة.
الممرضات المشغولات بهواتفهنّ، يُجبْنها من بعيد: اصمتي، لم يحن بعد موعد ولادتك!
على هذه الحال يستمر الوضع أكثر من ساعة، والأم الصغيرة وحدها. تصرخ، ويأتي الجواب جاهزا، وكأنه ملصق على ألسِنَة الممرضات.
الأم الصغيرة التي شاهدت الكثير من أفلام الفيديو، يوتيوب، عن لحظات الولادة، في انتظار تلك اللحظات، تقرر الاعتماد على نفسها، فتستعيد المعلومات التي تعلّمتها، وتبدأ بتطبيقها، وكأن المخاض فاجأها، وحيدة، في حقل، أو مكان منعزل! لكنها تواصل الصراخ برغم ذلك، لأن رعبها يتزايد، لكن الإجابة الجاهزة، ذاتها، تأتيها من على بُعد أمتار منها، مع ضحكات الممرضات، بسبب طرفة ربما، أو صورة يشاهدْنها مجتمعات.
ليس الزمن هنا كأي زمن بحيث يمكننا القول عن خمس دقائق تمّر في هذا الوضع، مثل دقائق خمس أخرى يمكن أن تمرّ ونحن نمارس عملا آخر.
ثم تصرخ الأم الصغيرة ثانية، طالبة العون، فيأتي الصوت موبّخًا: اصمتي، قلنا لك لم يحن بعد موعد ولادتك!
تردّ الأم الصغيرة: ولكنني ولدتُ!
وتكون قد أنجبت طفلتها، لكن الممرضات لا يصدّقنها أيضا!
ويتواصل الصراخ، وتتكرّر الإجابة!
الحكاية الثانية:
سأكتبها هنا كما سمعتها منذ سنوات، وهي مسجّلة، كما جاءت على لسان الأم:
(بعد ولادتي، وبعد إعادتي للغرفة، دخلت امرأة أخرى لتضع مولودها، كانت سمينة، عند منتصف الليل تقريبا صحوت فزعة على صراخ الطبيب، سرتُ نحو سرير المرأة خلف الستارة البعيدة، قرب الباب. كان الطبيب يشتم المرأة. لم أصدق ما كنت أسمعه، كانت ألفاظه قذرة: يا حقيرة، يا حيوانة، يا دبّة، ما دمتِ غير قادرة على احتمال الألم لِمَ تتزوّجين؟! تريدين أن (تتزوجي)، – تم تخفيف الكلمة- ولا تعرفين كيف تلدين؟
حين التفتَ الطبيب إليّ، تراجعت خائفة إلى سريري، وحين اقترب مني، كتمتُ أنفاسي تحت الغطاء!
حتى صبيحة اليوم التالي كانت المرأة لا تزال تصرخ متألمة، لم أستطع النوم، وجاءت نسوة أخريات ليلدن، وكلما دخل الطبيب قال: لا أريد أن أسمع صوتكن، أحذركن من التصرف مثل هذه (الدّبة)!
.. اكتشفتُ أنني أنزف، طلبت من الممرضات أن يستبدلن أغطية فراشي، أن ينقلنني من الغرفة لأنني لم أنم، ولا أستطيع النوم: أريد أن أنام كنت أصرخ.
نزلت عن السرير، وأزلت الغطاء الغارق بالدم، ووضعت الغطاء الذي كان فوقي مكانه.
بقيتُ في ملابس الولادة حتى العاشرة صباحًا.
اكتشفت بأن عليّ أن أعتمد على نفسي، حملت كيس الجلكوز، وذهبت إلى الحمّام، لأستبدل ملابسي.
كانت المرأة السمينة تعاني من صعوبات كثيرة، لم تلد إلا في مساء اليوم التالي على وصولها. غابت طويلا، وحين عادت قبل منتصف الليل، سألتها: ماذا أنجبتِ؟
فقالت: لا أعرف!
بعد نصف ساعة جاءت ممرضة، وفي يدها كرتونة، ظلّت تسير إلى أن وصلت إلى سرير تلك المرأة، قالت لها، من دون مقدمات، ابنك مات! لقد وضعته لكِ في الكرتونة، غدا تأخذينه معك وتدفنينه.
انحنت الممرضة، ووضعت الكرتونة تحت سرير الأمّ، وهي تقول لها: نامي الآن، غدا يحلّها الحلّال.
ولم أنم، لم أنم أبدًا، كنت أرتجف طوال الليل، والمرأة التي مات ابنها تبكي بصوت مخنوق. جاؤوا إلينا صباحا بالطعام، لم أستطع لمسه، ولم أكن قد أكلت منذ يومين.
في التاسعة صباحا، جاء الطبيب، تجرأتُ وسألته: متى سأخرج؟
قال: اليوم.
خرجت. كان ذلك أسعد يوم في حياتي، كنت أفضل الموت فورًا على أن أعيش يوما آخر في المستشفى..)
كنت أعتقد أنني سمعتُ أكثر القصص رعبا، من تلك التي تدور في غرف المستشفيات، لكن زيارتي صديقا، لتهنئته وتهنئة زوجته بمولودهما الأول، فتح حكاية أخرى، لا تقل رعبا عن الحكايتين السابقتين، حكاية يمكن أن تكون فيلم رعب حقيقيا، بتفاصيلها التي تقشعرّ لها الأبدان.
وبعد:
نحن أمام صغار هم صورةٌ عنا، ونساء هنّ صورة عنا، ونحن صورة عنهم، وعنهنّ؛ بأعجوبة نولد، وبأعجوبة نعيش، في هذا المستشفى الكبير الذي نسميه العالم العربي، لأن ثمة (فيتو) أقوى يحمي كل أولئك الذين حوّلونا، ويحولونا إلى ضحايا، من أول إطلالة لنا على هذه الحياة، حتى لحظة موتنا.
وبعد أيضا:
ذات يوم سيدرك أطفالنا أننا كنا معجزةً
نحن الذين عشنا عمرنا كلّه من دون أوكسجين!

الموت في المستشفى!

إبراهيم نصر الله

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية