بيد أن هذا التوق يظل مجرد مسعى مادام يوازيه سعي منساق نحو الفتك والدمار، حيث يظل العنف متجذرا في الطبيعة الإنسانية وإن استتر، وفي هذا الصدد نتذكر قول أديب روسيا الأول «دوستويفسكي»: «إن الإنسان لن يتنازل أبدا عن العذاب والألم الحقيقيين، بمعنى الهدم والتخريب وإشاعة السديم…وكل ما يستطيع المرء عمله حينئذ، هو سد حواسه الخمس والغرق في التأمل». أما التسامح فهو العبير الذي يصبه البنفسج على القدم التي سحقته بتعبير أب الأدب الأمريكي مارك توين. إذ لا يرتبط بأنماط التفكير وأشكال العيش التي يمثل العصر الأندلسي نموذجها الباهر، ولكنه يمتد نحو الأشكال الفنية، خاصة الموسيقى. ونحن هنا سنحاول أن نخصص الحديث للموسيقى الشرقية وبالأخص الموسيقى اليهودية التي يصعب استحضار تاريخها، من دون استحضار مرجعياتها ومنعطفاتها الحاسمة. فالأمر يشبه النزول في سديم عميق للبحث عن أشكال الحياة. ورغم كون مصطلح موسيقى يهودية يظل مصطلحا مبهما، إذ لا توجد حسب الباحث الأمريكي هوغو ويزجال مواصفات أو سمات محددة أو موضوعية تجعل قطعة موسيقية يهودية أو غير يهودية، ما دام يصعب تحديد من هو اليهودي، فقد استطاعت أن تعكس ثقافات البلدان التي ظل يعيش فيها اليهود، ما جعلها تكتسي طابعا متنوعا وغنيا، يتضمن إلى جانب الأغنية الشعبية الإسرائيلية، المزراحية، والاسباعيزية، والكليمر والغرناطية …
وإذا ما محصنا التراث الموسيقي اليهودي قليلا سننتهي عند حقبة «داود النبي» باعتباره أهم نبع ارتوت منه هذه الموسيقى حيث اغتنت وتطورت من بعده باحتضان المعابد لها، ومن ثمة صارت علاقة المعابد اليهودية بالموسيقى علاقة وظيفية لتحقيق الغاية الروحية. بيد أن تدمير معبد القدس إثر اجتياح الإمبراطور الروماني «تيتوس» القدس سنة 70م وسحقه للمقاومة اليهودية جعل حاخامات اليهود «يصدرون مرسوما اتخذ كرمز للحزن الأبدي» حيث أبعدت الموسيقى عن المعابد لفترة طويلة. ومع قيام ما يسمى بـ»دولة إسرائيل» سنة 1948 ولم شتات اليهود، سيسطع نجم الأغنية العبرية بانبثاق مهرجانات كبرى أهمها: مهرجان «عين غيف» بكيبوتس، و»جاز البحر الأحمر» بمحاذاة إيلات، ثم مهرجان «سلم يعقوب للموسيقى الشعبية» الذي يعد إلى جانب «مهرجان الأضواء» بيروشلائيم من أهم مهرجانات إسرائيل.
وتأتي هذه المهرجانات كمحاولة لإضفاء معنى على الولادة القسرية وخلق نقاط تلاق مع العالم بعد تطور القضية الفلسطينية، من صراع عربي إسرائيلي إلى قضية دولية شائكة، لأن مدينة الإنسان اليهودي الجديدة التي لا «تسقط» قد تم طليها بالدم الفلسطيني ومن ثمة لا ضير إن اتشحت بلون آخر غير الدم من أجل مراوغة عدسة العالم.
ولكون الموسيقى اليهودية ترفد من روافد ثقافية عدة، تبعا لمواطن انتماء الجماعات اليهودية فإن الموروث الموسيقي اليهودي نجده أكثر اتصالا بالموروث الثقافي العربي، وانطلاقا منه تتشعب فروع موسيقية عدة ما زالت ركيزة أساسية في أهم مهرجانات إسرائيل، تجمع بين الأهازيج الشعبية والملحون والموسيقى الأندلسية… في المغرب الكبير. وبين المقامات العراقية والنمط الغنائي البغدادي والكردي والقدود الحلبية والموشح والفلكلور اليمني… في المشرق العربي. غير أن تداول هذه الأجناس الموسيقية داخل الدولة العبرية خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي لم يكن مستساغا مثلما يبدو الآن. وهو ما تؤكده الشهادات الشفهية المنتقاة من اليهود المغاربة العائدين إلى المغرب وكذلك شهادات اليهود العراقيين العائدين إلى العراق بحسب صحافي يومية «هارتس» الإسرائيلية فيريد لي، حيث قوبلت الموسيقى اليهودية ذات الأصول العربية باحتشام كبير ويرجع سبب ذلك إلى التضييق الممنهج من لدن الجماعات اليهودية المتعصبة للثقافات «الأشكينازية» التي تشكل القاعدة الصلبة في إسرائيل، وغالبا ما كانت تنعت الثقافة العربية بالثقافة البدائية والرجعية المهددة للوجود الإسرائيلي.
وما إن تنامت أنشطة الوفود اليهودية العربية بداخل إسرائيل حتى اندمجت ثقافتها بشكل متسارع وعدت جزءا مشكلا لدينامكية الهوية اليهودية. ولما كان ابن خلدون يرى أن آخر ما يطرأ على الإنسان من تطورات في حياته هو اهتمامه بالموسيقى والغناء، فإن المؤرخ الإنكليزي بوكل، يرى أن هذا الاهتمام يشكل تهذيبا لروح الإنسان المجبولة على الهدم والتخريب وإشاعة الفوضى الكاسحة ليخلص إلى القول كون «الحضارة تهذب الإنسان، وتجعله من ثمة أقل تعطشا للدماء، وأقل اندفاعا لخوض الحروب»، وهكذا نستطيع أن نلمس داخل الأغنية الإسرائيلية نزوعا ينحو نحو مفاهيم المحبة والسلام وهو أمر لا يخلو من دلالة. ونرى هذا الأفق أكثر تمثلا وتجسيدا في أغاني كل من «دافيد مناحيم»، «يائير دلال»، «أخينوعمنيني»، «ميرا عوض»، «دانييل بارينبويم»، «زيف يحزقيل»، «يهودا قمري»، «مريم طوقان»، «عومر آدم»، «زوهر أرغوف»، «زها فاين» … ويكفي أن نشير من خلال هذه اللائحة الطويلة إلى مواقف بعض هؤلاء الفنانين الذين تبدو مفاهيم السلام واضحة بشكل لافت في أساليبهم الموسيقية. فيائير دلال الذي كرس جل أغانيه لبناء جسر من التفاهم والإبداع بين ثقافات مختلفة، وبصفة خاصة بين اليهود والعرب، يدعو في كل سهرة من سهراته إلى فتح صفحة من أجل السلام، جاعلا من الموسيقى لغة محركة لروح الجمال المستثير في النفس البشرية.
أما الحاخام دافيد مناحيم الذي تعلم اللغة العربية كي يكشف سر تحسر السيدة أم كلثوم كلما غنت أغنية «يا ظالمني»، نجد عددا غير يسير من أغانيه تنحو نحو قيم التعايش. كما أدت مواقف الفنان الإسرائيلي العالمي دانييل بارينبويم المنحازة إلى إقامة حوار مشترك بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلى إقامة صداقات عربية مكنته من إحياء بعض عروضه الموسيقية في رام الله. بينما أثارت المغنية الإسرائيلية اخينوعمنيني جدلا في إسرائيل إثر مواقفها الرامية نحو قيم التسامح، لاسيما أن تاريخها الغنائي ارتبط كثيرا بحادث اغتيال إسحق رابين سنة 1995 في ميدان «ملوك إسرائيل» عقب مشاركتها الغنائية في نفس الميدان. ولعل هذا النزوع في الموسيقى العبرية قد حقق ما لم تحققه مفاوضات السلام الفلسطينية الإسرائيلية. فوفق تقرير الصحافي الإسرائيلي عامر دكة فقد استطاعت هذه الموسيقى العبور إلى قلب فلسطين، فإلى جانب أسطوانات محمد عساف ومارسيل خليفة وأم كلثوم تقع أسطوانات موسومة بعوفر ليفي، وزها فابن، وزيف يحزقيل، وزوهر أرجوف… وهو تآلف قلما نجد نظيرا له.
يبدو أن ابن سينا كان محقا حين اعتبر الموسيقى أهم مسكن للأوجاع غير أن الوجع الذي ظل مزمنا هو الوجع الإنساني المفضي إلى افتعال النزاع والتخريب.
فهل تستطيع الموسيقى اليهودية تحقيق تعايش سلس بين اليهود وغير اليهود؟
شاعر وكاتب مغربي
ياسين الحراق