الموشّحات والشعر الغنائي: الأصول الألمانية

قد‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬الخير‭ ‬ختام‭ ‬هذه‭ ‬الجولة‭ ‬في‭ ‬استعراض‭ ‬دور‭ ‬الموشحات‭ ‬الأندلسية‭ ‬والأزجال‭ ‬بمهادها‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬التراثي،‭ ‬في‭ ‬ظهور‭ ‬أول‭ ‬شعر‭ ‬يتغنى‭ ‬بالحب،‭ ‬بلغة‭ ‬أوروبية‭ ‬انسلخت‭ ‬عن‭ ‬لاتينية‭ ‬العصور‭ ‬الوسطى،‭ ‬لغة‭ ‬الأدب‭ ‬والثقافة،‭ ‬هي‭ ‬اللغة‭ ‬الاوكسيتانية‭ ‬في‭ ‬اقليم‭ ‬بروفنس‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬الفرنسي.‭ ‬وكما‭ ‬سبق‭ ‬الحديث‭ ‬عنه،‭ ‬ظهر‭ ‬من‭ ‬بدايات‭ ‬القرن‭ ‬الثاني‭ ‬عشر‭ ‬حتى‭ ‬بدايات‭ ‬القرن‭ ‬الرابع‭ ‬عشر،‭ ‬في‭ ‬اقليم‭ ‬بروفنس‭ ‬وما‭ ‬جاورها‭ ‬حوالي‭ ‬اربعمئة‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬الذين‭ ‬اطلق‭ ‬عليهم‭ ‬اسم‭ ‬‮»‬تروبادور‮»‬‭ ‬ينظمون‭ ‬أغاني‭ ‬الحب‭ ‬باللغة‭ ‬الأوكسيتانية،‭ ‬وبعضهم‭ ‬يؤلف‭ ‬موسيقاه،‭ ‬ويدورن‭ ‬به‭ ‬بين‭ ‬قصور‭ ‬النبلاء بمصاحبة العود الذي حَمَلَه زرياب من بغداد العباسية إلى قصور الأندلس.
إزدهر‭ ‬هذا‭ ‬الشعر‭ ‬الغنائي‭ ‬الجديد‭ ‬على‭ ‬أوروبا‭ ‬القروسطية‭ ‬مع‭ ‬ازدهار‭ ‬حضارة‭ ‬بروفنس‭ ‬والجنوب‭ ‬الفرنسي‭ ‬الغني،‭ ‬مما‭ ‬أثار‭ ‬حفيظة‭ ‬البابا‭ ‬انوسنت‭ ‬الثالث،‭ ‬فزحف‭ ‬من‭ ‬باريس‭ ‬نحو‭ ‬اقليم‭ ‬بروفنس‭ ‬عام‭ ‬1209‭ ‬وقضى‭ ‬على‭ ‬حضارة‭ ‬الجنوب‭ ‬الفرنسي‭ ‬‮»‬الوثني».‬‭ ‬ وكان‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬نتائج‭ ‬ذلك‭ ‬الغزو‭ ‬لجوء‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬التروبادور‭ ‬إلى‭ ‬صقليا‭ ‬والجنوب‭ ‬الايطالي،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يفهم‭ ‬لغة‭ ‬بروفنس،‭ ‬فأينع‭ ‬شعر‭ ‬غنائي‭ ‬جديد‭ ‬على‭ ‬صقليا،‭ ‬وتأثر‭ ‬به‭ ‬حتى‭ ‬ملكها‭ ‬فريدريك‭ ‬الثاني‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬شاعرا‭ ‬يرعى‭ ‬الشعراء. وانتقل‭ ‬الأثر‭ ‬إلى‭ ‬ايطاليا‭ ‬فتناوله‭ ‬دانته ‬ومن‭ ‬تبعه‭ ‬من‭ ‬اصحاب‭ ‬‮»‬الأسلوب‭ ‬الحلو‭ ‬الجديد‮»‬‭ ‬مثل‭ ‬بتراركا وبوكاجيو‭.‬
إضافة‭ ‬إلى‭ ‬صقليا‭ ‬والجنوب‭ ‬الايطالي،‭ ‬لجأ‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬التروبادور‭ ‬إلى‭ ‬جرمانيا،‭ ‬الجزء‭ ‬الذي‭ ‬صار‭ ‬يدعى‭ ‬لاحقا‭ : ‬المانيا‭ ‬وسويسرا‭ ‬وهنغاريا‭ ‬والنمسا،‭ ‬وقد‭ ‬كانت‭ ‬ثمة‭ ‬علاقات‭ ‬على‭ ‬مستويات‭ ‬شتى‭ ‬بين‭ ‬الألمان‭ ‬وأقاليم‭ ‬بروفنس،‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬الأباطرة‭ ‬الألمان‭ ‬يحلمون‭ ‬بالاستيلاء‭ ‬عليها‭ ‬قبل‭ ‬البابا‭ ‬انوسنت «‬البريء‭»‬ الثالث‭ . ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬1179‭ ‬أقام‭ ‬الامبراطور‭ ‬الألماني‭ ‬فريدريك‭ ‬الأول‭ ‬حوالي‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشهر‭ ‬في‭ ‬بروفنس. وثمة‭ ‬اشارات‭ ‬إلى‭ ‬علاقات‭ ‬بين‭ ‬‮»‬المينيزنكر‮»‬‭ )‬بالكاف‭ ‬المعجمة‭ ( ‬أي‭ ‬التروبادور‭ ‬الجرمان‭ ‬وبين‭ ‬شعراء‭ ‬بروفنس‭ ‬بين‭ ‬الأعوام1170-1190. ‬كما‭ ‬ان‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬اولئك‭ ‬الشعراء‭ ‬الألمان‭ ‬قد‭ ‬أقاموا‭ ‬في‭ ‬ايطاليا‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬اباطرة‭ ‬‮»‬هوهنشتاوفن‮»‬‭ ‬أي‭ ‬بين‭‬1138- 1250وكما يذكر جوزيف أوكلاند في كتابه(1929). ولا يخفى ما لهذه العلاقات من أثر في ‬انتشار‭ ‬فن‭ ‬التروبادور‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬الجرمانية‭.
تفيد‭ ‬كلمة‭ ‬‮»‬مينيزنكر‮»‬‭ ‬الألمانية‭:‬ مغنّي‭ ‬الحب‭. ‬ وقد‭ ‬كتب‭ ‬أولئك‭ ‬الشعراء‭ ‬الألمان‭ ‬أغانيهم‭ ‬باللغة‭ ‬‮»‬الألمانية‭ ‬العليا‭ ‬الوسطى‮»‬‭ ‬وهي‭ ‬قصائد‭ ‬تتميز‭ ‬بظهور‭ ‬القافية‭ ‬بنظام‭ ‬يحاكي‭ ‬قوافي‭ ‬التروبادور‭ ‬والموشحات‭ ‬والزجل‭ ‬من‭ ‬قبلها،‭ ‬كما‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬الحب‭ ‬والمرأة‭ ‬بأسلوب‭ ‬لا‭ ‬سابقة‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬اللاتيني‭ ‬القروسطي‭. ‬ ففي‭ ‬جذاذة‭ ‬وجدت‭ ‬في‭ ‬مخطوط‭ ‬في‭ ‬دير‭ ‬‮»‬تيكرنزيه‮»‬‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬القرن‭ ‬الثاني‭ ‬عشر،‭ ‬فيها‭ ‬نظام‭ ‬قافية‭ ‬وموقف‭ ‬من‭ ‬الحب‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬في‭ ‬ثقافة‭ ‬تلك‭ ‬البلاد‭.‬
(‭‬أنتِ‭ ‬لي‭ ‬وأنا‭ ‬لك‭/ ِ‬من‭ ‬هذه‭ ‬تأكّدي‭/ ‬أنت‭ ِ‬في‭ ‬مَحبِسٍ‭ ‬أمين‭/ ‬في‭ ‬القلب‭ ‬منّي‭/ ‬ضائعٌ‭ ‬هو‭ ‬المفتاح‭/ ‬لذا‭ ‬ستبقين‭ ‬فيه‭ ‬الى‭ ‬الأبد) ‬والقوافي: ‭ ‬ا‭ ‬ـ‭ ‬ا-ب-ب ‬-ا-ا. وقد‭ ‬كانت‭ ‬منطقة‭ ‬التيرول‭ ‬الألمانية‭ ‬شمال وجنوب جبال‭ ‬الألب، ‬مسرحا‭ ً‬للأنشطة‭ ‬الأدبية. ‬فمن‭ ‬التيرول‭ ‬الجنوبي‭ ‬جاء‭ ‬أهم‭ ‬شعراء‭ ‬الغناء‭ ‬الجرمان‭ ‬في‭ ‬العصور‭ ‬الوسطى،‭ ‬وهو أوزفالد ‬فون‭‬ فولكنشتاين،‭ ‬وفالترفون‭ ‬دير‭ ‬فوكلفايده،‭ ‬زميل‭ ‬اوزفالد‭. ‬ وثمة‭ ‬الشاعر‭ ‬المغنّي ‬نايدهارت‭ ‬الذي‭ ‬عاش‭ ‬في‭ ‬بلاط‭ ‬الدوق‭ ‬في‭»‬بافاريا‮»‬‭ ‬ثم‭ ‬انتقل‭ ‬إلى‭ ‬‮»‬النمسا‭ ‬السفلى‮»‬‭ ‬وله‭ ‬157‭ ‬غنائية حب‭ ‬محفوظة في عدد من المخطوطات في أديرة المنطقة.
هذه «اغنية الربيع» التي تشبه الكثير من غنائيات بروفنس وقبلها الموشحات: ( أيار نورك يتوهّج/ والطيور الصغيرة/ تحمل كنزا من البهجة/ فمرحبا بهم/ أنا على ابتهاجي/ أسقمني العالم/ فأنا أشكو كل يوم/ لأن التي امدحها/ والتي تملك قلبي/ غير راضية عني/ لقد فقدت الأمل/ لأنني ما كنت فالحاً قط) وقوافيها ا-ا-ا-ا-ا-ب-ج-ج-ج-ج -ج-ب … وهكذا: خمس قواف، وقافية مختلفة، ثم خمس قواف مختلفة عن الأولى تتبعها قافية تشبه القافية المختلفة الأولى. ألا يذكّرنا هذا التطوير وهذا الموقف من الحب والمرأة بما نجده عند التروبادور والموشحات؟
وثمة من التيرول الجنوبي، هاينريخ فون مايسن، الذي اتخذ له أسما أدبيا هو «فراونلوب»، أي « مادح السيدات». وثمة زميله روميلانت، ومعناه «أخلِ الأرض» الذي يفلسف موقفه من المرأة: ( اسم المرأة أعظم من مديح السيدات/ إن وَرَدَ في تواضع أو افراط/ بايجاز أو اطناب/ كيفما شاء المرء يفعل..) وقافيتها: ا-ا- ب-ب-ج-د ويتكرر النظام. ثانية. من أين جاء كل هذا النظام في القوافي والموقف من المرأة والحب إذا لم يكن عن طريق التروبادور ومن سبقهم من الوشاحين والزجالين؟
وهذا الشاعر المغنّي هافارت، من التيرول في القرن الثالث عشر ينظم «اغنية الفَجر» التي تشبه « الفَجريّات» في الموشح الأندلسي وفي تقليدها عند التروبادور في نظام «آلبا» اي «الفجر». (أحسّ في هدأة الطيور/ ان الليل سيعلن عن سطوته/ ليل طويل بارد/ يجعل العشاق شجعانا/ ليس غيرهم من يقدر على الالتصاق معا/ مثل هذا االسرور أفضل من يوم حار..) وهي قصيدة ذات مقاطع ثلاثة نظام قوافيها: ا-ا-ب-ب-ج-ج. وهذا تطور في الموقف من الحب والمرأة وفي نظام القوافي نجده في شعر التروبادور ومن تبعهم من شعراء صقلية وايطاليا وجرمانيا. وهذا التطور يختلف باختلاف المواهب الفردية والبلاد المختلفة وهو أمر طبيعي ومتوقع. ويقف فوق هذا كله الاندفاع إلى كتابة الشعر الدنيوي في عهد «النهضة الصغرى» في القرن الثاني عشر، وبفضل الابتعاد التدريجي عن سلطة الكنيسة القروسطية وما يتّصل بها من شعر باللاتينية حول موضوعات « دينية» في المقام الأول، لا تجد المشاعر الفردية فيها تعبيرا يتّسم بالحرية الذاتية. وقد مهّدت «النهضة الصغرى» إلى» النهضة الأوروبية» أو الانبعاث الذي شمل أوروبا في القرن السادس عشر، كما مهَّد هذا الشعر إلى ظهور الحركة الرومانسية في ألمانيا في القرن الثامن عشر، بزعامة وردزورث وزميله كولرج ومن تبعهم مثل كيتس وآخرين حتى العصور الحديثة.
وفي أواسط القرن الثاني عشر، ظهر في إقليم بروفنس من الشعراء التروبادور من كتب بلغة « أوإي- oil» وهي اللهجة الشائعة في الشمال، امتدادا إلى منطقة بريتاني في الشمال الغربي من فرنسا. وإذ تذكر كتب الأدب الفرنسي أكثر من 400 من الشعراء التروبادور الذين نظموا بلغة «أوك oc» أي الأوكسيتانية، لا تذكر أكثر من 276 من الشعراء التروفير الذين نظموا بلغة « أوإي- oil» وهي اللغة التي كان يتحدثها أهل الشمال الفرنسي الارستقراطيون، فازدهر التروفير بحكم استمرار علاقاتهم مع شعراء الجنوب الذين حملت بعضهم إلى انكلترا اليانور، حفيدة التروبادور الأول غيوم التاسع، وابنتها ماري ده شامبين، وذلك بعد زواج اليانور من هنري الثاني الفرنسي كذلك، فأصبحت السيدة الأولى عام 1154.
ثمة أربعة ملوك نظموا شعر الحب على طريقة التروفير منهم، ريكاردوس قلب الأسد، الذي حاربه هارون الرشيد. وفي قصائد التروفير كثير من مفهومات الحب الواردة في شعر التروبادور الجنوبيين، مثل البدء بالاشارة إلى الربيع او الشتاء، واللحظ الجارح في عيون الحبيبة، وسلطة الحب ورفض التحررمن قيوده وغير ذلك من مألوف شعر الغزل التراثي العربي ووريثه في الموشحات والأزجال. كانت لغة الأدب في انكلترا في عهد هنري آل بلا نتاجنيه وزوجته إليانور الأكيتانية هي اللغة الأنكلونورمندية حتى أواسط القرن الثالث عشر حيث بدأ الشعر الغنائي الانكليزي بالظهور.
وكان ذلك بما يعرف باللغة الانكليزية الوسطى التي تقودنا إلى أواسط القرن الرابع عشر الذي شهد ظهور جوسر، أبُ الشعر الانكليزي. وفي المعروف من الشعر باللغة الانكلونورمندية، كما في قصيدة للكونتسة ديا، نجد موقفا من الحب ونظاما في القوافي يكاد يكون صورة من الموشحات والأزجال، وبعض تلك القصائد ينتهي بخاتمة من بيتين بلغة شعبية، تشبه خرجة الموشح بلغة عامية أو أعجمية. ومن أوائل الأمثلة على شعر باللغة الانكليزية الوليدة بعد الانكلونورماندية هي قصيدة «آليسون» التي وجدت في مخطوطة من القرن الرابع عشرقبل ظهور جوسر. هذا مثال شديد الشبه بالشعر البروفنسي من حيث الموقف من الحب ومن حيث نظام القافية الذي يشبه نظام الموشح وقوافيه مع وجود بعض المفردات تحمل آثاراً من اللفظ الجرماني. تبدأ القصيدة ببيتين قوافيهما: ا-ب-ا-ب لو أعدنا ترتيب الأبيات الأربعة في الأصل، ثم يتبع هذا المطلع، باصطلاح نظام الموشح، ثلاثة أبيات قوافيها: ب-ب-ب ورابعها ج. ويتكرر هذا النظام في الأبيات الأربعين بأقسامها الأربعة، وتأتي اللازمة/ الخرجة: د-د-دج.
ألا يذكِّرنا هذا النظام بموشح ابن زهر/ ابن المعتز؟: أيها الساقي اليك المشتكى؟ أو بموشح مجهول المؤلف جعلته فرقة فيروز مشهورا؟
يا شقيق الروح من جسدي اهوى بي منك ام لَمَمُ
ايها الظبي الذي شردا
تركتني مقلتاك سدى
زعموا أني أراك غدا
وأظن الموت دون غدا أين مني اليوم ما زعموا!
مثلها قوافي أليسون هذه: ا-ب-ا-ب/ج-ج-ج/ا-ب. لكن شاعر»أليسون المجهول لم يجد في لغته الوليدة ما في لغة الموشح العربية من غنى في القوافي، لكنه بذل جهده مشكورا.

الموشّحات والشعر الغنائي: الأصول الألمانية

عبد الواحد لؤلؤة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية