الموصليون يقفون عند عتبة الانتخابات قبل أن تلتئم جراحهم

الموصل ـ «القدس العربي»: رغم ان السماء كانت ملبدة بغيوم كثيفة تتدرج ألوانها بين الأبيض والرمادي المائل إلى السواد، إلا ان درجة الحرارة نهاية نيسان/ابريل كانت إلى حد ما مرتفعة ولهذا توجب علي ان أكتفي بارتداء قميص وبنطلون دون حاجة إلى جاكيت، كانت عقارب الساعة تشير إلى العاشرة صباحا لما قررت ان أقَطَع المسافة القصيرة من البيت إلى كراج الشَّمال مشيا قبل ان أركب سيارة تكسي للانتقال إلى الجانب الآخر من المدينة.
وأنت تسير في شوارع مدينة الموصل العراقية (465 كم شمال العاصمة بغداد) لابد ان تُستثار من الكم الهائل للإعلانات الانتخابية التي تتصدرها بعض صور المرشحين بأحجام كبيرة إلى الدورة البرلمانية المقبلة التي سيبدأ فيها التصويت في 12 من ايار/مايو المقبل.
تحتل صور المرشحين الجزرات الوسطية في الشوارع وواجهات المباني وأعمدة الكهرباء وجدران المباني الحكومية والجسور. وتشير الأرقام التي في حوزة المفوضية العليا للانتخابات في الموصل ان عددهم قد وصل إلى 930 مرشَّحا يتوزعون على 15 كتلة وائتلاف سياسي، إن هذه الأرقام تبدو كبيرة جدا وتعني في دلالتها ان هناك سعيا محموما للحصول على مقعد في البرلمان لدى الكثيرين، ربما تعود أسباب ذلك لدى كثير من المرشحين إلى حجم الامتيازات الكبيرة التي بات يحظى بها أعضاء البرلمان.
مضت خمسون دقيقة وسائق التاكسي بسبب الازدحام المروري لم يستطع ان يغادر منطقة كراج الشمال التي تقع في الجانب الأيسر من المدينة حتى يصل بي إلى منطقة رأس الجَّادة في الجانب الأيمن منها لوجود نقطة سيطرة في نهاية الشارع يتواجد فيها عناصر يرتدون زيا عسكريا، وكان من الصعب التمييز في ما إذا كانوا يتبعون الجيش العراقي أو ميليشيا الحشد الشعبي. ولكي يفرغ السائق ما في داخله من قَرَف إزاء الحركة البطيئة لطوابير السيارات قبل ان يجتاز بسيارته حاجز التفتيش عند الجسر الخامس، نظر إلى صورة كبيرة لأحد المرشحين المخضرمين وهو شخصية معروفة لدى الموصليين، وارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة. ثم التفت ناحيتي وهو يقول «هذه مسرحية مكشوفة، وستنتهي ما ان تمتلئ صناديق الانتخاب بالأوراق، عندها يعود كل واحد منا إلى بيته خالي الوفاض».
على ما يبدو فان محافظة نينوى التي يبلغ تعداد سكانها أكثر من ثلاثة ملايين ونصف تعيش هذه الأيام على سطح من الصفيح الساخن مع بدء ارتفاع درجة الحرارة والتي تتزامن مع ارتفاع حدة التنافس الانتخابي بين الأحزاب والقوى السياسية التي تمثل مكونات المدينة من عرب وأكراد ومسيحيين وإيزيدية وسنة وشيعة وتركمان وشبك، وبلاشك فإن كثرة أعداد المرشحين تعكس هذه الصورة بوضوح.
ولم يحدث أن شهدت هذه المحافظة مثل هذا النشاط الانتخابي منذ أول دورة برلمانية عقدت عام 2005 وأسباب ذلك تعود إلى ما كانت تعانيه من ترد خطير في الأوضاع الأمنية طيلة الأعوام التي أعقبت العام 2003 بعد الغزو الأمريكي للعراق.
اليوم وبعد ان تم تحريرها من سلطة تنظيم الخلافة «داعش» الذي كان قد أعلنها عاصمة لدولته المزعومة (15 تموز/يوليو 2014) وعودة الأمن والاستقرار إليها، فإن وتيرة الحراك السياسي فيها أخذت بالارتفاع بشكل غير مسبوق خاصة وان هناك ملفات مهمة ومعقدة ينتظر سكانها ان يتولى البرلمان المقبل البت فيها، لعل في مقدمة ذلك معالجة الأوضاع الكارثية التي خلفتها الحرب. فالتقارير تشير إلى تدمير أكثر من 11 ألف وحدة سكنية في المدينة القديمة إضافة إلى ان معظم المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية قد خرجت عن الخدمة بشكل نهائي، ويشكل ملف الإعمار الحيز الأكبر من تطلعات المرشحين الطامحين إلى ان تكون لهم حصة في غنيمة المشاريع المقبلة.
أما المواطن الموصلي، فلن يكون أمامه سوى خيار المشاركة في الانتخابات، على الأقل حتى يخرج من دائرة الموقف السلبي الذي رافقه في الدورات السابقة حيث كانت نسبة مشاركته فيها ضعيفة جدا بالقياس إلى بقية مدن العراق وخاصة العرب السنة الذين يشكلون النسبة الأكبر من سكان المحافظة. المواطن نشوان ادريس الذي يعمل مدرسا يعلق على المشاركة، فيقول «ليس أمامنا سوى هذا الخيار، ومن غير المقبول ان نستبق الأحداث ونكوّن صورة سلبية عن نتائج الانتخابات» أما بخصوص قناعة الموصلي بالقوائم والأسماء المشاركة والتي يمكن ان يراهن عليها، فهناك الكثير من المواطنين لا يعيرون أهمية للقوائم بقدر ما ينصب تركيزهم على أشخاص بعينهم. بالقرب من محيط جامع النبي يونس الذي تحول إلى انقاض بعد ان فجّره «داعش» مطلع تموز/يوليو 2014 أي بعد أقل من شهر على تاريخ سيطرته على المدينة، التقينا نامق ذنون، وهو رجل في العقد الثالث من عمره يفترش بسطة على الأرض لبيع الملابس المستعملة وحاولنا ان نعرف منه ما هي القوائم التي سيختارها ويصوت لها فأجابنا «غالبية الناس لا تعير أهمية للقوائم لأنها لا تفهم في السياسة أصلا ولا تعرف معظم المرشحين فيها، ولكن سيكون تركيزها على أسماء معينة في القوائم لأنها تعرفها من باب صلة القرابة العشائرية أو المذهبية، وعلى هذا الأساس سيصوتون. بمعنى ليس مهما لديها القائمة أو البرامج الانتخابية بقدر أهمية المرشحين وصلتهم بمن سيصوت لهم». أما العامل غسان الحريثي الذي يعمل في ورشة لتصليح السيارات، فقد وجدناه يعبر عن دهشته مما يراه في هذه الدورة الانتخابية حيث قال ان «ما يثير الانتباه هو العدد الكبير من النساء اللائي يطمحن في الوصول إلى البرلمان، خاصة في الموصل وهذا ما لم يكن في الدورات السابقة» وفي الوقت نفسه يعبر عن عدم ثقته بقدرة المرشحين لتحقيق مطالب الناس في ما إذا فازوا فيقول «أنا أشك في ان تحدث تغيرات جوهرية لصالح إعادة الإعمار والخدمات بعد الانتخابات، لان معظم المرشحين سيكون حالهم حال الذين سبقوهم، بمعنى انهم سيبحثون عن مصالحهم». وعبر الشاب حازم الياس، لاعب كرة السلة الذي تحدثنا معه وهو في طريقه إلى قاعة التمرين، عن عدم قناعته بالعملية الانتخابية برمتها، ويجد ان النتائج ستكون محسومة سلفا، وأضاف «الانتخابات عملية مرسومة من قبل أمريكا مسبقا، فهل يعقل ان تترك الانتخابات العراقية دون ان يكون لها الكلمة العليا فيها؟ ولهذا لن يصل إلى البرلمان إلا من تجده يضمن مصالحها» وحول امكانية ان تتبدل الوجوه القديمة بجديدة أجاب: «من الصعب ان يسمح اللاعبون الكبار الذين تمددت مصالحهم وأصابعهم في كل مفاصل الدولة أن تنافسهم وجوده جديدة تسعى للتغيير وإحداث الإصلاح» ثم استذكر الياس نقطة مهمة تتعلق بالصراع بين الريف والمدينة فعلق بخصوص الموضوع قائلا «صوت أبناء المدينة غائب أمام زحف المرشحين القادمين من الأطراف والقرى المحيطة وهذا يعني ان تمثيل أبناء المدينة في البرلمان سيكون ضعيفا كما في الدورات السابقة».
يبدو جليا ان جانبا كبيرا من أبناء الموصل يشعرون بالإحباط، وليس هناك ما يبعث فيهم الأمل بحصول تغيير يعقب الانتخابات بما يدفع أوضاعهم المعيشية والإنسانية إلى ان تتحسن، وعلى ذلك فإن المواطن حيدر كمال الذي حاورناه أثناء ما كان يعيد ترميم متجره الصغير لبيع الملابس في شارع حلب وسط المدينة القديمة بعد ان تعرض للدمار بنسبة كبيرة أثناء العمليات الحربية، فقد عبر عن تشاؤمه قائلا «لست واثقا من ان كل المرشحين سيطالبون بحقوقنا نحن المتضررين، بمن فيهم الذين سننتخبهم، لقد خسرنا أموالنا وبضاعتنا التي كانت مكدّسة في محلاتنا، وها انت كما ترى، نحن من يتولى إعادة ترميمها وبنائها دون ان نتلقى أي تعويض من الحكومة أو من أي جهة».
ويتوقع عدد من مواطني محافظة نينوى ان المادة 140 الخاصة «بالمناطق المتنازع عليها» بين بغداد وحكومة إقليم كردستان ستكون أولى القضايا التي سيتم تداولها في البرلمان المقبل وتُشكل هذه المناطق مساحة طولها أكثر من 48 ألف كيلومتر، تمتد من حدود سوريا حتى حدود إيران على شكل شريط طويل يصل إلى جنوب محافظات إقليم كردستان الثلاث، أربيل والسليمانية ودهوك، كما يشمل أراضي في محافظات صلاح الدين وديالى وكركوك وأكثر من 16 وحدة ادارية تابعة لمحافظة نينوى. المواطن محمد ذنون الذي يعمل مدرسا لمادة اللغة الانكليزية في إحدى الثانويات تطرق إلى هذه المسألة قائلا «الصراع بين بغداد وإقليم كردستان سيتجسد بشكل واضح على أرض نينوى تحت ما يسمى المناطق المتنازع عليها، وهذا ما سيؤجل كثيرا عودة الاستقرار والإعمار إلى المدينة، ولدي قناعة ان هناك أطرافا سياسية تتواجد في بغداد وحكومة الإقليم تسعى لأن تكون هذه القضية ذريعة دائمة حتى لا يتم إعمار الموصل وكل واحد منهما له أسبابه، والاثنان لديهما موقف متشنج ومتطرف تجاه سكان المدينة من العرب السنة» ويضيف «كلا الطرفين، الشيعي في بغداد والكردي في الإقليم بات يمارس عملية تغيير ديمغرافي في المناطق المشمولة بالمادة 140 ضمن محافظة نينوى خلال الأعوام الماضية، وقد تصاعد هذا التغيير بعد تحريرها، خاصة مع ظهور عديد الفصائل المسلحة الشيعية والمسيحية في هذه المناطق وكل منها تريد ان تفرض هيمنتها والمتضرر من كل ذلك هُم الناس البسطاء»، وتابع «أجزم أن المدينة ستكون حلبة صراع بين المرشحين الذين يمثلون مكوناتها في البرلمان المقبل».
على المستوى الإنساني يبقى ملف المعتقلين لدى القوات العراقية من أبناء نينوى في مقدمة القضايا العالقة التي تفرض نفسها على البرلمان المقبل، حيث تشير تقارير منظمات حقوق الإنسان إلى وجود أكثر من 2500 معتقل لدى القوات العراقية كانت قد اعتقلتهم أثناء تحرير المحافظة من سلطة «داعش» رغم ان قسما كبيرا منهم كانوا محتجزين أصلا في سجون التنظيم، وآخرين تم اعتقالهم للاشتباه بهم أو لتشابه أسمائهم مع من تورطوا بالعمل مع التنظيم، وقد مضى على اعتقالهم أكثر من عشرة أشهر دون ان يُعرف مصيرهم، وما من جهة رسمية حكومية تصدر بيانا يزيل الغموض الذي يغلف هذه القضية وتطمئن عوائلهم. المواطن سرحان دحام الذي يعمل سائق تكسي أفاد حول هذه القضية قائلا «على الرغم من أننا تمكنا من الحصول على فيديو كان قد نشره أحد الجنود العراقيين في موقع فيسبوك وقد ظهر فيه شقيقي الأكبر ضمن المعتقلين، إلا أننا لم نتمكن من الحصول على إجابة تطمئننا من قبل السلطات الحكومية حول مصيره والمكان الذي يحتجزونه فيه» وأضاف «سأنتخب المرشح الذي يضع قضية أخي وبقية المعتقلين في أولوية اهتماماته، أما غير ذلك فلا أعير له أي أهمية، لانني تعبت كثيرا بعد ان أصبحت مسؤولا عن عائلة شقيقي المؤلفة من زوجته وخمسة أطفال هذا إضافة إلى عائلتي المؤلفة منّي وزوجتي وأمي وأطفالي الأربعة».
مساء ًوقبل ان أعود إلى البيت مررنا في مناطق حضيرة السادة وشارع فاروق ودكّة بركة ومن ثم السّرجخانة وكلها أحياء سكنية تقع وسط المدينة القديمة في الجانب الأيمن من الموصل وكانت إلى جانب ثقلها السكاني وموروثها التراثي والفلكلوري والديني، تمثل شريانا اقتصاديا حيويا حيث تزدحم فيها المحلات التجارية لبيع كافة أنواع البضائع وعيادات الأطباء والبنوك والفنادق والأسواق التقليدية، إلا انها اليوم أصبحت أثرا بعد عين. سائق السيارة الذي كنت قد اتفقت معه ان يعبر بي الجسر القديم وينقلني إلى الجانب الأيسر من المدينة حيث تقيم عائلتي في بيت استأجرناه بعد ان تهدم بيتنا في الجانب الأيمن لم يستطع ان يخفي حسرته وألمه وهو يقود سيارته في شوارع ضرجتها الحفر والمطبّات وأكوام الأتربة بعد ان زال عنها الاسفلت تماما بسبب القذائف أثناء تحرير المدينة، وبينما السيارة تقطع الطريق وهي تهتز وتتأرجح بنا، كنت أحاول ان استوعب حجم الدمار الهائل الذي أصاب الأبنية والدور السكنية التي تمتد على الجانبين وأحاول أيضا ان أقدر العدد الهائل من القذائف والصواريخ التي تلقتها المدينة القديمة وكم يرقد تحت الأنقاض من قتلى، معظمهم من المدنيين الذين منعهم تنظيم «داعش» من الخروج منها وأعدم منهم العشرات حين اكتشف أمرهم وهم يحاولون الهرب باتجاه المواقع التي كان الجيش العراقي قد تمكن من تحريرها بعد ان نفدت منهم المؤنة التي كانوا يختزنونها في سراديب «أقبية» بيوتهم القديمة.
هناك الكثير من القصص التي سردها لنا ناجون من تلك المحرقة تحدثوا فيها عن موت عوائل بأكملها نتيجة للجوع، وتشير تقديرات المنظمات الدولية العاملة في العراق إلى وجود أكثر من أربعة آلاف جثة ما زالت ترقد تحت الأنقاض مع غياب تام للجهد الحكومي لانتشالها رغم تعالي أصوات الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي وفي مقدمتهم المحامي الشاب علي سعيد الديوجي الذي كان حريصا على توجيه أنظار المسؤولين الحكوميين والرأي العام إلى هذا الموضوع وضرورة الإسراع بانتشالها قبل ان يأتي موسم الصيف وغلاّ سيكون الناس أمام كارثة بيئية وصحية. وما يثير الاستغراب ان أي مرشح للدورة البرلمانية المقبلة لم يكلف نفسه زيارة المدينة القديمة واكتفى معظمهم بتعليق دعاياتهم الانتخابية فوق الخرائب.
قبل ان نجتاز الجسر القديم الذي اعيد ترميمه بعد تعرضه إلى القصف والتدمير أثناء الحرب، التفتَ السائق ناحيتي وقال لي «إن لم تف الحكومة بوعودها بعد الانتخابات وتساعد الناس المنكوبة في أموالها وأبنائها فإن هذا الأمن الذي نعيشه هذه الأيام سوف لن يدوم إلى الأبد».

الموصليون يقفون عند عتبة الانتخابات قبل أن تلتئم جراحهم

مروان ياسين الدليمي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية