بغداد ـ «القدس العربي» ـ مصطفى العبيدي: مع سباق تقدم الساعات لحسم معركة الموصل، التي تعد الأعنف والأقسى على الجميع بدون استثناء، تشتد المعركة تعقيدا وصعوبة، سواء على المقاتلين أو المدنيين العالقين بين نيران المقاتلين.
وخلال جولة لـ«القدس العربي» خلال هذا الأسبوع في أرجاء الموصل، بدأت ملامح المأساة جلية في كل ركن من أركان المدينة المنكوبة وخاصة الساحل الأيمن الذي ما زالت المعارك مستعرة فيه على أشدها رغم إعلانات استعراضية من بعض القادة العسكريين بان المعركة حسمت وان النصر تم تحقيقه، وهو ما ردت عليه خلية الإعلام الحربي الرسمية، بان إعلان النصر النهائي سيكون من قبل رئيس الحكومة، مؤكدة استمرار القوات العراقية في تقدمها حتى طرد آخر عنصر من التنظيم الإرهابي، الذي أذاق أهلنا في الموصل، مر الذل والانتهاك في كل جوانب حياتهم طوال ثلاث سنوات منذ سيطرته على المحافظة في حزيران/يونيو 2014 في سيناريو يتفق الخبراء من العسكريين والسياسيين والمواطنين العاديين، انه مؤامرة ضد أهالي الموصل وباقي المحافظات المنكوبة بالتنظيم بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى.
ورغم ان الموصل ما زالت تسمع أصوات انفجارات المعارك فيها، مع تقدم متواصل ولو انه بطيء للقوات العراقية، على أمل حسمها في أسرع وقت، فان حكايات الناس في الموصل لا تنتهي عن الفترة الاشد ظلاما في تاريخ المدينة، على يد التنظيم الذي لم يسمعوا عن دولة أو منظمة أو قوة، مارست الوحشية بكل أنواعها ضد أناس مسالمين، مثل هذا التنظيم، الذي جلب شذاذ آفاق وساديين حاقدين على البشرية من جميع أنحاء العالم، لا هم لهم سوى القتل ونهب الأموال وتخريب كل معلم حضاري، باسم الإسلام.
ولعل أبشع معاناة لا يمكن تصور فصولها لمن لم يراها، تتمثل ليس في معاناة حياة النازحين سواء في مخيمات النازحين، وقبلها في محطات التدقيق الأمني بكل ما فيه من مخاوف من الاشتباه بأحد منهم، ولكن المأساة الحقيقية الأكبر هي في عملية الانتحار الإجباري للهاربين من المناطق المحاصرة، الواقعين بين نيران متنوعة تترصد تحركاتهم عبر حقول الألغام أو نيران القناصة والهاونات التي لا يعرفون ان كانت من تنظيم «داعش» المتربص بهم على طرقات الفرار، أو من قوات صديقة يصعب عليها التفريق بين العدو والصديق في خضم حرب مفقودة الحدود والمعالم.
وفي حكايات أهل الموصل عن جوانب مختلفة من فترة هيمنة التنظيم على المدينة، تبرز جوانب خافية عن حقيقة هذا التنظيم تستدعي الوقوف طويلا في محاولة عبثية لفهم بعض جوانبها. فقد ذكر أحد سكان الموصل الفارين من الساحل الأيمن، انهم تحدثوا قبل فرارهم مع قيادي في التنظيم للتخفيف من قصفهم على الجانب الأيسر من الموصل بقذائف الهاون، كونها تقتل الناس الأبرياء هناك كما انها تدفع القوات الأمنية للرد على مصادر إطلاق النار فيقع أناس أبرياء أيضا، فكان رد القائد السادي: «إذا قصفنا على الجانب الآخر من المدينة فالقتلى هم روافض أو متعاونون معهم، وإذا قصفت القوات الأمنية والتحالف الدولي مناطقنا فسيموت أناس منافقين، وفي الحالتين، نحن المستفيدون». لذا كان عناصر التنظيم يتعمدون إطلاق النار على القوات الأمنية من أسطح بيوت المواطنين لكي يتم الرد عليهم فيؤدي ذلك ألى تدمير البيوت ومن فيها.
وتحدث آخر عن ان قيادات التنظيم الذين كانوا يسيطرون على المدينة، كانوا يعيشون حياة بذخ وراحة تتوفر لهم فيها كل مستلزمات الحياة الحديثة رغم ادعاءهم «التقشف وعشق الموت للذهاب إلى الجنة» حسب زعمهم. وكانت لديهم مولات حديثة يتسوقون منها أفضل المواد والسلع، كما تمتلئ بيوتهم بكل أنواع الاحتياجات المنزلية، في وقت يعاني أهل المدينة حولهم من البحث عن لقمة لسد رمق أطفالهم ونساءهم.
وذكر مواطن آخر، ان داعشيا من الشيشان تحدث معه، ان امه تعمل في ملهى ليلي في بلاده وتلبس الملابس القصيرة، ولو علم بها التنظيم، لطلب منه الذهاب إلى هناك وقتلها، مؤكدا ان الآلاف من الشيشانيين انضموا إلى التنظيم من أجل الرواتب والنساء، بينما ذكر داعشي فرنسي من أصل جزائري ان والديه ملحدين ولكنه يخفي ذلك عن التنظيم.
وكشف بعض سكان المدينة عن لغز انتماء الكثير من سكان الموصل لتنظيم «داعش» حيث كان التنظيم يلجأ إلى وسائل عديدة لهذا الغرض، منها استخدام التضليل الديني لخداع الشباب في مجتمع معروف عنه التدين، كما لجأ إلى سياسة التجويع لاجبار الناس للعمل معه، فلا مواد غذائية ولا وقود ولا وظائف ولا رواتب، إلا لأعضاء التنظيم، اما الآخرون فمصيرهم الحرمان من كل شيء مع اتخاذ أي مبرر ولو كان بسيطا للتنكيل بهم وانتهاك حياتهم. وقد أكد الموصليون ان العناصر السيئة وأرباب السوابق والمتضررين من النظام السياسي بعد 2003 وغيرهم في المجتمع، استفادوا من ظهور التنظيم، لكي ينضموا إليه ويحقق كل منهم غاياته، وهكذا تمكن التنظيم من ضم الآلاف إلى صفوفه، دون الاهتمام بحقيقة مواقفهم وخلفياتهم وتاريخهم.
وخلال جولة لـ«القدس العربي» في نقطة التحقيق الأمني الأولى للقوات الأمنية، المعنية بالتحقيق مع الهاربين من الساحل الأيمن، الواصلين للتو إلى المناطق المحررة، كانت مؤشرات الصدمة وانهيار المعنويات والقلق من التحقيق، واضحة على معالم الجميع، رغم انهم يعترفون انهم خرجوا من الموت الأكيد إلى الحياة الآمنة الطبيعية.
ومع ان العاملين في النقطة الأمنية، يؤكدون ان التوجيهات لديهم، بالتعامل الإنساني مع النازحين وتقديم الغذاء والعلاج لهم، إلا ان مشاعر القلق وضعف الثقة، لا يمكن اخفاءها، من احتمالات تسلل عناصر التنظيم مع النازحين الهاربين، وخاصة بعد ان تمكنوا من كشف الكثير من العناصر المطلوبة المتورطة مع التنظيم في تلك النقطة وأماكن أخرى، الذين اضطروا بعد تضييق الخناق عليهم في المساحة الصغيرة الباقية تحت سيطرتهم، إلى التسلل مع النازحين الهاربين على أمل الافلات من الأجهزة الأمنية.
وكان هناك تساؤل ألح الهاربون إلى الساحل الأيسر في طرحه، عن مدى صواب توجيهات القوات الحكومية لسكان الجانب الأيمن بعدم المغادرة قبل بدء المعركة، ثم طلب تلك القوات منهم المغادرة وسط معمعة المعركة رغم المخاطر الجمة التي واجهوها، وخاصة بعد ثبوت لجوء الكثير من عناصر التنظيم إلى استغلال نزوح السكان للتسلل بينهم والخروج من المنطقة المحاصرة. والمؤكد ان هناك الكثير من الأسرار التي ستكشف عنها معركة تحرير الموصل بعد انتهائها، ولكنها في كل الأحوال، لن تعوض سكان الموصل عن دمار مدينتهم وتشريد أهلها في أقسى معاناة يمكن ان يواجهها أي مجتمع على يد أشرس تنظيم إرهابي مشبوه الغايات والصلات.