الموصل مركز محافظة نينوى (400 كم شمال غرب العاصمة بغداد) وثاني أكبر مدن العراق، وتضم أحد أهم المدن التاريخية (نينوى عاصمة الامبراطورية الآشورية) التي تشكل جزءاً مهماً من إرث الرافدين الذي يتكون من الإرث الآشوري في الشمال والإرث البابلي في الوسط والسومري والأكدي في الجنوب، بالاضافة إلى كونها إحدى الولايات العثمانية الثلاث (البصرة وبغداد والموصل) التي تكوّن من توحدها إدارياً العراق العثماني ومن ثم العراق الحديث بعد الحرب العالمية الأولى والانتداب البريطاني. وولاية الموصل العثمانية كانت تشمل شمال العراق الحالي بمناطقه العربية والكردية (كردستان العراق) وما تحويه من أقليات دينية وقومية شكلت في ما بعد مع تشكل الدولة العراقية الحديثة موزايــيـــك الأعراق والطوائف والأديان الذي اتسمت به ديموغرافيا محافظة نينوى.
نبذة تاريخية
وحسب الإحصاء الذي أجرته قوات الاحتلال البريطاني عام 1920 ومع تداعيات ما عرف بقضية الموصل والنزاع اللاحق بين المملكة العراقية والجمهورية التركية على المدينة، نجد ان الإحصاء، رغم عدم دقته، يرسم لوحة للتنوع الموجود في نينوى، حيث نجد ان مجموع سكان لواء الموصل الذي كان يضم حسب التقسيمات الإدارية الحالية (محافظة نينوى ومحافظة دهوك وأجزاء من محافظتي أربيل وصلاح الدين) 350 ألفاً و 378 نسمة. وتوزع السكان وفقاً للمجموعات الدينية والطائفية التالية: 244،713 نسمة مسلمين سنّة (عرب وأكراد وتركمان) ويمثلون 69.8٪،و17،180 من المسلمين الشيعة (تركمان) ويمثلون 4.9٪ و 50،670 من المسيحيين بطوائفهم المختلفة ويمثلون 14.5٪ و 7،635 من اليهود ويمثلون 2.2٪ وبقية الأديان والأقليات المذهبية مثل الشبك والإيزيديين والصارلية والبرجوان فكانوا 30،180 ويمثلون 8.6٪.
الوضع الديموغرافي
قبل سيطرة تنظيم «الدولة»
بلغ عدد سكان الموصل قبل سيطرة تنظيم «الدولة» على المحافظة (3،072،854) نسمة يتوزع 60،7٪ منهم في بيئات حضرية و19،2٪ في بيئات ريفية. وتتميز محافظة نينوى بتنوعها السكاني، فوفق التقسيم الإثني يتواجد في المحافظة العرب وهم الأغلبية بالاضافة إلى الأكراد والتركمان، أما وفق التقسيم الديني فهناك المسلمون السنّة من العرب والأكراد والتركمان وهم الأكثرية في المحافظة، كما يوجد التركمان الشيعة والشبك الذين يعتبرهم البعض طائفة شيعية والإيزيديين وهم أتباع ديانة قديمة ذات علاقة بالأديان الإيرانية القديمة كالزرادشتية والمسيحيين من السريان والكلدان وبعض البروتستانت.
ان العرب السنّة يشكلون مع الأكراد غالبية سكان محافظة نينوى البالغ حوالي 3 ملايين ونصف، بينما يشكل التركمان والشبك والكلدان والسريان والآشوريين والإيزيدية ثلث سكان المحافظة. وتتكون محافظة نينوى إداريا من ثمانية أقضية، ويمكن ان نجد بعض السمات الديموغرافية التي تميز الأقضية من ناحية تمركز اثنية أو ديانة أو طائفة فيها. فالعرب والأكراد السنّة الذين يمثلون الأغلبية في المحافظة نجدهم يتركزون في مدينة الموصل عاصمة المحافظة وقضائي البعاج والحضر، كما نجد المسيحيين يمثلون غالبية السكان في منطقة سهل نينوى شرقي نهر دجلة وخاصة قضائي الحمدانية (من السريان الارثدوكس) وتلكيف (من الكلدان – الكاثوليك). كما يمثل الإيزيديون في قضائي سنجار والشيخان الأغلبية السكانية، وينتشر التركمان الشيعة في قضاء تلعفر والأكراد السنّة في عقرة، أما أقلية الشبك الشيعة فينتشرون في قرى حول مدينة الموصل وقرب قضاء تلعفر.
الوضع الديموغرافي
تحت ظل تنظيم «الدولة»
استخدم ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) سياسة التطهير العرقي في كل المناطق التي وقعت تحت سيطرته، واعتمد أعضاء التنظيم الإرهابي على أيديولوجيا تقوم على سرديات فقهية تاريخية متشددة على اجبار غير المسلمين السنة على خيارات محددة، فإما الدخول إلى الإسلام بنسخته الوهابية المتشددة أو القتل، وفي بعض الأحيان طالبوا المسيحيين بالجزية باعتبارهم من أهل الذمة أو الكتابيين حسب المفهوم الفقهي الإسلامي. إلا ان أعضاء «داعش» سرعان ما هجروا المسيحيين ونهبوا أملاكهم واجبروهم على تركها في المدينة، ونتيجة ذلك تم تفريغ المدينة من طيفها الديني والطائفي بعد ان نفذ أتباع التنظيم القتل والسبي والتهجير والاستعباد بحق الإيزيديين بشكل كبير، كما طالت الكارثة كل الآخرين المختلفين مثل الشيعة والشبك. وتعرضت معابد الأقليات إلى التدمير الممنهج على أيدي مقاتلي التنظيم عبر تفجير الكنائس والجوامع والحسينيات والمعابد، في خطة سعت إلى اجتثاث الآخر المختلف من مناطق نفوذ التنظيم. والكارثة ان هذه العمليات التي تندرج تحت توصيف (جرائم ضد الإنسانية) ساعد في ارتكابها السكان المحليون في المدينة أما خوفا من سطوة التنظيم أو طمعا في التقرب منه والحصول على بعض الفوائد من ذلك، وهذا الأمر أدى إلى مشاكل طائفية وقبلية بدأت بوادرها تشتعل في المناطق التي تم تحريرها من المحافظة.
خطورة التغييرات الديموغرافية
تشير الباحثة في علم الاجتماع د.أسماء جميل في دراستها (المشكلات الاجتماعية والنفسية لسكان محافظة نينوى وآليات معالجتها) إلى ان التغييرات الديموغرافية من أخطر ما ستواجهه مدينة الموصل بعد زوال «داعش» لما تتركه من آثار بعيدة الأمد على تركيبة المدينة الإثنية والدينية، وما يرافقها من انقسامات سكانية وتقويض لقواعد العيش المشترك وانتهاكات لحقوق الإنسان والشعور بالمظلومية، فضلاً عن أن هذه التغييرات ستكون من أهم أسباب عودة الصراعات وإثارة النعرات الطائفية وروح العداء.
وتعرضت المحافظة إلى نزوح مليوني في بدء سيطرة تنظيم «الدولة» على المدينة إذ غادرها ما يزيد على نصف مليون فرد خوفا من العمليات العسكرية، لكن وفي غضون أيام عادت نسبة كبيرة منهم واقتصرت الهجرة على الأقليات التي مارس التنظيم ومن تعاون معه بحقهم تطهيرا عرقيا كما حصل في مناطق سنجار ضد الإيزيديين التي شهدت مذبحة تاريخية شملت قتل الرجال واستعباد النساء والأطفال والذين ما يزال مصير الآلاف منهم مجهولا لانهم بيعوا في مناطق مختلفة كان التنظيم يسيطر عليها في سوريا والعراق. كذلك كان حال المسيحيين الذين هجروا من سهل نينوى باتجاه مدن كردستان أولاً ثم هجرة نسبة كبيرة منهم باتجاه ملاذات آمنة توفرها لهم دول العالم في أمريكا وأوروبا، أما الشيعة التركمان فقد هربوا بعد تعرضهم لمجازر راح ضحيتها الآلاف وأصبحوا من اللاجئين في المدن ذات الغالبية الشيعية في جنوب العراق، كذلك كان حال عشرات الآلاف من المدنيين الهاربين من جحيم المعارك الذين يعيشون في معسكرات اللاجئين في كردستان العراق.
مصير المناطق المحررة
ولا يزال الكثير من المهجرين يجدون صعوبة كبرى في العودة لمدنهم المحررة نتيجة حجم الدمار الذي طال البنية التحتية ولحال المنازل التي دمرت أو التي تحوي قنابل لم تنفجر، كذلك كانت هناك مشاكل أخرى، إذ ان مجموعات سكانية أخرى لن تتمكن من العودة إلى مناطقها بسبب عمليات الترحيل والتهجير الجماعي التي تمارس من قبل بعض الجماعات انتقاماً ممن يعتقدون انهم مناصرون وداعمون لتنظيم «الدولة» وبهدف خلق مناطق ذات لون قومي أو ديني واحد. وهو ما حدث في مناطق تلكيف وسنجار منذ تحريرها في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2015 إذ تقوم جماعات غير معروفة بتهجير العرب المسلمين من عشيرة الحديد الذين يمثلون أقلية مسلمة تعاونت مع التنظيم وساعدتهم على اضطهاد المسيحيين والإيزيديين داخل هذه المناطق حسب ما أشار له ناشطون مدنيون.
مستقبل نينوى
تشير د.أسماء جميل في دراستها عن مشاكل التغيير الديموغرافي في محافظة نينوى إلى ان الهجرة والترحيل سيؤديان إلى خلق مناطق مغلقة ذات لون واحد تقوم على أساس إثني أو طائفي ومثل هذا الفرز السكاني سيقضي على نمط المناطق المختلطة وهو ما سيتسبب في ازدياد حدة التوتر واذكاء روح العداوة والتعصب تجاه المجموعات الأخرى والمجالات الحيوية وخلق مناطق ذات سمات عدائية (مناطق معادية ومناطق خطر ومناطق تهديد) من جهة، ويهدد بانحسار الهوية الموصلية بل الوطنية حيث يتم التحول أو اللجوء إلى الهويات المحلية أو الأثنية أو الطائفية، ويصاحب هذا الانحسار فقدان مشاعر الانتماء للوطن الكبير من جهة أخرى.
ونتيجة الظروف والأسباب آنفة الذكر نجد ان محافظة نينوى اليوم ومع اقتراب اكتمال التحرير تعاني من ضبابية المستقبل، فمناطق تحررت مثل سنجار التي يسيطر عليها بيشمركه حزب العمال الكردستاني التركي تعاونهم ميليشيا من الإيزيديين أشرفوا على تدريبهم، لا تريد ان تبقى ضمن المحافظة، كذلك حال قضاء تلعفر الذي تحاول فصائل الحشد الشعبي الشيعي ان تحقق انتصارا فيه لانها منطقة ذات أغلبية شيعية تركمانية، بينما سهل نينوى بمناطقه المسيحية وبعض القرى الإيزيدية تسيطر عليه بيشمركه الحزب الديمقراطي الكردستاني ضمن ما يعرف بالمناطق المتنازع عليها بين الحكومة المركزية وحكومة الإقليم، ولا أحد يعلم ما هو مستقبل هذه المنطقة بعد الإعلان عن الاستفتاء الشعبي حول استقلال إقليم كردستان في ايلول/سبتمبر المقبل واحتمالية توتر العلاقة بين بغداد واربيل، كما تجدر الاشارة إلى ان قوات الجيش ومكافحة الإرهاب والشرطة الاتحادية هي التي تسيطر على أغلب أقضية ومدن المحافظة. لكن من جانب آخر فان قوات حرس نينوى بقيادة المحافظ السابق أثيل النجيفي تطالب أن تكون هي القوة التي تمسك الأرض بعد تحريرها. بينما تجد أصواتاً تتعالى هنا وهناك بتحول محافظة نينوى إلى إقليم بسلطات فدرالية شبيه بإقليم كردستان للتخلص من قبضة بغداد والأحزاب الشيعية المسيطرة فيها والمتحالفة مع بعض القوى السنّية في المحافظة. كل هذه النزاعات ستكون لها انعكاستها السكانية التي ستترجم على الأرض على شكل إعادة صوغ للخريطة الديموغرافية للمحافظة.
صادق الطائي