برغم التعتيم الاعلامي على الحرب المستمرة على اليمن، فثمة جوانب عديدة مرتبطة بها تستدعي التوقف والقراءة المتمعنة نظرا لما تنطوي عليه من ابعاد وانعكاسات مستقبلية. ومن هذه الجوانب: مبدأ وقف اطلاق النار، وانتهاكات حقوق الانسان الناجمة عن الحرب التي تتصاعد مع استمرارها، ومدى تماسك الجبهة الداخلية، وآفاق الحل وما اذا كان عسكريا ام سياسيا.
الجانب الاول يتمثل بضعف الدعوات لوقف الحرب. فلم يحدث من قبل ان شنت حرب على بلد بدون ان ترتفع اصوات دولية عديدة لوقفها. ربما تنطلق الدعوات لوقف اطلاق النار نتيجة عرض مشاهد الدمار الانساني والمادي على شاشات التلفزيون، او بسبب مواقف ايديولوجية من الدول المعارضة للحرب. وبرغم قلة الدعوات المنادية بوقف الحرب التي تقودها المملكة العربية السعودية على اليمن، الا ان بعضها انطلق منذ الايام الاولى، بدأها الامين العام للامم المتحدة، ثم روسيا وبلدان اخرى. ومن المتوقع تصاعد الضغوط لوقف اطلاق النار خصوصا بعد ان تنتشر مشاهد الدمار والمعاناة الانسانية في هذا البلد الفقير. فهناك في اليمن ما يشبه الاجماع بين ما كان يسمى سابقا «محور الاعتدال العربي» والدول الغربية خصوصا الولايات المتحدة وبريطانيا.
وهذه الدول تشارك بشكل او آخر في الحرب بدوافع مختلفة عن الوقائع. كما ان هناك تناغما بين دور المؤسسات الاعلامية وسياسات الدول المذكورة، ادى لعدم تغطية ما يجري بالشكل الذي قد يحرك الرأي العام ضدها.
فهل يعقل ان لا تحظى تلك الحرب التي يفوق عدد ضحاياها خمسين شخصا يوميا بخبر في هيئة الاذاعة البريطانية مثلا او سي ان ان؟
الجانب الثاني يتمثل بحجم استهداف المدنيين وما اذا كان ذلك يمثل جرائم حرب او انتهاكا لحقوق الانسان. وفي غياب التغطيات الاعلامية المناسبة تغيب الحقائق وتتضارب الارقام.
واصدرت جهات عديدة بيانات تشجب قتل المدنيين والاطفال، وتحدث البعض عن «جرائم حرب» ارتكبت على نطاق واسع. وباستهداف مخيمات اللاجئين والمدارس ومحطات الكهرباء والمصانع توسعت دائرة الانتهاكات، وبدأت المنظمات الحقوقية الدولية تبدي شيئا من الاهتمام بذلك. ومن ضمن الانتهاكات احكام الحصار على البلاد جوا وبحرا وبرا، ومنع وصول الادوية والاغذية لشعب يتجاوز عدد سكانه 23 مليونا. ونقلت وكالات الانباء الاسبوع الماضي إن سفنا حربية من التحالف الذي تقوده السعودية منعت سفينة تحمل أكثر من 47 ألف طن من القمح من دخول ميناء يمني وتطالب بضمانات من الأمم المتحدة بألا تذهب الشحنة إلى عسكريين. كما رفضت مرارا السماح لطائرات روسية محملة بمساعدات انسانية بالهبوط في مطار صنعاء. وهناك ما بين ثلاث وأربع سفن أخرى بالقرب غير قادرة حاليا على دخول المياه اليمنية.
وعلى صعيد ثالث، كشفت الحرب على اليمن تماسكا داخليا لم تتوقعه القوى المشاركة في تلك الحرب التي كانت تعتقد ان الحرب ستدفع قطاعات شعبية واسعة للتمرد على جماعة انصار الله والجيش والاحزاب السياسية التي تناست خلافاتها وانطلقت بروح وطنية لشجب الحرب والمطالبة بوقفها. والشعوب العريقة تمتلك عادة شعورا بكرامة وطنية ويشعر افرادها بالتماسك والتقارب، ولا تسمح للاختلافات العرقية او الدينية بالتأثير على الوشائج الوطنية. صحيح ان التدخلات الخارجية لاثارة النعرات تؤثر على التلاحم الوطني احيانا، ولكن سرعان ما يتغير الوضع. وهذا ما حدث في لبنان بعد الحرب الاهلية، ويتكرر الآن في ضوء التحديات الامنية المحدقة بذلك البلد نتيجة استهدافه من المجموعات المسلحة في سوريا. وحتى العراق الذي اثيرت فيه الطائفية بابشع صورها على نطاق واسع بدأت كافة اطرافه بادراك خطرها وضرورة رص الصفوف في مواجهة التحديات الآتية من الخارج. وفي الاسبوع الماضي قال نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن إن هجوم تنظيم داعش على شمال العراق في الصيف الماضي حفز الفئات المتنافسة في البلاد على أن تتوحد لقتال عدو مشترك.
وثمة بعد رابع لا يقل اهمية. فالمواطنة الشريفة ترفض تدخل الآخرين عسكريا في شؤون بلدانهم، لما لذلك تبعات بعيدة المدى وانعكاسات سلبية على التماسك المطلوب لتحقيق الامن والوئام بين ابناء المجتمع الواحد. وهذا ما حدث في باكستان ايضا التي رفضت المشاركة في الحرب السعودية على اليمن لسببين اساسيين: اولهما انها حرب هجومية وليست دفاعية، ولا تريد باكستان ان تشارك في حرب ضد شعب مسالم لم يرتكب جرما. وثانيهما ان الطلب السعودي من باكستان يتضمن شروطا تؤثر على تماسك الجيش الباكستاني الذي يعتبر الجهة الاقوى في ذلك البلد، والتي منعت تفككه او هزيمته امام الظاهرة الارهابية. كما ان تركيا هي الاخرى تشعر ان البعد الطائفي للحرب اضعفها وقلل من بريقها. يضاف إلى ذلك قناعة الجميع ان البعد المذهبي يستخدم لاغراض سياسية. فالسعوديون تحالفوا مع الزيديين ضد مصر عبد الناصر التي كانت طرفا في الحرب في 1962. فما الذي تغير من الناحية الدينية او المذهبية؟ حدثت تغيرات سياسية واختلفت التحالفات والولاءات فأثيرت الطائفية للتشويش على المشهد. أغلب اليمنيين يملك من الوعي ما يحصنه ضد محاولات ضرب الشعب بعضه ببعض، ولذلك اجتمعت كلمتهم على رفض ما يعتبرونه عدوانا خارجيا على ارضهم وسيادتهم ووحدتهم. وشجعهم على هذه الوحدة ما رأوه من استهداف لكافة البنى التحتية لليمن، وهي ليست ملكا لجماعة دون اخرى. فقصف المطارات والملاجىء ومخازن الاسلحة والمصانع لا ينسجم مع دعوى استهداف جماعة انصار الله. هذا التماسك يزيد مبادرات الحل السياسي تعقيدا، فمن وقف من اليمنيين مع الحرب اصبح مرفوضا في الداخل، فكيف يكون طرفا في التسوية؟
البعد الخامس يتمثل بالحديث المتواصل حول المخرج من الازمة. فبعد عشرين يوما من الحرب الجوية والبحرية ومحاولات الا نزال البرية، ازدادت قبضة الجيش وانصار الله على البلاد، فقد سيطروا على اغلب محافظاتها ومن بينها عدن وشبوة. اعادة التموضع على صعيد الاقليم، وتغير التحالفات في ما يرتبط بالحرب على اليمن، وتراجع احتمالات الاجتياح البري بعد رفض باكستان وتركيا المشاركة في الحرب، واعلان البلدين رغبتهما في العمل مع إيران لانهاء الملف الطائفي والتركيز على محاربة الارهاب، وما يبدو من احتقان في صفوف العائلة المالكة السعودية، كل ذلك يزيد الوضع تعقيدا ويقلص فرص التسوية السياسية التي لن تحقق الاهداف التي شنت الحرب من اجلها. فماذا بعد؟ وهل تكون اليمن بوابة حرب اقليمية واسعة في الشرق الاوسط كله؟
٭ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن
د. سعيد الشهابي