تونس ـ «القدس العربي» من عبدالدائم السلامي: تُجبرنا ظروف معيشنا اليومي على أن نُصدِرَ أحكاما أخلاقية أو نُواجه أخرى، سواء في مجال السياسة أو في مجال التواصل الاجتماعي. وهي أحكام نصدرها أو نتلقاها دونما وعيٍ منّا بكونها تُمثّل «قضايا» تحتاج منّا إلى حسن تدبيرٍ حتى نتمكن من فهم طبيعتها ونعرف كيف نتعامل معها، وهو ما مجالُ ما يُسمى الميتا- إتيقا. وإذا كانت الإتيقا ومنظومة الأخلاق تختصان بمعالجة المسائل المتصلة بكيفيات تقييم الأفعال البشرية، فإن جهدَ الميتا- إتيقا (ما فوق الإتيقا أو الإتيقا النظرية) ينصبُّ على دراسة طبيعة الأحكام الإتيقية والأخلاقية في حَدِّ ذاتها. هكذا تُحدّدُ الباحثة السويسرية آنيا ليزير مجالَ اشتغالِ «الميتا- إتيقا» (وهو عنوان مقالتها)، وإن كانت لم تُبيّن فيها ما يوجد بين الإتيقا والأخلاق من اختلافٍ دَلالي، ذلك أن ما عليه رأيُ أغلب المفكرين الآن هو أن لفظة الأخلاق تُحيل إلى مجموعة من القيم المعيارية الكبرى التي لا تخاطب فردًا بعينه، وتُمكّن الناسَ من التمييز بين الخير والشرّ، وبين العدل والظلم، وبين الجمال والقبح، وهي ذات حمولة انفعالية وغالبا ما تكُون مَحَلَّ توافق عامٍّ، في حين أن الإتيقا، أو فلسفة الأخلاق، هي تفكير منطقي تُحْدِثُ به المجموعةُ الاجتماعية مساءلةً لمنظومة الأخلاق ذاتها، وتنتهي منه إلى تحديد ممكناتِ وجود بشري يُحقق فيه الفرد، فِعليًّا، الخيرَ الأسمى الذي هو السعادة الأرضية.
الذاتيُّ والأخلاقيُّ
تذهب الباحثة آنيا ليزير إلى القول إن من الأسئلة النموذجية التي يمكن للإتيقا طرحها هو سؤالٌ يتمحور حول معرفة إن كان قتلُ إنسانٍ ما هو دوما عمل خاطئ أخلاقيًا، فإن لم يكن الأمرُ كذلك، فما هي الظروف التي تجعل حُكمَنا حول قتل الإنسان صائبا أو خاطئا. لنفترض أنه بعد نقاش طويل استنتجنا أنَّ قتل أُناس أبرياء هو دوما خطأ من منظور أخلاقي، هنا سيكون دور الميتا- إتيقا التساؤل حول الكيفية التي يتمّ وفقها فهمُ هذا الحكم «قتل أناس أبرياء هو دوما خطأ». هل أن هذا المعطى يعبر عن قانون مشابه لذاك الذي نعرفه من العلوم الطبيعية؟ أو هو يعبر عن إحساس ذاتي؟ هل لدينا فقط انطباع بأنه يعبر عن شيء مّا ذي أهمية في حين أنه في الواقع مجرَّدُ حُكْم ليس له أي معنى على الإطلاق؟ ولتحليل هذا الأمرِ تقترح الباحثة بعض الوضعيات الميتا- إتيقية التي تُمَكن من تسليط الضوء على مختلف نقاشات الميتا- إتيقا ومواضيعها على غرار التأويلات الإتيقية الكبرى وهي العَدَمية والنسبية والواقعية والطبيعية.
تؤكد العدمية الإتيقية أنه لا يوجد شيء صائب أو خاطئ أخلاقيا، وأن الأحكام مثل «قتل أناس أبرياء هو دوما عمل خاطئ» لا يمكن أن تكون صحيحة أو خاطئة، من حيث أن الأحكام الأخلاقية لا تتوفّر على أيِّ قيمة منطقية، على اعتبار أن القيمة أخلاقية إنما هي معطى مثل عبارة «هذه الصخرة تزن 30 كيلوغراما»، فهي تتضمن قيمة منطقية قابلة لأن تكون خاطئة أو صائبة، إذْ بالإمكان وضعُ تلك الصخرة على الميزان والتأكد من كونها تزن فعليا 30 كيلوغراما. على عكس ذلك فمعطى مثل «الديمقراطية ذات رائحة تشبه العسل» لا يمتلك أي قيمة منطقية بما أنه لا يمكن أن يكون صحيحا أو خاطئا: لأنه بكل بساطة فاقدٌ للمعنى.
وإذا كانت العدمية الأخلاقية مُحقّة في أحكامها، وكانت أحكامها فاقدة للمعنى، فكيف إذن يمكن تفسير أن كثيرا من الناس كافحوا من أجل تأكيد الأحكام الأخلاقية ويواصلون كفاحهم من أجلها إلى حدِّ اليوم؟ توجد فرضيات عديدة حول هذا الموضوع: البعض منها يقدم أصحابُها حُججا تقول إنه عندما يتخذ البشر أحكاما أخلاقية فهم في الواقع يُعبِّرون فقط عن عواطفهم ومشاعرهم، أو عمّا يؤثر فيهم. وهكذا فإنه حين يقول شخص مّا «إنّ عصير الطماطم مقرِف» فهذه الجملة لا تُعبر هنا عن أيّ حكم أخلاقيّ، وإنما تُعبّر عمّا يُفضِّله ذاك الشخص. وهذا الأمرُ يمكن أن ينسحب أيضا على قول شخص آخر: «قتل أناس أبرياء هو أخلاقيا خطأ»، ذلك أنّ هذه الجملة، رغم أنها تبدو كحكم أخلاقي، لا تُعبر في الواقع إلا عن عواطف ومشاعر صاحب القول لأنه لا يحب أن يتم قتل أناس أبرياء.
نسبية الأحكام الأخلاقية
تذهب النسبية الأخلاقية إلى القول بوجود خصائص إتيقية في أحكامنا، ولكنها تظلّ دوما نسبية. وفي هذا السياق، ومن منظور أخلاقي، يرتبط الصواب والخطأ كليا بكل فرد وبثقافته الخاصة، وبالمجتمع الذي يعيش فيه. ترى البنائية الإتيقية، وهي شكل من أشكال النسبية الإتيقية، أنّ الأشخاص هم ذاتهم الذين يُحددون ما هو صائب وما هو خاطئ. ومثالُ ذلك إننا حين نرغب في إبرام عقد أو وضع اتفاقية فإننا نُحدِّد ما هو صواب وما هو خطأ في إطار عملية تفاوض. وفي هذا السياق ذاته، فإن مراغبَنا وقناعاتنا وأفكارنا تلعب دورا حاسما في تأسيس ما هو صائب وما هو خاطئ من وجهة نظر أخلاقية. الذاتية الإتيقية تشكل نوعا آخر من النسبية الإتيقية، وهي تنطلق من مبدأ ينصّ على أن بعض الأحكام الأخلاقية هي صائبة أو خاطئة، رغم أن هذه الأخيرة (الأحكام) لا تسري إلا على الفرد المُحدَّد.
تؤكد الواقعية الإتيقية وجودَ خصائص أخلاقية في أحكامنا، تعود إلى أسباب موضوعية خارج الذّات. فهي ترى، على خلاف النسبية الإتيقية، أنّ الأحكام الأخلاقية لا تعتمد على قناعاتنا أو على أفكارنا، وإنما على أسباب مستقلة عن الفكر. فالأحكام الأخلاقية الصائبة موجودة بشكل موازٍ لقوانين الطبيعة. يعني هي موجودة بمعزل عن أفكارنا وعن قناعاتنا. وهنا تُطرح مسألة معرفة الكيفية التي يتمّ بها تحديد صواب أو خطأ حكم أخلاقي ما.
تُقرّ الباحثة آنيا ليزير بوجود مقاربتين لهذه المسألة: مقاربة الإتيقا الطبيعية ومقاربة الإتيقا غير الطبيعية. يعتبر أنصارُ الإتيقا الطبيعية أنه يمكن ردُّ الصواب الأخلاقي والخطأ الأخلاقي إلى خصائص طبيعية، أو على الأقل هما يعتمدان بشكل أساسي على خصائص طبيعية. والخصائص الطبيعية تنشئ أحوالا/أحكاما يمكن فهمها عبر أساليب علمية. فإذا أدمجنا على سبيل المثال عبارة «سيئ أخلاقيا» مع عبارة «سبب معاناة كبيرة» سيصبح بإمكاننا قياس أيّ الأفعال يمكن اعتبارها أخلاقيا الأفضل أو الأسوأ من أخرى غيرها، هذا على الأقل في معنى ما يمكن في إطاره إثباتُ المعاناة وقياسُها. أما في ما يتعلق برأي أنصار الإتيقا غير الطبيعية، فهم يعتبرون أن الصائب أخلاقيا والخاطئ أخلاقيا لا يعتمدان على الخصائص الطبيعية أو على الأقل لا يعتمدان عليها وحدها. بعض هؤلاء يؤكد أنه من الممكن معرفة الصائب أخلاقيا والخطأ أخلاقيا بفضل «الحدس الأخلاقي». فيما يذهب آخرون إلى القول إن المعلومة الكافية حول حالات أخلاقية ملموسة قد تمكننا، بديهيا وبدون الحاجة للعلوم الطبيعية، من تحديد أي الأفعال صائبة وأيّها خاطئة من وجهة نظر أخلاقية.