القاهرة- «القدس العربي» من : أقيمت على هامش أسبوع النقاد الدولي بمهرجان القاهرة السينمائي مؤخرا حلقة بحث عن السينما المصرية وأفلام النوع، بالتعاون مع برنامج الثقافات المرئية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة تحدث فيها كل من ميشيل سيرسو، سلمى مبارك، أحمد حسونة، رانيا يحيى، المخرج سمير سيف، عرب لطفي ومالك خوري.
قالت سلمى مبارك استاذة الأدب بجامعة القاهرة ان إعادة اكتشاف الميلودراما في السينما المصرية كشكل فني سهل العودة لأصولها، مؤكدة أنه نوع هجين مر عبر فنون عديدة، بدأ بالمسرح ثم الرواية ثم السينما، ظهر في القرن الـ18 في أعقاب الثورة الفرنسية، وارتبط بحقبة من التقلبات الاجتماعية والثقافية، أطلق عليها «درامب» أو دراما مصاحبة بالموسيقى، لكنها ليست كالكوميديا الموسيقية، فهي عبارة عن فقرات موسيقية تتخلل الشخصيات، لكن الجمهور سريعا ما مل تلك النوعية.
وأضافت: «ما بين عام 1800 و1830 ظهرت الدراما على المسرح الأوروبي وكان القرن الـ18 العصر الذهبي للميلودراما، واشتهر فيه كتاب عظام مثل ايملي برونت وتشارلز ديكنز، وتدين لهما الميلودراما بالكثير، أما بالنسبة للسينما وبعيدا عن القوالب الدرامية البحتة، أصبحت الدراما أسلوبا يتخلل أنواعا أخرى مثل قصص الحب وقصص الحرب، وتلك كانت وجهة نظر بيتر برونكس، أما إدجار مورا، فيرى أن الدراما إحياء لتقاليد من الحكايا الشعبية.
من جانبها رات المخرجة فيولا شفيق ان هذا الاتجاه بدأ مع السينما المصرية في فيلمي «زينب» و»ليلى»، واستخدام هذا النموذج في هذه الفترة، وهي فترة المد القومي والحركة النسوية كان مناسبا. واشار الناقد السينمائي محسن ويفي إلى أن الدراما سيطرت على أنواع السينما المصرية مثل، كوميديا الفارس واستمر حتى مع ميلاد التيار الواقعي. فيما يرى نقاد آخرون أن الميلودراما ما هي إلا نوع من أنواع الضحك على المشاهد.
وترى سلمى مبارك أن نظام الشخصيات في الميلودراما يعتمد على الشخصيات المتناقضة، مثل شخصية نعمت في فيلم «انا بنت ناس» التي تجسد هويتين، الهوية الشخصية للفنانة فاتن حمامة، والثانية هوية شخصية بطلة الفيلم، وهي ضحية. والضحية دائما تعاني من نقص ما، سواء من الأهل أو المال، واليتم وهي من الحالات الدارجة في الميلودراما وغياب الأب مثل دعامة دائمة للميلودراما والصراع بين الخير والشر الذي دوما ينتهي بانتصار الحق على الباطل. وأوضحت ان نموذجا مثل فيلم «أيامنا الحلوة» نجد تطويرا للشكل الدرامي الكلاسيكي وأيضا القصة تبدأ بالخروج وعنوان الفيلم يدل على البهجة، لكن خلفها دلالات البهجة والحزن، وذلك عكس الاتجاه السائد في الميلودراما، والبطلة في الفيلم أيضا ضحية لليتم والفقر، ونجد في الفيلم ثنائية شهيرة من ثنائيات الدراما، وهي الجهل المعرفي، فهي يتيمة مجهولة النسب فدائما نجد الشخصيات تتوجس منها لجهل المعرفة بها وتجتهد في تعريف نفسها للمجتمع، ونجد في الفيلم كل خصائص الدراما: ثنائية الحزن والفرح – ثنائية الجهل والمعرفة – الضحية – ثنائية الفقر والثراء – اليتم – المبالغة في الود والشهامة – المرض والبحث عن شخصية الشرير، وعندما نبحث عن شخصية الشرير في الفيلم لا نجد. وفي رأيي ان الشرير هنا هو المرض «السل».
وتؤكد مبارك أن السمة البصرية والسمعية تمهد لمأساة البطلة، فنجد تقاطعا ومساحات الظلال والنور، وهذا الشكل من الإضاءة يضفي الكآبة للمشهد والسمة الثانية لموسيقى الفيلم التي تأتي من مصدرين الأول، أغاني عبد الحليم حافظ والثاني الموسيقى التصويرية لآرام خشمونيان.
وتشير سلمى مبارك إلى أنه ما بين عامي 1951 و1955 حدث تطور داخل نوع الميلودراما، ونحن أمام نوع عنده ديناميكية عالية عنده تطور باستمرار وذلك يجعلنا نبحث عما يميزه في السينما المصرية.
من جانبه انتقل الناقد والمخرج أحمد حسونة، إلى نوع آخر من السينما وهو «الفيلم نوار» وهو نوع فرنسي اكتشفه النقاد الفرنسيون في الخمسينات بعد الحرب العالمية الثانية. وأكد حسونة ان في تلك الفترة كان استيراد الأفلام السينمائية من الولايات المتحدة الامريكية الى اوروبا يواجه صعوبات كثيرة، وفي تلك الفترة أسس النقاد الفرنسيون عددا من المجلات السينمائية المتخصصة، لعل أشهرها «كراسة السينما» وحين بدأ الاستيراد يجد طريقه وتراجعت الصعوبات بدأت الافلام الامريكية تعرض في دور السينما الاوروبية وحينها وجد النقاد أن السمة الغالبة عليها هو «طابع الجريمة» وأطلق عليها «أفلام الجريمة السيكولوجية»، والتعبير هنا جاء من الروايات الشعبية الخاصة بالجريمة، وكتب عنها العديد من النظريات، ولعل من أشهر أفلام تلك الفترة فيلم «الصقر الملطي» وشعر الجمهور الفرنسي بأن هناك أفلاما مختلفة عما اعتاد عليه، خاصة في الشكل والمضمون والشخصيات نفسها، الشكل يعتمد على مناطق نائية وعادة الكادرات تكون مائلة وتلك الكادرات مأخوذة من السينما الألمانية، وصناعة السينما في مصر بدأت بالتأثر بالسينما الألمانية. وكثير ممن دشنوا صناعة السينما في مصر تلقوا دراسات في المانيا عن السينما واستوردوا التعبيرية الالمانية للسينما المصرية، ويضيف حسونة «إن شخصيات (الفيلم نوار) ليست بطولية وغير محددة ماهيتها هل هي خير أم شر مثل الميلودراما، بل هي شخصيات غير واضحة بها نوع من الازدواجية في تركيبتها، والحبكة لا تكون واضحة مثل الميلودراما».
بينما اشارت رانيا يحيى الأستاذة بالمعهد العالي للنقد الفني لنوع آخر من السينما وهو «الكوميديا الموسيقية «، حيث أكدت أن الكوميديا الموسيقية هي نوع من الفنون يعتمد على تركيز الحوار، أيا كان نوعه، عاطفيا أو كوميديا، يعتمد على الاستعراض والحوار يكون متوازيا معه مع وجود الأغاني والموسيقى في الفيلم.. وقد حدث بعض الخلط بين الملهاة الموسيقية والكوميديا الموسيقية، رأى بعض النقاد أنهما يختلفان عن بعضهما بعضا وذلك غير صحيح.
وتعرف رانيا يحيى الفيلم الموسيقى قائلة «نجد أنواع الموسيقى تتفرع في الدراما وفيه اوبرا وتتعادل الموسيقى مع الرقص والحوار، وغالبا تتعادل ككيان اساسي مع الاعمال الادبية، مثل فيلم «مغني الجاز» لآلان بروسلين الذي كان أول فيلم موسيقي غنائي، أما الفيلم الكوميدي فهو فيلم يعتمد على الفكاهة لتحقيق المتعة للمشاهد، وليس كل فيلم به غناء وموسيقى هو فيلم غنائي، فهي نوع من الافلام الموسيقية لكن الاخيرة ستظل هي النوع الأشمل الذي يميزه عن بقية الأفلام.
واشارت الى أن السينما في مصر بدأت كوميدية مثل فيلم «الخالة أمريكا» الذي قدمه علي الكسار عام 1920، ثم ظهرت الأفلام الموسيقية مثل «ليلى» وهذا يعود إلى طبيعة المناخ السائد في مصر آنذاك، فكان الترحيب كبيرا بالكوميديا، وتضيف أن المخرج محمد كريم، هو أول من اهتم بالافلام الموسيقية وأخرج عدة أفلام للموسيقار محمد عبد الوهاب، وتبعه المخرج نيازي مصطفى.
مخرجة الأفلام التسجيلة عرب لطفي قالت ان السينما «الأسلوبية الواقعية» تميزها الأساسي عن المسرح وغيره من الفنون هو أنها تملك القدرة على رصد الواقع من خلال الكاميرا، وتستطيع التعبير عن بنية الحياة التي تعبر عنها، رغم أن في بداياتها تأثرت بالمسرح حتى تطورت لغتها وأصبحت اللغة السينمائية هي لغة التعبير في الدراما.
واضافت ان السينما المصرية شهدت تحولات اسلوبية منذ بدايتها بعيدا عن تأثيرات السينما العالمية السينما المصرية، تطورت بعد تأثرها بالسينما الأوروبية، مثال فيلم «العزيمة» لكمال سليم، الذي عمل به صلاح أبو سيف كمساعد له، والذي قاد بعد ذلك تيار الواقعية الجديدة في السينما المصرية، طابع هذا الفيلم يحمل الكثير من المبالغة ويعتمد على الديكورات المصنوعة والتمثيل فيه أقرب للطابع المسرحي، وتضيف عرب: «جاء بعده فيلم «السوق السوداء» فقد وجدته يحمل المشاكل نفسها مع عدم التقليل من الموضوع الذي ناقشه الفيلم، وكان شائكا وقتها، ما أدى لمنع الفيلم لكن هذا الفيلم أضاف ملمحا مهما جدا من ملامح الاسلوب الواقعي، وهو الطابع التسجيلي احد سمات السينما الواقعية. وبمناسبة النزعة التسجيلية لن نجد أهم من الفيلم الصامت الأول في السينما المصرية وهو «برسوم يبحث عن وظيفة» لرائد السينما في مصر المخرج والمنتج محمد بيومي، انطلقت الكوميديا من الواقع وعرض المجتمع من الناحية الطبيقة والدينية.
المخرج سمير سيف قال إن السينما الهندية استلهمت من السينما المصرية القديمة هذا المزج السائد في سينماتهم الان، الذي يحتوي على الفنون الاستعراضية والحركة والعاطفة، وأكد انه لا ضرر ان يكون فيلم الحركة مقتبسا من سينما اخرى في العالم، لكن لابد من اتقان صنعه جيدا، فكل افلام الحركة المصرية مأخوذة من افلام امريكية وعالمية، لكن لانها نفذت بجودة عالية تماهى المشاهد معها، ونسي الاصل المأخوذة منه، فيلم الحركة يرتبط دائما بالتقدم التكنولوجي ونجاحه مرتبط بسخاء الانتاج وتوفر الميزانيات الضخمة له.
رانيا يوسف