الميليشيات الشيعية غيرت اسم «جرف الصخر» إلى «جرف النصر» خرجت «داعش» ودمرت البلدة وبقيت رائحة الموت

حجم الخط
3

لندن ـ «القدس العربي»: «كان علينا ان ندمر المدينة لننقذها»، كان هذا شعار الجيش الأمريكي في فيتنام، ويبدو أن الجيش العراقي والميليشيات الشيعية المتواطئة معه قد أتقنت الدرس وتعلمته حرفيا، فالبلدات القليلة التي استعادتها الحكومة العراقية من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية هرب منها سكانها ودمرت بيوتها وحرقت، وهو ما أدى بالمقاتلين الأكراد البيشمركة للشكوى من تصرفات الميليشيات هذه خاصة «قوات بدر» و»عصائب الحق» و»كتائب حزب الله» وهما جماعتان مرتبطتان بالحرس الثوري الإيراني.
وتكرر الدرس في برج الصخر، البلدة التي سيطرت عليها القوات العراقية بمساعدة من ميليشيات الشيعة.ففي تقرير لمراسلة صحيفة «واشنطن بوست» لوفدي موريس قالت فيه إنه تم تغيير اسم البلدة الواقعة على ضفاف الفرات من «جرف الصخر» إلى «جرف النصر». «ولكن زيارة يوم أول أمس الثلاثاء لهذه البلدة السنية كشفت وبوضوح عن الثمن الباهظ لهذا النصر، فقد افرغت من سكانها 80.000 نسمة، وتم محو كل البنايات: من الغارات الجوية والقصف المدفعي والتفجيرات». فبعد أشهر من المعارك بين تنظيم الدولة الإسلامية والجيش العراقي، تدفق حوالي 10.000 من الميليشيات الشيعية المؤيدة للحكومة على المنطقة في المرحلة الأخيرة للعملية حسب هادي العامري الذي قاد ونسق قوات بدر.
ولتحقيق الغرض وتأمين النصر تم إفراغ البلدة من كل سكانها وتسوية معظها بالتراب مما يكشف عن طبيعة المعركة التي تواجهها حكومة بغداد في المناطق التي لا تلعب التركيبة السكانية لصالحها.
وتشير الكاتبة إلى أن استهداف البلدة الواقعة في محافظة بابل جاء لتأمين الطريق السريع الذي يمر منه ملايين الشيعة ممن يحيون ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي.ولا تبعد البلدة سوى 20 ميلا عن مدينة كربلاء مسرح مقتل الإمام الحسين ومركز احتفالات الشيعة، وفي الآونة الأخيرة زاد المتشددون من هجماتهم على الطريق المؤدي للمدينة في محاولة منهم للتأثير على الإحتفالات التي تمتد على مدار شهر.

مواكب النصر

وبعد تجريف وتسوية البلدة بالتراب غادر المقاتلون الشيعة جرف الصخر يوم أول أمس الثلاثاء في حافلات وشاحنات بعدما سلموها لقوات الأمن وقد أضحت خرابا.وتشير الكاتبة إلى أن رائحة الموت انتشرت في وسط البلدة.وبعد الدمار يقول قادة الميليشيات الذين نقلت عنهم الصحيفة إن «القوات الشيعية لم يعد بإمكانها البقاء في المنطقة، فوجودهم سيؤدي لإثارة الجدل والإتهامات بممارسة القتل الطائفي، مع أن هناك تقارير تتحدث عن ارتكاب عمليات انتقامية بعد انتصار جرف الصخر».
وتضيف الكاتبة لوفدي موريس إنه «لم يكن من الصعب اكتشاف السبب الذي انتشرت فيه التقارير هذه، فقد مرت قافلة من الشاحنات كانت متجهة شمال البلدة ومن مكبرات الصوت المركبة عليها انبعثت موسيقى صاخبة، دينية وحماسية، وكان الرجال على متن الشاحنات في حالة من الجذل ويلوحون بعلامات النصر وعلى مؤخرة الشاحنة علقت جثة أحد المقاتلين من «داعش»و كانت متعفنة».
وعندما حاولت الصحافية تصوير الجثة أظهر قائد الميليشيات الغضب.ويقول قائد من بدر اسمه أبو مسلم إن المتطوعين «يشعرون بالقلق لأننا نقتلهم» و «لكنهم قتلونا في سبايكر» في إشارة للقاعدة العسكرية التي قتل فيها داعش 700 من الجنود العراقيين في بداية الحملة السريعة التي سيطر فيها التنظيم على معظم شمال العراق في حزيران/ يونيو.
ورغم خروجهم فقد عبر قادة الميليشيات عن مخاوفهم من عدم قدرة القوات الأمنية النظامية الحفاظ على المنطقة التي خرج منها «داعش»، فالجيش العراقي يعاني من مشاكل تسرب للجنود وهروبهم ومن فساد القادة العسكريين وهو ما أدى لانهيار فرقه أمام مقاتلي التنظيم.
ويقول العامري إن الميليشيات أو قوات «الحشد الشعبي» كما يطلق عليها رفضت نداءات من الجيش لمساعدة المحافظات السنية مضيفا أن عمليات واسعة فيها قد تؤدي إلى توتر طائفي.

دور إيراني

ولكن عملية جرف الصخر لها أهمية دينية خاصة. ويقال إن إيران حليفة العراق لعبت دورا فيها.فقد أظهرت الصور التي نشرت على الإنترنت هادي العامري إلى جانب قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس» التقطت في ساحة المعركة أي في جرف الصخر.وعندما سألت الصحافية العامري عن صحة الصور قال «أقسم أنه لم يكن موجودا هنا اليوم»، لكن ضابط شرطة محلي تحدث للصحافية عن مشاركة جنود إيرانيين في المعركة، فيما سمع موظف يعمل لصالح «واشنطن بوست» أشخاصا يتحدثون باللغة الفارسية.ونفى قاسم السوداني، أحد قادة كتائب حزب الله التي شاركت في معركة جرف الصخر وجود قوات إيرانية، ولكنه لم ينف وجود أفراد بعينهم.
وبعد تدمير البلدة لا يعرف أحد مصيرها فمن غادرها من السكان لن يعود إليها في المدى القريب ومن قرر البقاء فيها حتى الأسبوع الماضي اعتبر مقاتلا حسب أحد قادة بدر «اعتبرنا كل عائلة بقيت من القاعدة أو داعش».
ويقول القيادي إن عملية جرف الصخر «قصمت ظهر داعش» وأظهرت أنه يمكن هزيمة التنظيم هذا.ولكن عملية كهذه جاءت بثمن باهظ وتركت المدينة بلا سكان، وليست «صالحة للسكن» كما يقول هذا القيادي.
مما يعني أنه لو تكرر السيناريو في كل المدن والبلدات الواقعة تحت سيطرة «داعش» فسيتم تهجير السنة وتدمير كل مناطقهم، «من أجل انقاذهم من سيطرته «، فيتنام جديدة في العراق.وهو ما أدى بالمعلق المعروف توماس فريدمان المقاربة بين «داعش» وحرب فيتنام في مقاله بـ «نيويورك تايمز».
وجاءت مقاربة فريدمان عقب زيارته لفيتنام حيث التقى هناك مع طلاب الجامعة ، وعبر هؤلاء عن إعجابهم بكل ما هو أمريكي ورغبتهم بزيارتها، العمل والدراسة فيها.وتساءل عن السبب الذي أدى بأمريكا للدخول في حرب مع هذا البلد، حرب دفعت فيتنام إلى أحضان عدوة أمريكا وهي الصين.
ويعترف فريدمان أن قصة أمريكا مع فيتنام معقدة جدا وفي جوهرها كانت تعبيرا عن الفشل في فهم طبيعة الصراع باعتباره دراما سياسية محلية تتعلق بالتحرر من الإستعمار وليس اعتناق الشيوعية العالمية كما فهمت أمريكا.
ويقول فريدمان إن كلا من شطري فيتنام الشمالي والجنوبي كانا يدعمان الشيوعية ويعبران في الوقت نفسه عن موقف وطني، لكن الشيوعيين في الشمال كانوا قادرين على حفز وتعزيز الرؤية الوطنية أكثر من رفاقهم في الجنوب الذين نظر لهم كحفنة من الفاسدين الفاقدي الشرعية.
فقد استطاع الحزب الشيوعي في الشمال الحصول على دعم الفيتناميين ليس لأن معظمهم كان يحب ماركس أو لينين ولكن لأن الزعيم هوشي منه ورفاقه كانوا في نظر الغالبية قادة وطنيين حقيقيين.

الوطنية السنية

ويرى الكاتب أن نفس الوضع يصدق على العراق الذي استطاع فيه المقاتلون من «داعش» أو حفنة منهم السيطرة على مناطق واسعة في كل من العراق وسوريا، ليس لأن السنة العراقيين والسوريين يؤمنون برواية «داعش» أو يعترفون بخليفته الذي نصب نفسه حاكما، فـ «الكثيرمن سنة العراق وسوريا لا يريدون تزويج نسائهم للمقاتلين الشيشان الملتحين»، فقد استسلموا أو دعموا «داعش» لأنهم تعرضوا للإنتهاك المنظم على يد النظامين المؤيدين للشيعة وإيران، بشار الأسد في سوريا، ونوري المالكي في العراق، ولأنهم يرون فيه أداة لإحياء الوطنية السنية ضد اضطهاد الشيعة لهم. ويرى الكاتب أن التحدي الأكبر الذي تواجهه الولايات المتحدة هي محاولتها هزيمة «داعش» من خلال تحالف تكتيكي مع سوريا وإيران التي يقوم حلفاؤها من الجماعات الشيعية بالقتال في العراق وسوريا.
مع أن معظم السنة العراقيين والسوريين ينظرون لإيران كـ«دولة استعمارية» تحاول السيطرة على العراق والإبقاء عليه ضعيفا.وهنا يقول فريدمان إن أمريكا التي كانت مهووسة بالخطر الشيوعي، شنت حربا على فيتنام وحلت بالتالي محل المستعمرين الفرنسيين.
ويتساءل إن كانت أمريكا تكرر السيناريو نفسه في العراق وسوريا «فهل يدفعنا الهوس بالجهادية و9/11 لتكرار نفس التجربة في العراق وسوريا؟» ويضيف «هل تمثل الجهادية للوطنيين السنة ما مثلته الشيوعية للقوميين الفيتناميين؟»، أي حركة أيديولوجية مخيفة تثيرالمشاعر للرد على الغرب.
ويتساءل ماذا سيكون الحال لو لم يتبن «داعش» الأساليب البربرية وأعلن قائلا «نحن الدولة الإسلامية، نحن نعبر عن مصالح السنة في سوريا والعراق، السنة الذين عانوا من الترويع على يد النظامين اللذين يوجههما الفرس في دمشق وبغداد، ولو كنت شاكا فيما نقول فما عليك إلا أن تبحث في محرك البحث غوغل تحت «بشار الأسد والبراميل المتفجرة» والميليشيات الشيعية واستخدام آلة النقر لقتل السنة» وستروا ما عانيناه بعد مغادرتكم أيها الأمريكيون، هدفنا هو تأمين مصالح السنة في العراق سوريا ونريد منطقة سنية «سنستان» مستقلة مثل كردستان الأكراد، ونطالب بحصتنا من ثروة العراق النفطية».
ولو حدث هذا لحصل «داعش» على دعم واسع بين السنة.ويشير الكاتب لمقال في مجلة «داعش» الرسمية»دابق» الذي حذر فيه كاتبه من الحرب الصليبية التي تخوضها الولايات المتحدة ضده والتي لا تخدم سوى أعداء أمريكا، أي إيران وروسيا.
واستشهد الكاتب بمقالات لاستراتيجيين أمريكيين حذروا من الحزام الشيعي الذي أقامته إيران من طهران عبر بغداد إلى بيروت.
وإذا كان هذا هو الوضع فلماذا أعدم «داعش» الصحافيين الأمريكيين؟ لأنه تحالف من المقاتلين الأجانب والعشائر السنية وضباط حزب البعث العراقي السابق، و»أشك في أن الجهاديين القادة يريدون جر الولايات المتحدة لحرب صليبية ضد المسلمين، مثلما فعل أسامة بن لادن، وذلك من أجل تفعيل وجذب المسلمين من كافة أنحاء العالم وبهذه الطريقة يتجاوز «داعش» ضعفه وهو أن معظم السنة في العراق وسوريا انجذبوا إليه باعتباره أداة في حربهم الطائفية وليس لأنهم يدعمون دولة إسلامية طهورية».
وفي النهاية يدعو الكاتب لإحتواء «داعش» قبل أن يزعزع استقرار واحات مستقرة مثل الأردن وكردستان ولبنان.
ويتساءل ماذا عن تدميره؟ يجيب الكاتب إن تدميره صعب لأن شعبية «داعش» لا تقوم على فانتازيا الخلافة ولكنها تقوم على المظالم ضد السنة.وعندما يتم التفريق بينهما فيمكن والحالة هذه القضاء على التنظيم.
والطريقة الوحيدة لإبعاد السنة عنه هي التشارك في السلطة بين السنة والشيعة.

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية