يمكن للمشاهد أن يستعبط تماما عندما يستهبله مذيع محطة «سما» السورية الناطقة بإسم النظام الديكتاتور، وهو يسأل وزيرا ضاحكا نفهم من مقابلته أنه مختص بشؤون المياه السؤال التالي: معالي الوزير… المواطن الذي قال إن المياه لا تنقطع عن حارته إطلاقا هل هو جار لأحد «المسؤولين المهمين» مثلا… ما رأيك بتفسير هذا الأمر؟
شعرت فورا أني في بالصف الخامس الإبتدائي وشاشة المحطة السورية تخاطبني والجواب الطبيعي للوزير على هذه المداخلة: لا يا إبني… كل مواطن سوري اليوم تصله المياه وبانتظام وبصرف النظر عن مكان إقامته أو هوية جيرانه.
لولا العيب لأكمل وزير المياه ومعه عريف برتبة مذيع مسلسل الإستهبال والإستغفال لكن البث المباشر يفسد دوما الخطط، فقد قفزت إمرأة من الحسكة لتقول على الشاشة: معاليكم… أنتم ليش ناسيين الحسكة وأهلها… المياه معاليكن تصلنا لنصف ساعة وكل خمسة أيام مرة واحدة فقط.
عرضت المواطنة الحسكاوية مشكلتها ومشكلة سورية وكأنها تغني..»المي مقطوعة يا أفندي».
داعش وتسميم مياه السوريين
لزوم الجعصة إياها «تنحنح» وزير المي وتبعثر وتلعثم قليلا، ثم استدعى العلبة إياها: لازم المواطن السوري يعرف جيدا أن إرهابيي ما يسمى «داعش» لوثوا آبار المياه ومحطات التنقية وحاولوا تسميم الشعب السوري.
كلام الوزراء العرب دائما تبريري ومنقوع بـ»الدهلزة»، لكن أخونا السوري زاد في الأمر و»حرق البن»، كما يُقال لأني أعرف شخصيا بان حكومة ألمانيا المهتمة بدورها ليس بعطش الشعب السوري، بل باستثماراتها في مجال البنية التحتية للمياه تتوسل النظام السوري منذ سنوات أن يتوقف عن تفجير محطات التنقية وخزانات المياه والسدود، وبالتالي عن»تعطيش درعا والمنطقة الجنوبية وغيرها»، حتى تحصل الشركات الألمانية على عقود إصلاح الشبكات والخزانات.
السبب بسيط، وكما قال «غوار الطوشة» في مسرحية «ضيعة تشرين»: «هي ألمانيا مو قليلة»… فعلا ألمانيا مو قليلة لأنها تعلم أن عقود «إصلاح « شبكات المياه والتحلية تستطيع الحصول عليها خلافا لعقود وعطاءات بناء محطات جديدة، فالثانية حصة الدب الروسي أو الضبع الأمريكي.
نسخة برمائية من داعش
يسألني المذيع النشط في محطة «اليرموك» الفضائية الزميل عمر العياصرة بشكل مباشر عن الأسباب، التي تدفع الجميع لعدم التطرق إلى كتيبة «خالد بن الوليد»الموالية لـ»داعش» في حضن نهر اليرموك، والتي ما زالت موجودة ولا تتعرض لأي قصف أو مطاردة أو إستهداف؟
سؤال لا يمكن تجاهل أهميته فهذه الكتيبة بتعداد صغير قياسا بكتائب «داعش»، التي ذابت فجأة مع هياكلها ومؤسساتها ورموزها ومشايخها.
اللافت للنظر أن منتحلي صفة «خالد بن الوليد» يجلسون باسترخاء في حضن جبل يحيط بالحدود مع الأردن وسورية وبالقرب من إسرائيل، دون أن يتحرش بهم أحد، وأذكر أن رئيس الأركان محمود فريحات في مقابلته التلفزيونية اليتيمة مع «بي بي سي» ألمح إلى أن هذه الكتيبة على بعد كيلومتر واحد من الأرض الأردنية.
أعرف شخصيا أن النشامى يستطيعون لو سمح لهم المعطى الدولي والإقليمي إلتهام هذه الكتيبة عسكريا بسقف زمني لا يتجاوز وجبة إفطار.
معنى الكلام عن كتيبة «خالد بن الوليد»، التي توالي الخليفة أبو بكر البغدادي وتتوسع في خِرب وقرى ومزارع مجاورة «باقية وتتمدد» كنسخة عاقلة من التنظيم نسبيا تشطف رجليها في مياه نهر اليرموك وتستجم بقرار «دولي وإقليمي»، فلا أحد يقصفها لا من جهة النظام أو روسيا، ولا من جهة القوات الأمريكية القريبة!
يعني باختصار شركة «داعش الدولية العابرة للقارات ما زال لديها عمل، وثمة وظيفة لبعض بقاياها تخدم بعض الأطراف أو كلها.
إسطوانة … «هيبة الدولة»
لا يمل مذيع نشرة الأخبار في التلفزيون الأردني من إظهار الخشونة اللازمة وهو يشدد على الأحرف عندما ينطق عبارة «هيبة الدولة» وهي العبارة التي يتحدث عنها جميع الأردنيين من القمة للقاع، لسبب أو بدونه أحيانا.
انتحرت هيبة الدولة لشهرين في أحداث بلدة الصريح المؤسفة، وأطلقت الرصاص على رأسها ونحن نشاهد نشميات أردنيات يقتلن يوما تلو الآخر من قبل المجتمع الذكوري الذي تغرق بعض أوساطه بكل أصناف النفاق.
كاد لسان أحد أعضاء البرلمان يخرج من حلقومه وهو يصيح مطالبا بمسطرة واحدة لهيبة الدولة على شاشة محطة «اليرموك».
كثرة الحديث عن الهيبة المفقودة هي الدليل العملي على «اخفاق الجميع» في السلطة والمجتمع.
التهديد بذراع القانون وباستخدام قوة الدولة وأجهزتها والتكشير… كلها أساليب واسطوانات غير مفيدة وثبت أنها لا تردع الأردني عندما يقرر ارتكاب جريمة.
ما يفيد بدلا من كثرة الكلام هو حصريا ثورة معرفية واجتماعية تبدأ من الصف الأول الإبتدائي مع خطة طويلة الأمد ينفذها وطنيون يتميزون بطول النفس ولا يبحثون عن لقب أو وظيفة أو راتب.
مدير مكتب «القدس العربي» في عمان
بسام البدارين