مالَ المُثقّفُون إلى اليسار، ليس إلى كل اليسار. ثمَّة من هُم يسار تاريخي، فقط. أما من حيث المبدأ والعقيدة، فإنهم شَوَّشُوا موْقِعَهُم، وأصبحُوا لا هُم يسار، ولا هُم يمين، ولا هُم وسط. كل الألوان، ولا لَوْن، كُل الوجوه، ولا وجه.
ما اعْتُبِر خياراً ثالِثاً، كان نوعاً من إدانَةِ ما تبقَّى من يَسارٍ، خصوصاً اليسار الذي يعيش على إيقاع انشقاقاته، وما تعرفه بيوتاتُه من تصدُّعاتٍ، وصراعاتٍ على الزَّعامة والمناصب، وقد باتَت الترشيحات للانتخابات التشريعية، في المغرب بمثابة العَصا التي تشُقّ البحر إلى مائَيْن، وتُضاعِف تشردُم اليسار، وما تعرفه أحزابُه من نزيف داخلي، هو ما يجعل من جِسْمِه عليلاً، يتوهَّم الحياة، في ما هو يموت بأعطابه الكثيرة، التي لا تفتأ تتناسخ، وتكبر، مثل وَرَمٍ خبيثٍ.
مبادرة توجيه رسالة إلى نبيلة منيب، من قِبَل مئة مثقف، من شعراء، ومفكرين، وباحثين، وكُتَّاب، من مختلف الحساسيات والأعمار، كانت بمثابة، رسالة مفتوحة إلى كُل أحزاب اليسار. فحين يصير الصراع في الساحة السياسية، هو صراع، كما تَمَّ اخْتِلاقُه، بين «قُطْبَيْن» فقط، والباقي هو مجرّد كومبارس، آنذاك، يمكن لصوت المثقف أن يجهر بحقيقة ما يجري، أو ما يُحاك، في تهميش اليسار، واستبعاده، أو حَشْره في الزاوية، مقابل حَصْر الصراع، داخل «الإسلامويين» و «المخزنيِّين»، باعتبار هؤلاء، هُم البديل الحداثي، الذي يُدافع عن قِيَم التنوير، ويقف في وجه «الظلام» الذي يمثله حزب «العدالة التنمية»، ومن يُساندونه من السلفيين.
خروج المثقفين، في أكثر من موقف، وفي أكثر من حالة، إبَّان الانتخابات التشريعية، وحتى قبلها، هو وضعٌ للأمور في سياقها، وإشارة إلى أنَّ خيار المثقفين الحداثيين، ليس هو «الأصالة والمعاصرة»، ولا هو «العدالة والتنمية»، ولا هو اليسار التاريخي التقليدي، ممثلاً في حزب «الاتحاد الاشتراكي» وفي حزب «التقدم والاشتراكية»، الذي قلب الطاولة مُبَكِّراً على الجميع، وانْحازَ إلى «العدالة والتنمية»، في تحالُف، بدا فيه باهتاً، لم يتدخَّل لتغيير ما جرى من منكر في القضايا الاجتماعية الحسَّاسَة، التي كانت سبب التوتُّرات والاحتجاجات التي ما تزال مستمرة إلى اليوم، بل إنَّ خيار المثقين، في أغلبهم، كان هو «فيدرالية اليسار الديمقراطي»، أي هذا التَّحالُف، الذي كان بمثابة لحظة الأمل، ليس بما يمكن أن يحققه هذا اليسار في الانتخابات من مقاعد، بل كنوع من التسخين، والاستعداد لِما هو آتٍ. ولعلَّ في قراءة الرسالة من قِبَل بعض الأحزاب المحسوبة على اليسار، دون فَهْم مضمونها، هو ما جعل بعض هذا اليسار، يوجه سلاحه، نحو الفيدرالية، بدل أن يعتبر هذا التحالف، هو مقدمة، لِما يمكن أن يحدث من تحالفات في المستقبل، للخروج باليسار، كاملاً من عُنُق الزجاجة، وما يعيشه من انحسار، في علاقته بالجماهير، وبالشبان بصورة خاصَّة، هؤلاء الذين هُم رهان المستقبل.
لم يكن توقيع المثقفين على بياض، ولم يكن حصول الفيدرالية على مقعدين فقط، هزيمة للمثقفين، بل إنّه كان إيذاناً بظهور خيار ثالثٍ، يُبْطِل هذه القطبية المزعومة، التي لم يفهم من روَّجَ لها، أنَّ أيّ دولةٍ، نظامُ الحكم فيها يعمل باليمين أو بالوسط، دون يسار، هي دولة معطوبةٌ، تشبه الطَّائر الذي يسعَى للتحليق بجناح واحد، فيما جناحُه الآخر، مُقيَّد، أو مكسور، عمْداً. حرية التحليق في سماء مفتوحَة على زُرْقَتِها، لا تكون إلاَّ بأجْنِحَةٍ تَنْعَمُ بريشها كاملاً، لا بجناح خَللُه في واحدِيَتِه، التي هي إبْطال لجسم الطائر كاملاً، وتعتيم على زرقة السماء، ذاتِها، وعلى ما فيها سَعَة ورحابة.
٭ شاعر مغربي
صلاح بوسريف