الكتابة الإبداعية تقتضي في مقدماتها الفنية لغة خاصة يرتقي بها الكاتب بنصه الإبداعي حتى يفترق بلغته عن الكلام العادي، الذي عادة ما يتداوله الناس في حياتهم اليومية، من غير أن يحدثوا في مفرداته أي تغيرات، لتبقى محصورة في دلالتها الشائعة والمتداولة منذ عشرات السنين، بمعنى أن المفردة في الكلام اليومي لا تخرج عن معانيها المحدَّدة والمقولَبة في إطار معجم الذاكرة الجمعية الشفاهية، ولا يخطر في بال من يتداولها سوى إيصال معنى محدد متفق عليه مسبقا في بيئته الاجتماعية، في الوقت نفسه تغيب عن عامة الناس فكرة التلاعب في المفردة أثناء تفاعلهم وتعاملهم اليومي، لأجل اشتقاق أو نحت أو ابتكار دلالة جديدة لها، وإذا ما حصل ذلك سيكون في أغلب الأحوال عن طرق الصدفة، ولكنها ستبقى متداولة في دلالتها الجديدة ضمن إطار ضيق جدا، وربما ستحتاج إلى زمن طويل حتى تتمدد في تداولها إلى مساحة أوسع، وربما تبقى في إطار المجموعة الصغيرة التي شهدت ولادتها العفوية.
ومن هنا غالبا ما تكون اللغة الأدبية الخاصة بالمؤلف حاجزا يقف بين النص والمتلقي، لأن المفردة لدى المبدع تنزاح في سياق حضورها النصي إلى دلالة جديدة تفترق بها عن دلالتها المتداولة في الكلام اليومي، وهذا الافتراق في الدلالة ليست له مساحة واضحة ومحددة، كما أنها لن تكون ساكنة في لحظة زمنية بقدر ما ستصبح في حالة من التحول الدائم طالما هناك قراءات مستمرة وجديدة للنص.
نتيجة لذلك ربما يخسر الكاتب مساحة كبيرة من الجمهور عندما يقدم نصه الأدبي رغم أهمية ما يحمله من تجربة خاضها أثناء عملية الكتابة بما حملته مفردات لغته من بنية فنية ومحتوى عميق، وفي أغلب الأحوال لن ينجو من هذه الإشكالية حتى لو أن لغته استندت في بعض تفاصيل النص على مفردات استلها من الكلام اليومي، التي عادة ما يستعملها الناس في احاديثهم الخاصة وفي قضاء حوائجهم وأعمالهم.
في هذه الإشكالية التي تتعلق بطبيعة العلاقة التي يرتبط بها المؤلف مع القارئ من خلال لغة النص، لا بد من أن يطرح على نفسه أسئلة جوهرية تتعلق باللغة التي ينبغي عليه أن يؤسس منها وعليها عمله، هذا إذا ما اتفقنا على أن أي نص بمثابة تجربة إبداعية تحمل بنية خطابها رسالة تتوجه إلى القارئ بغض النظر عن محتواها.
وعلى ذلك لا بد أن يكون المؤلف على قدر كبير من الحرص في مسألة اختيار اللغة التي يتحقق من خلالها فعل التواصل والتفاعل المتبادل مع المتلقي في الوقت ذاته الذي يحرص فيه على الارتقاء بلغته إلى مستوى التحليق بدلالة مفرادته داخل فضاء التأويل.
ستبدو هذه المهمة صعبة إذا ما تعامل المؤلف في نصه الإبداعي (رواية أو قصيدة أو قصة) مع مفردات الكلام اليومي المتداول، ليزيح المفردات إلى منطقة جديدة من التدوال الجمالي المتحرك بعيدا عمّا يسكنها من دلالة ساكنة لا تتزحزح من زمكانيتها، وإذا ما نجح في اشتغاله هذا سيصل إلى ما يحلم به أي مبدع في أن يكون له جمهور واسع من القراء وبمستويات مختلفة من الذائقة. وهناك نماذج من الكتاب على قلتهم توفرت في نتاجاتهم هذه اللغة (السهلة الممتنعة) حيث تتآلف في بنيتها البساطة والشفافية مع محمولات مفرداتها من دلالات قابلة للتأويل، بالشكل الذي يجعلها قادرة على أن تحقق ما يصبو إليه الكاتب في إيصال تجربته إلى مساحة واسعة من القراء، وفي الوقت نفسه يحافظ على مستوى عمله من الناحية الفنية، ومثل هؤلاء الكتاب عادة ما يكون وجودهم بشكل عام محط احتفاء في المشهد الأدبي وكذلك لدى القراء.
المشغل الثقافي والإبداعي العراقي كان شاهداً على عدد محدود هؤلاء الكتاب والمؤلفين الذين اتسموا بقدر عال من الموهبة والذكاء والتميز في لغتهم، فتمكنوا من أن يؤسسوا لهم مكانة رفيعة في الوجدان الثقافي، سواء بين أوساط المثقفين، أو لدى عموم القرّاء، وحتى بعد غيابهم عن الدنيا لم تتأثر مكانتهم أو تتراجع ، ونستطيع القول إن بعضهم أصبحوا بمثابة أيقونات في الذاكرة الثقافية الجمعية، على سبيل المثال: عالم الاجتماع العراقي علي الوردي، والكاتب المسرحي يوسف العاني، والشاعر الشعبي الملا عبود الكرخي، كما نال من هذا النصيب الكاتب شمران الياسري (ابوكاطع) الذي اشتهر بكتاباته النقدية الساخرة في سبعينيات القرن الماضي، وجاء من بعده الكاتب داوود الفرحان فنال من الاهتمام والشهرة بين أوساط القراء العراقيين بمختلف مستوياتهم الثقافية. واليوم ربما سيضاف إليهم الكاتب مفيد عباس، وهو اسم جديد في عالم الكتابة كان قد فرض نفسه أولاً بصفة مدوّن في موقع (الفيسبوك) وأصبح لتدويناته اليومية متابعون يزدادون يوماً بعد آخر مع استمرار تدويناته التي يسردها بلغة ذكية تتفاعل مع مفردات الكلام اليومي، ضمن سياق سردي يستعير تقنياته التشويقية في القص من أسلوب الحكواتي الشعبي، وهذا ما ساهم بشكل أساسي في أن يرتفع رصيد صفحته من القراء والمتابعين، ونزولا عند رغبتهم جمع كل ما دوّنه على صفحته في موقع الفيسبوك في كتاب صدر عن دار الحكمة في لندن نهاية عام 2017 حَمَل عنوان «كلكم عيوني» وهذه الجملة لوحدها تكفي لمعرفة طبيعة اللغة التي يكتب بها مفيد عباس، لأنها تحتمل القراءة باعتبارها لغة عربية فصحى وفي الوقت نفسه يمكن قراءتها مثلما تلفظ عادة في اللهجة البغدادية الدارجة على لسان العامة من الناس، للتعبير عن المحبة والتقدير في ما بينهم. وبمناسبة صدور الكتاب اقيم حفل توقيع له في نادي الصيد العراقي في العاصمة العراقية بغداد نهاية شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي حضره جمع غفير من متابعي صفحته في موقع الفيسبوك إضافة إلى كتاب ومثقفين.
المدون مفيد عباس الذي أصبح كاتبا بعد هذا الإصدار توفرت في لغته مواصفات القادر على الإمساك بالمفردة البسيطة التي تقع ما بين اللهجة الدارجة واللغة العربية الفصحى، بالشكل الذي يجعلها تصل إلى القراء بدون تعقيد واستئذان بمختلف شرائحهم ومستويات ثقافتهم، ولعل ذلك يعود إلى أنه قد اعتمد بنية سردية قائمة على استعارة حكايات واقعية من الحياة اليومية العراقية، كما أن معظم شخوص حكاياته أناس ظرفاء لهم ملامحهم المعروفة في الأوساط الشعبية، ولم يكتف بذلك بل كان حريصا على أن يسرد حكاياته بأسلوب هو اقرب إلى شخصية (القَصَخُون) كما هي المفردة متداولة في الذاكرة البغدادية الشعبية (مقابل كلمة الحكواتي) خاصة في المقاهي، حيث يجتمع يوميا حوله رواد المقهى ليقص عليهم الحكايات، التي غالبا ما يعرفون تفاصيلها، إلاّ أن أسلوبه المميز في الحكي هو الذي يجعلهم ينجذبون إلى سماعها مرة وأخرى، بدون أن يشعروا بالملل وكأنهم يسمعونها للمرة الأولى.
بمتلك مفيد عباس مواصفات (القصخون) البغدادي في أسلوب سرده للحكايات بعد أن ينقشها بالأمثلة الشعبية والتلميحات الطريفة والنقد اللاذع لمظاهر الحياة الاجتماعية والسياسية، وإن اسمه ربما سيضاف إلى قائمة الشخصيات الثقافية البغدادية ذات النكهة الشعبية التي عرفتها الثقافة العراقية، خلال العقود الماضية إذا ما حافظ على خصوصية أسلوبه وارتقى به.
٭ كاتب عراقي
مروان ياسين الدليمي