باريس ـ «القدس العربي»: قرر الناشط الفرنسي المثير للجدل أراش دورامباش رئيس حملة «أوقفوا التبذير» نقل حملته إلى باقي البلدان الأوروبية والعالم العربي بشكل خاص، بعدما نجح في إجبار الحكومة الفرنسية على سن تشريع جديد يعاقب مبذري المواد الغذائية بالسجن والغرامة وإجبار الأسواق التجارية على توقيع عقود مع المنظمات الخيرية بهدف التبرع لها بفائض ما تبيعه من منتوجات غذائية.
وقال دورامباش الذي يشغل مهمة عضو المجلس البلدي لضاحية «كوربوفوا» الباريسية في حديث لـ «القدس العربي» أن ما أنجزه في فرنسا بات بالنسبة إليه حافزا لفتح معركة مطالبة الحكومات الأوروبية في تبني تشريعات تعاقب المبذرين للطعام، وكذلك في البلدان العربية خاصة دول الخليج التي تشهد عمليات تبذير وتخلص من الطعام بكميات مهولة.
وتقول الأرقام إن كل فرد في فرنسا يرمي بما لا يقل عن واحد وخمسين كيلوغرام من المواد الغذائية كل عام لا تزال صالحة للاستهلاك، سبعة في المئة منها لا تزال ملفوفة في غلافها الأصلي ولم تفتح بعد، بينما ترمي الأسواق التجارية الكبرى وحدها بنحو أربعين كيلو غراما من المواد الغذائية في قمامة النفايات كل مساء وتلقي عليها مادة جافيل لضمان عدم استهلاكها من قبل آخرين.
واستجابة لحملة توقيعات حملها إليها الناشط أراش دورامباش قدمت الحكومة تشريعا جديدا أمام البرلمان وحظي بموافقته، يحظر على المتاجر الكبرى التي تتجاوز مساحتها 400 متر مربع التخلص من الطعام والمواد الغذائية غير المباعة ويعاقب المخالفين بغرامات كبيرة وقد يصل الأمر إلى السجن.
ووفق التشريع الجديد باتت المحلات التجارية والأسواق الممتازة في فرنسا ملزمة بتوقيع اتفاقيات مع منظمات ومراكز خيرية تقضي بالتبرع لها بالغذائية والأطعمة التي قاربت مدة انتهاء صلاحيتها، أو منحها مجانا لمزارعين بهدف استخدامها سمادا أو علفا للحيوانات.
وتصل عقوبة مخالفة التشريع الجديد الذي سيدخل حيز التنفيذ في فرنسا بدءا من العام 2016 المقبل إلى السجن لمدة عامين وغرامة مالية قدرها 75 ألف يورو، حيث يأمل نشطاء منظمة «أوقفوا التبذير» أن ينجح القانون الجديد في القضاء على ظاهرة تخلص المحلات التجارية من أطنان من الأطعمة والمواد الغذائية التي لا تزال صالحة للاستهلاك برميها في القمامة كل مساء، وإتلافها بوضع مادة «جافيل» عليها.
وفي رده على سؤال لـ«القدس العربي» بخصوص مدى استجابة الأسواق والمحلات التجارية للقانون يقول الناشط الفرنسي دورامباش، أنه سعيد جدا بتبني البرلمان التشريع الجديد رغم أنه يعتبر ذلك غير كاف وسيواصل المعركة.
وأضاف «إلى حدود الأمس كنت أتوجه إلى إدارة المحلات والأسواق التجارية الكبرى لأطلب منهم التوقف عن التخلص من المواد والأطعمة الغذائية برميها في القمامة وإتلافها وأن هناك الكثير من الجائعين في فرنسا وفي قارات أخرى يستحقونها، فكانوا يسخرون مني ولا يسـمـعــون حتـى كــلامــي، الآن الأمر يخـتلـف بعد أن بات القانون يعاقب المبذرين وسيجدون أنفسهم مجبرين على التبرع بفائض الطعام إلى المنظمات الخيرية».
وبحسب الناشط الفرنسي فإن معركته لم تنته بعد، وأنه سيطلق خلال أسبوعين حملة مماثلة في اوروبا من خلال الدعوة إلى وقف الهدر الغذائي ومطالبة المفوضية الأوروبية بتبني أهداف حملته ومطالبة الحكومات في أوروبا بسن تشريع مماثل لذلك الذي صوت عليه البرلمان الفرنسي بموافقة كبيرة من النواب».
وقال «لن اكتفي بفرنسا وأوروبا سأطلق حملتي في كل العالم وسأوجهها بشكل خاص أيضا إلى العالم العربي الذي يسرف فيها الفرد أيضا في الهدر الغذائي، حيث ان كل شخص في الدول العربية يلقي كميات كبيرة من الأطعمة الغذائية في القمامة كل عام وأتمنى أن أنجح في ايجاد منظمات محلية تعمل في المجال الإنساني تتبنى فكرتي وتساعدني في إيصالها إلى من يهمه الأمر في الدول العربية».
وبحسب الناشط فإن قراره نقل معركته إلى اوروبا والعالم العربي جاء بعد أن تأكد له بعد بحوث ودراسات على أن هناك ملايين الناس حول العالم يتضررون من الجوع وليس لديهم ما يسد رمقهم، بينما في اوروبا ودول الخليج وحتى في الولايات المتحدة واستراليا يتم رمي ملايين الأطنان من الأغذية الصالحة للاستهلاك في براميل القمامة، وهو يضع حكومات بعض الدول أمام مسؤولياتها، وباتت مطالبة اليوم بسن تشريعات تجرم هذه السلوكات الإسرافية، كما حدث في فرنسا.
ويقول الناشط الفرنسي إن كمية الأغذية التي يلقي بها كل مواطن في الخليج في قمامة الأزبال وكميات الطعام التي تهدر هكذا تصل قيمتها إلى أكثر من ثلاثين مليار دولار سنويا وهو رقم مهول ومخيف على حد تعبيره.
وسخر من البيان الصادر عن الاتحاد الفرنسي للتجارة والتوزيع «اف.سي.دي» والذي أعلن فيه أنه من الخطأ استهداف المتاجر الكبرى فقط والتي يقول الاتحاد إنها تساهم فقط بأقل من خمسة في المئة من اجمالي الطعام المهدر.
وشكك صاحب فكرة معاقبة المحلات التجارية المبذرة للطعام في الرقم المعلن من قبل الاتحاد الفرنسي للتجارة والتوزيع بحجة أنه أجرى دراسات وبحوث وقام بزيارات ميدانية للوقوف على كميات الطعام التي يجري التخلص منها كل مساء.
وكان تقرير أممي صادر في الموضوع قد كشف أن نصف كمية الغذاء المنتجة في العالم يكون مصيرها قمامات الأزبال، مرجعا ذلك إلى ما اسماه سوء أعمال الحصاد والتخزين ووسائل النقل وكذلك السلوك غير الرشيد للبائعين والمستهلكين.
وجاء في التقرير أن العالم ينتج حوالي أربعة مليارات طن من الغذاء سنويا، لكن 1.2 مليار طن إلى مليارين منها لا يستهلك. وهو ما يمثل خسارة غذائية كبيرة في ظل وجود ملايين الجائعين في العالم، ما يمثل مأساة يجب أن تنتهي إذا كان للعالم أن ينجح في التصدي لتحدي سد احتياجاته من الغذاء مستقبلا.
ويضيف التقرير إن 30 إلى 50 في المئة من الغذاء الذي يباع في البلدان المتقدمة يتخلص منه المستهلكون ويكون ذلك عادة لسوء فهم مدلول تواريخ الجودة والصلاحية، كما أن بعض الشركات العاملة في مجال تصنيع وبيع المواد الغذائية والأطعمة تضع تواريخ انتهاء صلاحية غير دقيقة بهدف تشجيع الناس على الشراء مرة أخرى، حيث تعمد إلى تحديد تاريخ قريب لانتهاء صلاحية منتوج ما بينما عمره الافتراضي أكبر.
وفي أوروبا تتخلص المنازل من أغذية تصل قيمتها إلى 17 مليار دولار سنويا، تكون صالحة للأكل تماما وعشرة في المئة منها لا تزال معلبة وملفوفة، وعلى النقيض في البلدان الأقل تقدما تحدث غالبية عمليات هدر الغذاء بسبب أساليب الحصاد والتخزين التي تفتقر إلى الكفاءة، أما في بلدان جنوب شرق آسيا على سبيل المثال تتراوح الخسارة بين 37 و 80 في المئة من الإنتاج الكلي لتصل إجمالا إلى حوالي 180 مليون طن سنويا من الغذاء.
محمد واموسي