بغداد ـ «القدس العربي» ـ من مروان ياسين الدليمي: ليس ممكناً الحديث عن النقد العراقي المعاصر منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي بدون التوقف طويلا أمام تجربة ياسين النصير مع الثقافة العراقية، وتأتي أهمية الدور الذي لعبه من خلال متابعته الجادة والعميقة للنتاج الثقافي العراقي في معظم حقوله الإبداعية خلال العقود الخمسة الماضية، كما يؤشر حضوره أيضا فاعلية الدور الذي ينبغي أن يمارسه الناقد في تفكيك المشهد الثقافي وفي قراءاته النقدية بأدوات معرفية وخزين ثقافي تراكمي، لم ينقطع عن التفاعل مع حركية النتاج الثقافي في العالم، من هنا جاءت حيوية وحداثوية رؤيته النقدية. ولأنه يكاد أن يكون أقرب إلى مفهوم المثقف العضوي من ناحية رؤيته لطبيعة العلاقة التي تجمع المثقف مع مجتمعه، كان من المنطقي أن يتسم مشغله النقدي في خاصية التفكير المستمر بإنتاج أسئلةٍ تسعى إلى تفكيك ما هو ثابت في الأنماط والمعتقدات والأفكار والمفاهيم. فكان معه هذا الحوار حول أهم القضايا التي طالما اشتغل عليها في كتاباته.
*مفهوم الثقافة يكاد أن يكون مفهوما فضفاضا، كيف ترى هذا المفهوم في إطار الثقافة العربية؟
ـ الثقافة ليست محصورة بما يكتب فقط، إنما بما ينتج، وعندما نتحدث عن الثقافة نتحدث عن الحضارة والطبيعة والبيئة وحقوق الإنسان، وعن موقف المثقف بكل ما يجري في بلده وفي المجتمعات الأخرى، ثم إنني لم أجد في ثقافتنا العربية تأصيلا لغويا أو اجتماعيا أو بحثيا للثقافة أو للمثقف، وكل ما لدينا معتمدون فيه على الثقافة الأوروبية، خاصة الفرنسية والألمانية. وهنا لا بد لنا أن نسأل عن ماهية المثقف؟ ومن هو؟ وهل هو المفكر الذي ينتج الأفكار؟ أم هو الشخص الذي يكتب؟ أم هو الإنسان الذي يفكر في تغيير وتطوير بنية مجتمع؟ كل هذه الأسئلة تذهب باتجاه الحديث عن هوية المثقف، هذه الهوية التي أعود بها إلى أفلاطون عندما يصف السفسطائيين بأنهم منتجو رأي، بمعنى أنهم حرفيون في إنتاج الرأي. هذه الحرفية معناها أنه مؤسسة إنتاجية، والرأي بمعنى مواقف ومبادئ وأفكار، والحرية بمعنى التنظيم الاجتماعي للعلاقات داخل البنية الاجتماعية، فالمثقف يمتد حضوره التأسيسي من سقراط، ابتدءا من مقولته «إعرف نفسك» وصولا إلى المثقف كبنية تقنية. وهنا نسال: أين السلطة؟ أنا دائما أبحث عن سلطة المثقف في المجتمع وليس عن السلطة، لأن المثقفين على طول التاريخ كانوا هم الذين يغيرون ويبنون المجتمعات والأفكار وليس الدولة ولا الأحزاب، وهنا في مجتمعاتنا لم يتحقق ذلك لأننا لا نملك مفهوما للدولة ولا للوطن.
*ومَن هو المثقف وفق رؤيتك؟
ـ المثقف هو السلطة المعرفية لفهم الواقع الاجتماعي، منذ أن أسَّسَ سان سيمون عام 1821 مفهوم المثقف ووصفه بأنه السلطة المعرفية الاجتماعية وهو الذي يقود المجتمع إلى التنوير، وتبنى هذا الرأي أوغست كونت، بمعنى أن المثقفين هم القادة العمليون لتطورات المجتمع وليسوا تابعين لأحد، فنحن عندما نتحدث عن المثقف الذي يصفه غرامشي بأنه المثقف العضوي والشامل الكلي الذي يصفه ميشيل فوكو بالمثقف الخصوصي أو المتخصص، والذي يصفه سانتا بالمثقف الإنساني أو المثقف الكامل، وهكذا نجد توصيفات للمثقف تتبع الفلسفات التي يؤمنون بها، وليس المثقف شتَّام أو نهَّاب أو مُتَّهم. المثقف في الحقيقة لا يشكل طبقة، إنما هو جزء من شرائح. في طبقات النظام الرأسمالي يوجد مثقفون، وفي المجتمعات الاشتراكية يوجد مثقفون وفي العمال يوجد مثقفون وفي كل الطبقات الاجتماعية يوجد مثقفون، ولذلك هم شرائح مثقفة في كل الطبقات الاجتماعية ليسوا متوحدين، كلهم يمثلون أفكار وهواجس الطبقات التي ينتمون إليها، ويعبرون عن الأفكار التي ينتمون إليها، ولكن من يوحدهم في الواقع هي المواقف، الموقف من تحقيق المصير الإنساني، الموقف من البيئة، الموقف من حقوق الإنسان، من العدالة، من الاستبداد، من العنف، من الظلم. هذه المواقف تشمل كل الطبقات المهيمنة والمضطهدة، والمثقف دوره هنا أنه يكون حتى ضد طبقته عندما الموقف يستحق أن يتخذه.
*ما بين السلطة والثقافة هنالك فجوة اصطبغت بالاشتباك والتعقيد والصِدام، لماذا؟
ـ القاسم المشترك ما بين الثقافة والسلطة هي المعرفة، فهي الحلقة الوسطى التي تبني الثقافة وتنظم السلطة، والمعرفة تعني التقنية، والتقنية تعني التكنولوجيا أو التكنوقراط، والمثقف هو التكنوقراط وليس المنتمي إلى أي جهة سياسية، وما أن ينتمي سوف يتبنى أيديولوجية الجهة التي انتمى إليها، ولذلك التقنية هنا بمعنيين، أولا إنتاجه أن يكون تقنيا وفي الوقت نفسه رؤيته لبناء المجتمع تقنية، ومن هنا يعيّن أفق السلطة ولا يخضع للسلطة. ومن تقنيات المثقفين الجامعة، فالجامعيون كلهم ينتمون إلى الثقافة، ولكن الجامعة إذا صارت سياسية أو اتّبعت السلطة فقدت القدرة على بناء المجتمع، بمعنى أنها اهتمت بأيديولوجية السلطة في حين الجامعة مؤسسة تدميرية لكل ما هو ثابت.
*مجتمعاتنا العربية تعيش أزمة حقيقة في بنيتها، ربما لغياب القوى المجتمعية التي يمكن المراهنة عليها في عملية البناء، أين تضع رهانك لإحداث التغيير؟
ـ كل الحركات الاجتماعية والسياسية في العالم لا بد أن تكون مدنية، بمعنى بنية مؤسسات مجتمع مدني، ليست عسكرية ولا حزبية، أي أن مؤسسات المجتمع المدني هي التي تفكر، وهي التي تبحث وتستنتج، وهي التي تضع أفق المستقبل، على سبيل المثال الثورة الفرنسية قادتها مختلف الفئات الاجتماعية، ولكن المدينة كانت هي الأساس، بنية المدينة هي الأساس، مؤسسة المدينة هي الأساس، وهي التي قضت على سلطة الأمراء والاقطاعيين وسلطة رجال الدين، لأن المدنية لا تعني أيديولوجيا، إنما هي مجموعة أفكار تنتظم ضمن مؤسسات تغيير المجتمع ليس لها علاقة بالدين ولا الأحزاب، هي علاقة بحق الحقوق بالعدالة، برفض الاستبداد بالتعيين والتكافؤ بالوظائف، بحقك كمواطن وإنسان، بمعنى أن للحق لسانا، فالمجتمع المدني هو الذي يحقق لسان الحق.
*ما المسؤولية التي ينبغي أن يتحملها الشباب في علاقتهم بمجتمعاتهم؟
ـ كل أفكارنا تتعلق بنهضة الشباب لأنهم هم الذين يبنون المجتمعات في أعمارهم القابلة للتطور، وهم عماد المستقبل، وعلى الشباب أن يتخلصوا من أيّ تبعية إلاّ تبعية الفكر المدني الذي ينتظم في تطوير المدينة ومؤسساتها، فالشباب لابد أن يأخذوا دورهم في مؤسسات المجتمع المدني، وفي مؤسسات مفتوحة الفكر، ويتوجب عليهم أن يقرأوا أو أن يتعلموا من الفلسفات الكبيرة، لا أن ينغلقوا لأن مفهوم المجتمع المدني ومفهوم الشباب هو المستقبل، وهو مفهوم الثمار المقبلة، وإذا ما حددنا من الآن نوعها من المحتمل أن تكون فاسدة ولهذا تقع على الشباب مسؤولية تنوير وتثوير المجتمع وتغييره أيضا .
*هل كان المثقف العراقي على درجة من المسؤولية في علاقته مع مجتمعه؟
ـ المثقفون في العراق كانوا وما زالوا يؤدون دورهم، وأنا أجدهم يمتازون عن بقية مثقفي المنطقة العربية بأنهم كانوا دائما مع التيار المدني واليساري، بمعنى أنهم مع الأفق المستقبلي للبلد، ومن بداية العشرينيات من القرن الماضي، وقبل هذا التاريخ وبعده ارتبط المثقفون بالحركة التنويرية الاجتماعية، وقسم منهم انتمى إلى الأحزاب اليسارية وقسم منهم بقي على مفهوم الطبقة الوسطى، ولكن بالعموم حركة المثقفين في العراق كانت وما زالت تقدمية، ولذلك ما أنتجوه من علاقات اجتماعية، ومن آفاق معرفية وثقافية لا نجد له مثيلا في البلدان العربية وإلى اليوم تعتبر هذه الشريحة هي الأكثر توحيدا بين الشرائح الاجتماعية الأخرى، لاحظ الآن ضعف الطبقة العاملة والفلاحين، لكن المثقفين مستمرون في إعادة بناء أنفسهم رغم اختلافاتهم الأيديولوجية، الانتماء الأيديولوجي للمثقف شيء خاص به لكن كمثقف في المجتمع عليه أن يكون مع التقدم، مع الحرية، مع التطور. صحيح أن القلة منهم ارتبطت بالسلطة، لكن من ارتبطوا بالسلطة ليسوا مثقفين منتجين. هؤلاء كانوا في الحقيقة مستفيدين من علاقتهم بالسلطة. والمستفيدون موجودون في كل الشرائح الاجتماعية، ولا نقيس على هؤلاء كمثقفين ولا نقيس على المثقف الموظف، لأن المثقف الموظف أيضا يخضع إلى واجب وقانون معين وإلى رقابة، نحن نتحدث عن المثقف داخل المثقف الذي يتبنى الثقافة كمنهج حياة، يتبنى الثقافة كسلوك، وله الحق في أن يغيّر السلطة عن طريق بناء مؤسسات، وبناء أفكار جديدة، وبعمل قطيعة مع الموروث الجامد.
*ارتبط المثقف العراقي بشكل أو بآخر بعلاقة مع العمل السياسي، كيف تقيّم لنا العلاقة بين المثقف والسياسي؟
ـ السياسي أُمِّي وهناك قلة بينهم يفهمون تقنيا ما هو مفهوم السياسة، والمعرفة التي يمتلكها المثقف لا يمتلكها السياسي، ولهذا يسعى إلى تجويع وإذلال المثقف. معرفة المثقف معرفة فلسفية، ومعرفة تجربة ومختبر يومي، هي معرفة لغة ومعرفة بحث ومعرفة كتابة وتشخيص ونقد، بينما السياسي لا يملك كل هذا، في الحقيقة السياسي يخاف من النقد لأنه صاحب سلطة، يخاف من النقد لأنه يخشى أن يفقد امتيازاته، والمثقف ينبغي أن يتعالى على السياسي وعلى السلطة، لأنه يملك من المعارف ومن خصوصيات المعرفة أكثر مما يملكه رجل السلطة.
*الدّين لا يزال يشكل عاملا مهيمنا وفاعلا في تحديد خيارات المجتمع، كيف تقيّم دوره في المجتمع العراقي؟
ـ هنا لا بد أن نستذكر مقولة مهمة لماركس «الدين في مرحلة نشوء الدين يمثل عقل الشعوب» أي أنه نقل المجتمعات من العهود البدائية إلى مرحلة تحكم العقل، وهذه مرحلة بشرية إنسانية اجتماعية كبيرة جدا، كان الدين هو الذي شخَّص هذه النقلة التاريخية في أن يكون العقل المتحكم في الحياة، فالعقل هو الذي يضع القوانين ويضع الحقوق ويبسط العدل ويعطي كل ما يبني المجتمع، هذا هو الدين، ولكن الدين عندما يصبح تقاليد وطقوسا وعادات آنذاك يدخل منطقة الوهم. والوهم يغري الفئات الشعبية البسيطة ذهنيا، بينما دين العقل يوجد فيه فلاسفة وعلماء ومفكرون ومجتهدون مِن واضعي الأصول الدينية، الذين أنقذوه من الأسطورة والبدائية والشفاهية والعقل التبسيطي للأمور، هذا هو الدين، لكن القيمين على الدين حولوه إلى سلطة، إلى مؤسسة دينية، هُم أخذوا دور الإله على الأرض، ولكي تكون لديهم هذه السلطة استولوا على جغرافية الأرض، ولهذا خضع الفلاحون لهم، ومذّاك استولوا على الجغرافية الروحية للإنسان، بحيث جعلوه مرتبطا بالغيبيات، فالدين أساسا نقلة عقلية في تفكير الشعوب. أما أن يتحول إلى وهم وشعائر وطقوس وتقاليد لكي يربح منها البعض من رجال الدين هنا يصبح الدين وَهْما، وهؤلاء أساءوا إلى مفهوم الدين العلمي، فالإله المقصود هنا ليس الإله الذي يؤمن به رجال الدين، إنما الإله الذي يؤمن بحق الإنسان ومستقبل الإنسان، لذلك عندما قالوا للإنسان هذا الإله لك تمسك به، لكنه في الوقت نفسه يجد نفسه الإنسان العادي المعزول عن هذه الطبقة التي تتحكم باسم الدين بثقافةِ وحقِ وقوتِ الناس، بمعنى تدخل رجال الدين بكل شيء. بأكلهم وشربهم وزواجهم ولبسهم وبنومهم وأحلامهم، لم يتركوا للإنسان الحرية، وفي الحقيقة هذا هو الوَهْم.
*مجتمعاتنا العربية والإسلامية تعيش اليوم زمنا تعصف به الفوضى والعنف والدماء، أين هي مسؤولية الفعل الثقافي إزاء هذه الصورة؟
ـ الثقافة بريئة من الدم الذي تتحمل مسؤوليته السلطات والطبقات المهيمنة، الثقافة الحقيقية بريئة من كل هذا الظلم والعنف ومن كل هذه الدماء. في الواقع ليس هناك مثقف حقيقي يؤمن بالعنف والدم والاستبداد وسلب حقوق الآخر. ولأن السلطة محكومة بمبدأ القبيلة والغزو، ما زالت الثقافة العربية تتحكم بها القبيلة، ما زالت العقلية الدينية والعصبية القبلية إلى اليوم هي التي تتحكم بالحياة، حتى أن موضوع السنة والشيعة هو جزء من العصبيات القديمة، وليس جزءا من الإنسان الحديث المعاصر، هذه النزعات القديمة أعيدت من جديد لأنها تقوي سلطة الحاكم وتمتن هيمنته وتجعله هو المتحكم، فيأتي المثقف البسيط الساذج يلتحق بهذا الركب ويبرر الدم والغزو ويضع تبريرا للحرب، ولكن الثقافة بالمنهج الإنساني والعلمي والتقني بعيدة عن كل ما هو سلطوي ودموي.
*كيف ترى مستقبل الثقافة في العراق؟
ـ لا يمكن الحديث عن الثقافة بدون الحديث عن منظومة كاملة، فالثقافة ليست كيانا مستقلا، لا عن الاقتصاد، ولا عن النقد، ولا عن السوق، ولا عن الشارع، ولا عن حركة الناس، ولا عن مؤسسات العمل ومؤسسات الدولة، الثقافة بنية من بنى المجتمع، هذه البنية معناها علاقات. والثقافة نتيجة علاقات بين مؤسسات المجتمع، بين طبقات المجتمع، بين فئات المجتمع، لا يمكن أن نتحدث عن فن تنظيم مدينة بدون أن نتحدث عن تنظيم العِمَارة، ولا يمكن أن نتحدث عن تنظيم العِمَارة بدون أن نتحدث عن تنظيم السكن، ولا يمكن الحديث عن تنظيم الناس التي تسكن بدون الحديث عن بنية الأسواق أو بنية النقل والمواصلات، أو وسائل التواصل الرقمية الحديثة، أي أن الثقافة ليست كلاما يُكتب، وإنما حياة تعاش، والحياة التي تعاش بمعنى تعاش بكل حواس الجسد. ومعيارنا النقدي للثقافة أن يكون جسدك في المجتمع يمتلك حريته الكاملة، لا أحد يعتدي عليك بالنَّظر ولا بالملبس ولا بما تأكل ولا بالصوت العالي، لأن الثقافة تنظيم اجتماعي هائل المديات.