النانة منت الشيخ أحمد… صوت موريتانيا «المعاصر»

حجم الخط
0

نواكشوط – عالي الدامين: النانة منت الشيخ أحمد، اسم حفر نفسه في آذان المُستمعين للموسيقى الموريتانية المعاصرة. قدمت من خارج الوسط الفنيّ الرسميّ التقليدي الذي يحتكرُ مُجتمعياً الاشتغال على الموسيقى. ومثّلت إلى جانب قلّة قليلة من الفنانين الموريتانييّن حالة متميّزة، في الوسط الفنيّ العام في البلاد، نظراً لأصولهم الانتمائية غير الفنية طبقياً، وإبداعهم في مجالٍ طالما بقي ضمن طبقةٍ مُعينة هي طبقة «إيكاون» المناط بها ثقافياً واجتماعياً عن طريق التوارثِ الاختصاصَ في الفن الغنائي- الموسيقى، داخل سُلّمٍ من التراتبيّة الاجتماعيّة الطبقيّة.
في لقاءٍ مع النّانة في منزلها، مع «القدس العربي»، كان الفنّ طاغياً بشدّة، كحضور مُشارك له أنسه الخاصّ. حدّثتنا عن بدايتها، حين سلكت في العام 1998 طريقاً لا تنتهي أشواكه ووروده. هي التي منذ وُلدتْ بدأتْ تهوى الفنّ صغيرةً، في وسطٍ عائليّ، يولي الفنّ قيمة كبرى لم تكن تتصوّر أبداً «أنه لكي تصبح فنانة يُشترط أن تكون منتميّة لأسرةٍ فنية عريقة». فالإبداع تضرّ به مثل هذه الشروط الاجتماعية الباليّة، وفق ما تقول لنا.
غنّت النّانة في جميع جهات موريتانيا، في سهراتٍ وحفلاتٍ كثيرة، وبذلك أكّدت موهبتها الغنائيّة باكراً، حتّى استطاعت أن تتموقع على الساحة الفنيّة، بتميُّزٍ. في أغانيها، تتناول مسائل عدّة، مع التركيز أساساً على أشواق الحب وآلام الفراق التي تعتري قلب العاشق. وقد جعلها ذلك لاحقاً من أفضل الفنانات الموريتانيّات اللاّتي غنيْن «التبراع» الذي يُعبّر محلياً عن الشعر النسائيّ اللّهجي في فضاء الصحراء، موريتانيا تحديداً، المُعبّر بدوره عن مشاعر المرأة العاطفيّة إزاء الرجل في مُجتمع أبويّ لا يسمح للمرأة بالإعلان عن مشاعرها العاطفيّة.
وتقول عن التبراع أنه «مجال إبداعي تفوقت فيه المرأة وكان نتيجة للكبت الاجتماعي الضيق المُمارس عليها». لذلك كان طبيعيّاً أن لا تُعرف قائلاته في الغالب الأعمّ؛ كفارساتٍ مجهولات الاسم، في معركةٍ يُمارس فيها المجتمع دور الرقيب الأخلاقي الدينيّ الشديد. بغناء النانة للتبراع يتخلّص من مجهولية اسم مُبدعته الأصليّة، ويعبُر بعيداً نحو آذانٍ كثيرة ستخلّد ذكراه بصيغة صوتها العذب.
الفنانة التي غنّت مشاركة مع «أساطير» فنيّة موريتانية عدة، وصفتها الفنانة الكبيرة ديمي بنت آبه قبل سنواتٍ من رحيلها بـ»الفنانة العظيمة» ذاتَ سهرةٍ غنائيّة، في العاصمة الموريتانية نواكشوط، هي من مواليد العام 1980 في مدينة تجكجة (شمال).
تتذّكر النانة اليوم تلك الذكريّات الفنيّة السعيدة، التي عاشتها سابقاً، برفقة فنانين كبار، وتتألّم حسرةً، على مصيرها المنبوذ في الحاضر، داخل الوسط الفنيّ الرسميّ الحالي. فهي بعد أن عبرتْ بإبداعها الفني حدود ذلك الوسط الاحتكاريّ، وجدت نفسها قبل سنواتٍ من الآن ممنوعة من المُشاركة في مُسابقة «النغمة الذهبيّة» المرعيّة رسمياً من قبل الدولة، لا لشيءٍ سوى أنها «لاتنتمي لأسرة فنية عريقة». تقول: «أمر صادم جداً بالنسبة لي، فأنا بعد أن توّفرت فيَّ الشروط الإبداعية المُعلنة، التي تخوّلني مُباشرةً للمشاركة في المسابقة، تفاجأت أنهم أضافوا ذلك القرار الاحتكاريّ المُقصي لي، باعتباري قد قدمت من خارج الوسط الفنيّ الرسمي في موريتانيا».
الحسرة تلك التي تُعبّر بها عن عقدة الانتماء الفنيّ المشروط، كمحددٍ رسميّ، تُقابلها بأملٍ كبير في الآن نفسه، يتلخص في ثقتها بجمهورها الجمّ، الذي ينساق وراء جماليّة صوتها فقط، مُحطماً كل الحدود الاجتماعية الثقافية الباليّة، التي تقتل الابداع الفنيّ، بسبب معايير سلطويّة احتكاريّة تقليديّة. ذلك الجمهور المتفهم ، إلى حدٍّ بعيد. وتتمنّى أن تجدَ فرصةً مهرجانيّة كبيرة لـ»السّهر معه حتّى الصباح، ذات شتاءٍ، والقمر يتوسّط أعالي السماء، في أحد أماكن الدّاخل الموريتانيّ المحببة إلى قلبي بشكلٍ كبير، لأتمكن ترجمته بكلماتٍ عاديّة».
رغم الاقصاء الفنيّ الرسميّ المُمنهج، تعبر النانة عن إيمانٍ متحرر بصوتها. ذلك كشرطٍ أساسيّ عندها، في تشكيل شخصية الفنان وتطوير أدائه. فـ»الابداع لا يكون بالاعتراف حسب معايير المُسابقات الرسميّة، ولكن باختلاف المُبدع وتميّزه الخلاق». تقول ذلك عرضاً لرؤيتها الفريدة حول الفنّ كجمالية عُلياً؛ ذلك أولاً، وكنوعٍ من العزاء لها في الوقت نفسه ثانياً.

النانة منت الشيخ أحمد… صوت موريتانيا «المعاصر»

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية