«النبيّ والترهُّبّ» للبناني الأب حنَّا إسكندر: دراسة علمية مقارنة حول تكامل الأديان

صدر عن دار بيسان في بيروت للكاتب اللبنانيّ الأب حنَّا إسكندر، كتاب بعنوان: «النبيُّ والترهُّب». وهو في طبعته الأولى سبتمبر/ ايلول 2015.
تنطلق فكرة الكتاب الرئيسة من دفع الشُبهات والتهم الموجّهة لشخصية النبيّ محمد «ص» في كتب التراث العربيّ عبر الأحاديث الواردة عن سيرته وحياته. سبقت مقدمة الكتاب كلمتا تقديم الأولى لأحمد محمّد كنعان، قاضي المحكمة الشرعيّة، وهي بعنوان: «الدعوة لكلّ طالب علمٍ أن يتدبّر آيات القرآن بكل تجرّد». والثانية لمها خيربك ناصر، أستاذة جامعيّة وباحثة في قضايا فكريّة، بعنوان: «الفكرُ الإيمانيّ الحرّ وتكامل المعرفة الدينيّة». ذكرت فيها أن: «ما توصّل إليه الباحثُ من معطيات دينيّة وتاريخيّة تبيّن التماثل الجوهريّ بين قضايا أساس تجمع بين المسيحيين والمسلمين، التي تظهر حقيقة وحدة الأديان في الجوهر، ليكون الكلّ تحت رحمة إله واحد رحيم غفور محبّ، بعث الرُسل من أجل كرامة الإنسان وحريّته وخلاصه وكماله». والكتاب كما يذكرُ المؤلِف، هو القسم الأوّل من أطروحته للدكتوراه في العلوم الإنسانية التي نُوقشت في معهد الآداب الشرقيّة في جامعة القديس يوسُف في بيروت.
يبيّن الكاتب في المقدمة أن كُتب السيرة النبويّة ورواة الأحاديث استفاضوا في زواج الرسول «ص» من العشرات من النساء، وقد احصاها احدُهم حتى بلغت 41 امرأة، لكن حسب نظرنا والكلام للكاتب: «إنّه منها براء. ويتساءل في الوقت نفسه: أيعقل من رجل تزوّج 41 امرأة وليس لديه أولاد سوى من خديجة؟ لماذا لا ينجب من البنات الأبكار أطفالًا أو من الأرامل الفتيات، أيضًا؟!
قُسّم الكتاب إلى تسعة فصول، جاء الأوّل بعنوان: المسيحيّة في البلاد العربيّة، وتناول فيه محاور: خريطة الانتشار العربيّ قبل الإسلام، والمسيحية تدخل بلاد العرب، وهل الكعبة كنيسة بحسب القرآن الكريم والمصادر الإسلاميّة؟ ولماذا يسمى عيد النبي إبراهيم عيد الأضحى؟ شرح كلمة حجّ.
وتناول الفصل الثاني الحياة الرُّهبانيّة قبل الإسلام، وفيه تم الحديث عن الحياة الرُّهبانيّة قبل المسيح، والحياة الرهبانية المسيحية، والحياة الرهبانية عند العرب، ورهبان من خلال القرآن الكريم.
أشار المؤلف في الفصل الثالث، أيضًا، إلى الأدلة التي استعملها الرهبان عن وجود الحياة الرهبانية العربيّة؟ وتناول في الفصل: الترجمة العربية للكتاب المقدّس، وترجمة كتب الصلوات، وترجمة منظومة الفردوس لمار أفرام السريانيّ، وترجمة مكاريوس المنحول.
ويتابع المؤلف في الفصل الرابع الكلام على النذور الرهبانية من خلال القرآن، وتمت في الحديث على: الطاعة، والعفة والفقر. وعالج الفصل الخامس الذكر أو ذكر الله ، وأخذت دراسة مجموعة من النقاط: مفهوميّة عامّة، ومفهومية الذِّكر بين القرآن الكريم ومكاريوس المنحول. وكان الفصل السادس بعنوان الإسلام، واحتوى النقاط التالية: إسلام زيد، ومفهوميّة كلمة «إسلام» ومشتقاتها، والمسلمون قبل المسيح، والمسلمون.
وجاء الفصل السابع حول التحنّف والحنيف، ودرسَ الموضوع من جوانب: حسب القواميس العربيّة، وحسب تاوذورس أبي قرّة، وحسب مكاريوس سمعان المنحول، وحنيف من خلال الشعر الجاهليّ، وحسب المصادر الإسلاميّة، والمعنى الجديد. وتناول الفصل الثامن الحياة الرهبانيّة من خلال المصادر الإسلاميّة، واخذ المحاور: رهبان غار حرّاء، والصلاة. وعالج الفصل التاسع أهمية الرهبان في عصر الرسول، وتمّت دراسة: الرسول والرُّهبان، ورهبان مسلمون.
إنّ هدف هذا الكتاب تقديم دراسة علميّة مقارنة بين مصادر إسلاميّة ومسيحيّة، فرأى الأب حنّا إسكندر أن مفهوم الإسلام هو التسليم المطلق لإرادة الله، وأن كلمة الحنيف لغويًّا تعني الناسك، فالمسيح، اذن، مسلم لأنّه قضى حياته لا يعمل إلا بإرادة الله، ولذلك كانت كلمة مسلم تُطلق على الراهب الناسك المتعبّد. تمايزت هذه الدراسة بمنهج علميّ، يقوم على الاستقراء والقياس والفرز والتحليل والحجّة والبرهان، فاستندت إلى الإنجيل والقرآن وإلى النصوص الدينيّة وإلى الأخبار والأحاديث في كتب التراث والأدب المتنوّعة.
لقد عاش الرسول «ص» حياة نسك وطاعة وإيمان وتعبّد وصلاة وغربة وفقر جسدت حياته قمة الصبر والتنسك والإيمان. فرأى الأبّ حنّا إسكندر أن النبيّ محمّد يجسّد قمة الرقي الإنسانيّ والحضاري والإيمانيّ، ويرى فيه، أيضًا، صورة المثاليّة لبعده عن الانغماس في الملذات الجسديّة، لكونه النموذج الأعلى للإيمان والطهر والقيادة والأخلاق والصبر والأمانة والحكمة والمعرفة والصفح والعفو. يعتبر هذا الكتاب من الكتب المهمة في الدراسات المقارنة التي تؤسس لوعي جديد في فهم الشخصيات التاريخية، وفقًا لمنطق علميّ أكاديمي بعيدًا عما هو متداول بين الناس.

باحث عراقي

عدنان الهلاليّ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية