سواء احتوى الجيش الإسرائيلي ردود فعل حماس أم انقض عليها في الداخل، فإن دولة إسرائيل تكبدت هزيمة في غزة. ظاهرًا وعمليًا هذا نجاح لحكومة اليمين، ولا نتحدث هنا عن الأمر ونقيضه بل عن سياسة مغرضة. فشعب إسرائيل والجيش الإسرائيلي غارقان في حرب دائمة في الجنوب، وفي الشمال وفي الضفة. النتيجة اليوم هي أن الدولة والجيش يعرضان كأداة فارغة، بعد أن بات الأسد في طريقه إلى القنيطرة، وحماس هي التي بدأت بالهجوم، هي التي تفضلت بالموافقة على وقف النار، والأسوأ من هذا، هي التي ستجر إسرائيل إلى الحرب.
في هذه الأثناء تنجح الحكومة في أن تصون في كل الجبهات أوضاع توتر نازفة ومهددة تمنع السير إلى تسوية سياسية. واضح أن من لا يريد تسوية سياسية بحاجة إلى عدو مهدد على الجدران، ووضع متفجر في القطاع، في الضفة وفي الشمال ليخدم هدفه في كل الجبهات، وبالمناسبة، في ضوء الشرير الإيراني الذي يطور تهديدًا تلقائيًا.
أين المعارضة؟ سؤال ممتاز وجواب إشكالي. تقول تسيبي لفني إن «المشكلة في غزة يجب حلها بطريق عسكري وسياسي»، هذا هراء. الخيار العسكري يتطلب اقتحامًا بريًا، ثم يتطلب قصفًا جويًا وبالمدفعية، ثم إلى قتال تحت أرض في أنفاق غزة السفلى، حينئذ بالتأكيد سننتصر. المشكلة هي أننا سنعود بالضبط إلى النقطة ذاتها التي يهدد فيها العدو، فيما الحكومة ترفض التسوية السياسية، وهذه بالضبط سياسة الحكومة. أما الطريق السياسي الذي تتحدث عنه لفني فهو الوحيد وذو الصلة، غير أنها ترفقه بالطريق العسكري فتعطل نيتها نفسها. أسوأ منها آفي غباي، الذي يتحدى نتنياهو في أنه «لا يظهر زعامة» (أي يهجم على غزة). إن الطريق الوحيد الحقيقي لحل المعضلة الغزية هو تخفيف الحصار حقًا وفورًا، لا كأجزاء مصطنعة ومشاريع بنى تحتية وسائر التسهيلات الوهمية. فقط فتح فوري، أحادي الجانب للبحر والمعابر، أي «الاستسلام»، حسب بينيت.
إن من يحتمل نتائج سياسة حرب دائمة بقوى متدنية هم الغزيون، والإسرائيليون والجيش الإسرائيلي. الحقول المحترقة وأعمدة الدخان، في هذه الأثناء، ليست سوى زينة للحرب السياسية داخل الائتلاف. بينيت ضد نتنياهو وكذلك العكس، وإسرائيل كاتس يلقي بالملف على ليبرمان، وفي ظل ذلك يكشف الحقيقة عن الأحداث في غزة وفي الشمال: «على ليبرمان أن يجلب إلى الكابينت اقتراحًا لتحديد سياسة واضحة تجاه غزة»، يقول كاتس في الكابينت. ويطلب من ليبرمان «إسقاط حماس وتصفية الإرهاب أو الانفصل عن كل مسؤولية مدنية». انفصال؟! بينيت يقول إن هذا استسلام وهو محق. وهذا بالضبط ما يجب عمله من أجل الخروج من الورطة: الاستسلام والإعلان بأننا انتصرنا.
مع أصدقاء كهؤلاء
هذا الأسبوع، التقى في هلسنكي دكتاتور يقتل معارضيه من الداخل ورئيس جاهل، صبياني ومجنون بالغرور. لا يهم بوتين شيء في العالم غير روسيا، التي هي دميته الخاصة. ولا يهم ترامب شيء في العالم غير الولايات المتحدة التي هي عنده ملك مهمته تحسينه وكتابة اسمه بأحرف من ذهب على مدخله. أما العالم فسيبقى بعدهما، وفي هذه الأثناء فإن من يأخذ الصندوق هو بوتين. وهذا لا يهم ترامب، فكل هذه الرئاسة عنده هي تسلية غرور من نوع برنامج الواقعية التلفزيوني.
أما النتائج فهي موضوع آخر؛ فقد انسحب من الاتفاق النووي مع إيران وفرض عليها عقوبات. قبل أسبوع من اللقاء مع ترامب، زار موسكو علي أكبر ولايتي، المستشار الكبير لخامينئي، ووقع مع بوتين على استثمار روسي بمقدار (50) مليار دولار في منشآت غاز ونفط في إيران. ترامب فتح حربًا تجارية مع الصين، التي دخولها إلى سوق الاستثمارات في إيران كفيل بأن يجعل كل الخطوة الإيرانية التي اتخذها ترامب مثالة إطلاق النار على الساق. هو كفيل بأن يشتري من نتنياهو كل فكرة غريبة تلوح له، ومن جهة أخرى كفيل بأن يلقي بالفكرة وبنتنياهو من الجرف إلى الهوة. إيرانيون؟ في قمة هلسنكي لم يسمعوا عن أن هناك إيرانيين في سوريا، صحيح أنهم سمعوا بأن قراصنة إلكترونيين روس كانوا يتدخلون في انتخابات الولايات المتحدة، ولكن ترامب يصدق بوتين. باختصار، «قمة النكتة» برأي أمريكيين كثيرين، وثمة رؤساء أجهزة أمن واستخبارات من بينهم يعتقدون بأن ترامب كان هناك بصفته خائنا.
ليس واضحا لماذا يتأثر الجمع هنا من أن بوتين تفضل بالموافقة على خطوط 74 في سوريا. فقد أغصب نتنياهو على الموافقة مع شد على الأسنان على بقاء الأسد على الحدود بعد سبع سنوات من القتال. ولكي نفهم وضعنا بعد القمة ونفهم كيف هزمنا في سوريا، يجب مراجعة تسلسل الأحداث في الأشهر الأخيرة. لا حاجة للمرء أن يجلس في مكتب آيزنكوت كي يفهم بأن الروس والسوريين يتوجهون إلى درعا في الطريق إلى القنيطرة، بل يكفي أن نقرأ المقالات هنا في السنتين الأخيرتين. المصلحة المشتركة لايزنكوت ونتنياهو في الأشهر الأخيرة كانت إبطاء سقوط درعا وانهيار الثوار، ولكن لم يكن للاستخبارات الإسرائيلية سبيل للفهم كم من الوحشية سيستثمر في الهجوم على درعا.
في هذه الأثناء، ومن أجل تأخير الهجوم الروسي ـ السوري، فقد خلقوا قبل نحو شهر على الحدود الشمالية توترًا مفتعلاً، لم يكن أكثر من عرض غاية عديمة الجدوى في صورة «أمسكونا». فقد أدخل الجيش الإسرائيلي في حالة تأهب فرقة كاملة. وتحدث نتنياهو هراء عن «انزلاق للنار» سيرد عليه بحزم، وقيل في حينه أن ثمة أنباء عن ميليشيات إيرانية (متخفية)! في طريقها إلى الحدود مع إسرائيل. دبابة عسكرية إسرائيلية قصفت موقعًا سوريًا، ثم إن سلاح الجو، بقوة العادة، نزل على أهداف لا تقدم ولا تؤخر.
في هذه الأثناء نزلت طائرات سلاح الجو الروسي بالقتل على درعا وأحدثت دراما انهيار سريع وآلاف اللاجئين على الجدار. ولانعدام الوسيلة لديه، سافر نتنياهو للقاء «صديقه» بوتين قبل اللقاء مع ترامب. قصة سفر نتنياهو هي عقدة شديدة من المصالح المتداخلة والأحداث التي تحت الأرض، لدرجة أن المرء يحتاج إلى أن يلتقط أنفاسه كي يفهم: نتنياهو يسافر إلى بوتين محاولاً إنقاذ سيطرة ما في جنوب هضبة الجولان. أما إبعاد الإيرانيين فهو أحبولة لأغراض «الانجاز». والهجمات المنسوبة لسلاح الجو لن تغير ـ استراتيجيًا ـ نتائج الحرب (سلاح الجو خارج اللعب، وهو يحرص أساسًا على نفسه حين يصفي إمكانيات الصواريخ المضادة للطائرات).
هناك حالة في حديث نتنياهو ـ بوتين يستخدم فيها نتنياهو ترامب، ويحتمل أن يكون ترامب قد ألقى له شيئًأ ما عن قصد، واذهب لتعرف في الهواء الخفيف حول ترامب من قال ماذا ولماذا.
قبل أن يسافر للقاء بوتين، عقد نتنياهو ـ كما هو الحال دوما ـ محادثات مع «أصدقائه» الأمريكيين، من بينهم ليندزي غرام، سناتور جمهور وافنجيلي ظلامي. من شبه المؤكد أنه روى له ما الذي سيقوله لبوتين.
كل أمريكي يدرك الأمور يعرف بأن ترامب يريد أن ينصرف من سوريا، ذلك الفعل الذي هو بصراحة مناقض لمصلحة حكومة اليمين ونتنياهو. وها هو غرام، مثلما في فيلم توتر، وتمامًا قبل ساعات من لقاء نتنياهو ـ بوتين، يحذر في حسابه على «تويتر» علنًا حكومة إسرائيل: «لا تتوصلوا إلى توافقات مع روسيا حول الوضع في سوريا على حساب مواقف الولايات المتحدة في الموضوع». وهكذا إلى هذا الحد أو ذاك، انتهت رحلة نتنياهو إلى بوتين حتى قبل أن تبدأ. من حظه أن كانت هناك مباراة كرة قدم. واستخدام كريه لأطفال مرضى السرطان، جاء ليزحلق تحقيقات الشرطة.
معاريف20/7/2018