النخلة والأبنوسة… نظرة سريعة إلى الثقافة السودانية

حجم الخط
1

تقع الآداب والفنون السودانية، في الوعي الثقافي العربي، على مساحة تمتد بين المجهول لدى العامة والمعروف سطحيا لدى المثقفين. ولو كان في هذا القول شيء من تعميم ربما كان مخلّا، فلنلطّفه باستثناء الروائي الطيب صالح، ثم – إلى حد قصير – المغني سيّد خليفة المشتهر لدى العرب بأغنيتي «المامبو السوداني» و«ازيكم كيفنكم» (أو «ايش لونكم» كما حورتها الذاكرة العراقية).
وفي هذا حسرة… لأن أقل ما توصف به الآداب والفنون السودانية هو انها «مختلفة». وهذه الحقيقة وحدها كفيلة برفع قيمتها عندما يتعلق الأمر بنوع الإضافات الضرورية التي يمكن ان تثري الثقافة العربية – الإسلامية عموما والعربية خصوصا. وإذا أضفت إلى هذا أنها نفسها عالم فسيفسائي عريض، تضاعفت لديك تلك القيمة مرات عدة.
يتجلى أبرز سمات هذا الاختلاف في الموسيقى السودانية. فمع انها فتحت الباب للسلالم الشرقية استماعا وتذوقا – وأيضا صناعة في مناطق شتى أبرزها مواطن الأعراق العربية في كردفان مثلا – فقد تخيرت السلم الخماسي لتيارها الموسيقي العام. والخماسي – كما يتضح من اسمه يتألف من 5 درجات على السلم الموسيقي (مقابل 6 للغربي و7 لسلم مثل النهوند العربي- من مجموع 12 نغمة متاحة في أي «اوكتاف» أو المسافة بين النغمة الأصل وجوابها). والخماسي، لمن ظن انه لا يعرفه، هو ذلك الذي تقوم عليه موسيقى الشرق الأقصى – كالصينية واليابانية – ويعتبر أيضا بمثابة الجذع في شجرة «البلوز» الأمريكية.
أما سر وقوع الموسيقى السودانية في السلم الخماسي فيتعلق – إضافة إلى العوامل التاريخية – بثلاثة عوامل. وأول هذه سهولة تعلمه، لأنه يحوي القدر الأقل من النغمات اللازمة لتكوين الجملة الموسيقية الكاملة. وثانيا، لعذوبته وخفة وطئه على الأذن وبالتالي سرعة استيعابه لدى السامع. وربما كان هذا العامل الثاني هو السبب في أن معظم الموسيقيين الغربيين والشرقيين على السواء يجدون في الخماسي أفضل السلالم لمؤلفاتهم الموجهة رئيسيا إلى الصغار.

الغابة والصحراء

أول ما يلاحظه الباحث أن قضية التعدد العرقي والديني والثقافي والبحث في الهوية السودانية الواحدة انعكست بكثافة قصوى على الشعر والتشكيل قبل غيرهما من ضروب الآداب والفنون. ففي مجال الشعر تدفق بتيار قوي يعرف باسم «الغابة والصحراء» (الغابة رمزا إلى العنصر الأفريقي والصحراء إلى العربي). وكان بين أبرز أصواته النور أبّكَر بمجموعته الشعرية «صحو الكلمات المنسيّة»، وصلاح أحمد ابراهيم في مجموعتيه «غابة الأبنوس» و»غضبة الهبباي» (رغم إصراره المدهش على أن السودانيين هم عرب العرب)، ومحمد عبد الحي في ديوانه «العودة إلى سِنّار»، ومحمد المكي ابراهيم في ديوانه «امتي» وكثيرون غيرهم أعملوا قرائحهم في هذا المجال. مبتدع تعبير «الغابة والصحراء» هو النور أبّكَر. ومجموعته الشعرية «صحو الكلمات المنسيّة» نفسها جاءت معززة بمذكرات عنوانها «لست عربيا ولكن..!» وفي هذه الأخيرة يتحدث عن تجربة عيشه في المانيا في أوائل الستينيات ويلخصها بقوله: «انتباهي إلى مسألة الغابة والصحراء تم لي وأنا في محيط حضاري غربي رفض هويتي الأفريقية حين أفكر، ورفض هويتي العربية حين أكون». وكان أول ذكر لعبارة «الغابة والصحراء» قد ورد في مجموعته «صحو الكلمات المنسية» (وتعني صحو الوعي الأفريقي في بلاد تتحدث العربية). انظر قوله: «نسقي، نرعى / مولود الغابة والصحراء / من هذا الطافر كالجبل الأسمر / كمنارة ساحلنا الأزرق».
ثم انظر قول محمد عبد الحي وهو يلخص مسألة اللغة – الهوية: «افتحوا الليلة أبواب المدينة / – بدوي أنت؟ / – لا / – من بلاد الزنج؟ / – لا. أنا منكم. تائه عاد.. يغني بلسان ويصلّي بلسان».

مدرسة الخرطوم

إذا افترضنا جدلا أن الشعر الفصيح حكر على «المتعلمين» ووجد بالتالي قدرا من العسر في التغلغل إلى رجل الشارع البسيط، فقد تمكن التشكيل من النفاذ بسهولة كونه فنا مرئيا لا لوازم مسبقة لفهم مفرداته.
ومن هنا تولى أمر الهويّة السودانية وازدواجها العربي – الأفريقي رواد التشكيليين الذين صقلت مواهبهم تجربة الدراسة في اوروبا والاتصال المباشر بالفنون الغربية وعادوا إلى السودان لنشر الفنون الجميلة باعتبارها «علما يدرّس في المؤسسات الاكاديمية على مختلف مستوياتها».
وكان أبرز هؤلاء (شيخ التشكيليين السودانيين الآن) ابراهيم الصلحي خاصة عندما مضى – مع علميْن تشكيلييْن آخريْن هما عثمان وقيع الله ومحمد أحمد شبرين – لإدفاق التيار الفني الذي عُرف باسم «مدرسة الخرطوم».
هؤلاء الثلاثة – بما أتاحت لهم طاقتهم الهائلة من وصول بفنّهم «الجديد» إلى رجل الشارع – وضعوا نصب أعينهم تناول المادة السودانية الخام (مثل زخارف الصناعات اليدوية التقليدية) و»تكريرها وتصفيتها» أولا في وعاء التعريف الكلاسيكي للفنون التشكيلية، وثانيا في وعاء محدد هو جماليات الحرف العربي وهو أحد أبرز «الفنون الجميلة الإسلامية». ومع ذلك فلم يكن الغرض هو «سوْدَنة» تجربة هؤلاء الرواد المكتسبة وراء الحدود بقدر ما كان بلورة الفن السوداني – بترابه ونيله وصحرائه وغاباته ومختلف أبعاده الاجتماعية والدينية – كهوّية متفردة تستحق ان تصبح بين مفردات القاموس التشكيلي العالمي.
ويقول الصلحي إن استخدام الحرف العربي قاعدة للتشكيل يفرض نفسه – على وجه الخصوص – لدى «جماعة البعد الواحد» العراقية، (اتخذت اسمها من أن الحرف العربي يقوم على بعد واحد هو في الواقع أصل الأشياء)، وداينموها المحرك الراحل شاكر حسن آل سعيد. على ان ما يميّز مدرسة الخرطوم هو انه بينما يوظف الفنانون العرب الحرف للتعبير عن «ثقافة عربية إسلامية»، فإن السودانيين يوظفونه للتعبير عن «ثقافة عربية إسلامية لا يمكن ان تنزع عنها عنصرها الأفريقي الأسود».

آخرون

بينما اتخذ تيار «الغابة والصحراء» الشعري و»مدرسة الخرطوم» التشكيلي من الهوية العربية – الأفريقية مادة إبداعية في حد ذاتها، انهمك آخرون في نوع الإبداع الذي يتوقعه المرء في بلاد تبدأ بالنخلة في شمالها وتنتهي بالأبنوسة في جنوبها. وإليك أسماء على سبيل المثال فقط: التشكيليان حسين شريف وحسن موسى، والمغنون ود الأمين ورشا شيخ الدين، والشاعران المهدي المجذوب وعالم عباس، والمسرحيون هاشم صديق وتحية زروق ومكي سنادة، والناقدان معاوية نور وعبد القدوس الخاتم… وقائمة بطول البلاد.

تفرد

تاريخيا، تجد ان الطريقة التي حل بها الإسلام في السودان صارت بين أهم منابع التفرد الثقافي في البلاد. فقد صارت البلاد هي الوحيدة لم يأتهـا الدين الجديد بحد السيف، وإنما بالطبل الصوفي. وصار «السوداني» بمر العصور «عربيا» لأنه عربي اللسان والدين رغم أن «العربسلامية» هذه لم تغير اسوداد لونه ولم تسلبه فطرته الأفريقية. وأضف إلى هذا ان بلاده تبدأ بالصحراء ونخلها شمالا وتنتهي بغاباتها الاستوائية وأبنوسها جنوبا، وتستضيف – جنبا إلى جنب مع الإسلام – ديانات تبدأ من مختلف العقائد الوثنية وتنتهي بالمسيحية.. وتتحدث بمئة لسان ولسان.
هذا التعدد الثقافي القائم على العنصرين العربي – الإسلامي من جهة والأفريقي الصرف من الأخرى صار بحد ذاته هو «الهوية» السودانية المتفردة بعنصريها العربي والزنجي. وفي سبيل النظر في هذه الخاصية ومكوناتها ومعناها ومضامينها نُصبت منابر فكرية شهدت مجادلات عميقة منذ عقدي الستينيات والسبعينيات الماضيين في أعقاب الاستقلال. وهذه جدالات لا تزال مستمرة حتى بعد انفصال الجنوب الأفريقي الخالي بشكل شبه كامل من الأثرين العربي والإسلامي.

نار تحت الرماد

بالإضافة إلى تميز الثقافة السودانية بكونها تضع ساقا في العروبة وإسلامها وأخرى في الأفريقية وموروثها الشفاهي، فهي لم تغلق أبوابها في وجه أي رياح من أي جهة أتت. ومثلا، على عكس المغرب العربي الكبير الذي استدعت ظروفه التاريخية والنضالية أن يسعى إلى محو القدر الأكبر من تركة الاستعمار الفرنسي، فطن السودانيون إلى أن التركة الثقافية البريطانية تعادل وزنها ذهبا. فاحتضنوا، مثلا، نظام التعليم الغربي وجعلوا الانكليزية لغة رسمية ثانية. وهكذا صارت «كلية غردون التذكارية» (جامعة الخرطوم لاحقا) أحد أكبر الصروح الأكاديمية في عموم العالم العربي وأفريقيا (حتى السبعينيات عندما أختطفها العسكر).
أما العامل الأهم على الإطلاق في «ذلك الطعم الخاص» فيتعلق أولا وأخيرا بالتأويل السوداني للإسلام.. إذ اعتبره شأنا خاصا بين المرء وخالقه لا دخل للدولة أو غيرها به. (ما لله لله وما لقيصر لقيصر). وكان أحلى ثمار هذا النهج السليم تنامي العقل الفلسفي الذي أشاع القناعة بالخطر العظيم في الجمود وأهمية الشك والبحث والتيقن، ثم اعتبار اليقين نفسه ساكنا مترهلا بحاجة إلى الحركة اللانهائية. وكان طبيعيا أن يؤتي هذا الحال نقلة نوعية في سائر ضروب الثقافة وعدت برفعه إلى مرتبة لم تشهدهما المنطقة من قبل.
ولكن..! أتى على السودانيين من قال إن الله أسرى به فوق سماء الخرطوم فأتت حقبة مجبدة إلى ختام. ومع ذلك فالناظر اليوم إلى مسرح الأحداث السودانية يرى تحت الرماد وميض جمر.. والنار بالعودين تذكى. عود التشكيل وعود الشعر مجددا؟.. سنرى!

صلاح حسن أحمد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية