النزعة الوجودية في أدب الحرب «الخوف في منتصف حقل واسع» نموذجاً

«الخوف في منتصف حقل واسع» هي المجموعة القصصيّة الثالثة للكاتب السوري مصطفى تاج الدين الموسى، وقد صدرت عن دار «المتوسط» في إيطاليا أواخر عام 2015. تتألف المجموعة من 99 قصة قصيرة وقصة قصيرة جداً، تتنوّع موضوعاتها بين الهمّ الذاتي (القلق، الضياع، الحبّ، الخيبة) والهمّ العامّ (الاستبداد، الحرب، تفكّك العلاقات الاجتماعية)، وغالباً لا ينفصل الهمّ الذاتي عن الموضوعي، وهذه هي السمة الأولى (الالتزام) من سمات الوجودية في المجموعة، فـ»الكاتب لا يحقّق وجوده إلا بالكشف عن المواقف، وهو ملتزم بمعنى أنه مشارك في زمنه» (ساتر). ويختلف الالتزام عند الوجوديين عن الالتزام عند الواقعية الجديدة، فالأخير أيديولوجيّ بينما الأول إنسانيّ.

الفضاء السردي

المكان عنصر أساسي من عناصر تشكيل الفضاء، ولو أن الفضاء أوسع منه بكثير، ويتميّز المكان في مجمل قصص «الخوف في منتصف حقل واسع» بأنه مُحدَّد وغير محدود في آنٍ معاً. فالمكان هو غالباً: (غرفة الكاتب، المقهى، الحانة). وبدرجة أقل: (الشارع، الحديقة). وهو ما يشي بدايةً بالوحدة والعزلة عن المجتمع. وغالباً ما يتأثث المكان بطاولةٍ وكتب وأوراق وأقلام وصور ولوحات، ويكون بطل القصة (الراوي بضمير المتكلم) يشرب القهوة أو النبيذ، ويدخّن السجائر بكثرة. وهكذا تدور معظم القصص في المكان الذي أثثه الكاتب، وهي الأمكنة ذاتها التي يعيش فيها ويرتادها. يدخل الزمان كبُعد رابع للمكان، ليجعله غير محدود.
وللزمان أهميّة لا يمكن تصوّرُ المكان دونها، فالزمان هو الأفق الذي نطلّ منه على مسألة الوجود (هيدغر)، ويُعتبر الزمنُ تجربةً نوعيّة لا كميّة حين يكون مُسقطاً على المسافة أو المكان (برغسون). وهكذا تتنوّع تجلّيات الزمان في قصص المجموعة، مؤديةً إلى تنوّعٍ في أبعاد المكان، وبالتالي الانتقال من فضاء سرديّ إلى آخر بسلاسة. فمثلاً يستخدم الزمن الطبيعي ليعطي للحدث أبعاده ودلالاته، كأن يشير إلى زمن الحرب، أو المظاهرات في بداية الثورة، أو فترة خروجه من سوريا.
وتراهُ يوظّف الزمن السيكولوجي مراراً، ويتميز الزمن السيكولوجي بأنه نسبي وذاتي، وبأنه متّصل غير متقطّع إلى دقائق وثوانٍ. كقوله بعد خيبة عاطفية: «المسافة بين غرفتي الضيّقة والحانة المتواضعة، كنتُ أقطعُها بثلاث سجائر، صارتْ بعد هذه الخيبة تستغرقُ مني نصف علبة سجائر». وقوله: «نهدُكِ وحدَه كلَّفني زجاجةَ نبيذ كاملةٍ من الشرح».
وتراهُ يستخدم الزمن الميتافيزيقي في قصص عديدة، وهو ليس زمناً منعدماً، إذ هو زمن متخيَّل أدبياً. وهو ليس زمناً أسطورياً كذلك، لأنه لا يدور وفقاً لجدليّة الموت والبعث. وهذا الزمن هو ما يجعل الفضاء السردي عند الموسى غيرَ محدود، ومنفتحاً دائماً على عوالم غرائبية مدهشة. ففي قصة «عندما أسأتُ إلى سُمعة السعادة الأبدية في الجنّة» يحدّثنا عن طالب وطالبة جامعيّين، يسافران معاً من العاصمة إلى مدينتهما البعيدة، وعندما تتوقّف الحافلة عند الحاجز العسكري للتفتيش، يأخذُ كلٌّ منهما البطاقة الشخصية للآخر عن طريق الخطأ، ما يؤدّي إلى مقتل الشاب عند الحاجز، ثم انتقاله إلى العالم الآخر، وهناك يدخلُ إلى الجنّة لأنه يحمل بطاقة الطالبة الصالحة، بينما تذهب هي إلى النار لأنها تحمل بطاقته وسجلّ أعماله الآثمة.

الأسلوب

يرى سارتر أن المضمون يوجد أولاً، ثم يخلق الشكل الملائم له. وهكذا تتنوّع الأساليب التي اعتمدها الموسى تبعاً لتنوع المواضيع. فهو يكتب نصّاً واقعياً عن الحرب، ويحدّثنا عن الطفلة التي قُتل والداها، فتذهب لعند الصيدلاني لتشتري دواءً يُعيد أمّها إلى الحياة بسبع ليرات ونصف الليرة. ويكتب كذلك نصّاً من الواقعية السحرية مثل «الجميلة النائمة في عربة قطار»، ففكرة القصة (وفاة امرأة وهي نائمة في قطار) تحدُث في الواقع وفي أيّ مكان، لكنه صنعَ من الحدث العادي نصاً ساحراً، عندما جاءَ برجُلين يقعان في حبّ هذه المرأة النائمة، وكلٌّ منهما يظنُّ أنها زوجةُ الآخر، ليبدأ التنافس بينهما، ويبلغ الصراع الداخلي ذروته.
ولا يكاد نصٌّ في المجموعة يخلو من السخرية السوداء، حتى في أكثر المواقف مأساويةً. كقوله: «بعد مئة مظاهرة، اعتقله حماةُ الفزّاعة، كان كل ليلة بعد إرجاعه إلى الزنزانة بعد حفلة تعذيب في فرع الأمن السياسي، يجلس.. يبتسم.. يشعل سيجارة وهو يضع ساقه المكسورة على ساقه المشوّهة، ثم يشرح للمعتقلين الشباب الطرق المضمونة لتطبيق بنات المدرسة الثانوية».

الموضوعات

ينشأ الأسلوب الوجودي في التفكير كلّما وجدَ الإنسان أمنَه مهدّداً، ولذلك ازدهرت الوجودية في البلدان التي تقوّضت فيها البنية الاجتماعية، وأُعيدَ فيها تقويم القيَم من جديد. والأدب الوجودي إشكالي، فهو ينبّه القارئ إلى مشكلاته من دون أن يزعم حلَّها. ونجدُ أن الموضوعات التي ركّز عليها كاتب «الخوف في منتصف حقل واسع» هي الموضوعات المتكرّرة في الأدب الوجودي.

أولاً: الموت والانتحار

يبدو الموسى مسكوناً بالموت، لأسباب شخصية وعامة، ولا غرابة بعد أن صار الموت حاضراً في حياة السوريين أكثر من الحياة ذاتها. فتراهُ سوداوياً متشائماً، يعيش أزمةً وتمزّقاً واغتراباً دائمين. وعندما تتعمّق الأزمات النفسية لإنسانٍ ضائع في عالم عبثي، يجنح إلى الانتحار كبابٍ وحيد للخلاص. فيحدّثنا في قصة «أنا وإله المنتحرين والحياة جميلة» عن محاولة شابٍّ حاول الانتحار برمي نفسه من مبنى، وعندما يُنقل إلى المشفى في حالة غيبوبة، يبدأ الصراع بينه وبين شخص داخلَه يُسمّى «الحياة جميلة»، تنتهي القصة بنجاة الشابّ من الموت وفشل محاولة الانتحار، لكنّ ذلك مقابل موت نصفه القرين «الحياة جميلة».

ثانياً: التشوّهات النفسية العميقة

في حالة الوحدة والعزلة والاغتراب النفسي والجسدي، يظهر الحبُّ كمخلّص وحيد من العدم، لكنّ جميع محاولات أبطال القصص لإقامة علاقة حبّ سليمة تفشل، لأن أحد أطراف العلاقة (أو كليهما) يعاني من تشوّهات نفسية عميقة. إما بسبب الاستبداد والكبت الاجتماعي، أو بسبب ثورة الاتصالات التي حوّلتْ المشاعر إلى بيانات رقمية. ففي قصة «حبّ المرضى» يحدّثنا عن علاقة حبّ افتراضيّة بين شابّ وشابة تعمل طبيبة في دولة بعيدة، يتبادلان الكلام الجميل والورود الافتراضية يومياً، وعندما يستطيع الشاب الوصول إليها بطريقة ما، تتجاهلُه تجاهلاَ تاماَ، فهي تحبّه كرسائل فقط، فيسارع للانتحار برمي نفسه من النافذة. وكعلاج للألم النفسي الحادّ، يلجأ أبطال القصص إلى الجنس، فـ»العلاقات الجنسية تعبير عن إحباط ذاتي» (سارتر). فيحاول بطل قصة «عندما انحرفتُ مع الأرملة» أن ينسى خوفه على أهله المقيمين في منطقة تشهد معركةً ساخنة، عن طريق «الانحراف مع أرملة»، ومع أنه «كاتب وابن جامعات وجميل» لكنّ الحربَ والغربةَ شوَّهتاه. وفي النهاية لا تنجح خطة «الانحراف»، لأن السيارة التي تقلُّهما تنحرف عن مسارها، وتموتُ الأرملة بين ذراعيه.

ثالثا: هجاء المجتمع

هناك علاقة مفقودة بين الأديب الوجودي والعالم الخارجي، الأمرُ يتجاوز رفض المؤسسات والاغتراب النفسي إلى شيء أعمق، هو أن حياة الأديب لا تنسجم مع طبيعة الحياة القائمة في عصره. فينغمسُ في عملية نقد مأساوي للحياة السياسية والاجتماعية. فنرى الموسى ثائراً على نظام الاستبداد في سوريا، الذي حوّلَ الناس إلى موتى يسيرون على أقدام. ففي قصة «قائمة الوفيات»، يتصفح البطلُ جريدةً في مقهى، فيجدُ صفحاتها مكرَّسةً لتمجيد الزعيم وبطولاته في السياسة والاقتصاد والرياضة، فينتقلُ لقراءة قائمة الوفيّات لعلّه يجدُ اسمَ الزعيم فيها أيضاً، ومع كلّ اسمٍ يقرأهُ في قائمة الوفيات، كان أحدُ روّاد المقهى ينهضُ ويرفع يده ويقول: حاضر!
ومع أن الحديث عن هذه القصص الحافلة بالإدهاش والإبداع لا ينتهي، لكني اكتفيتُ بالتركيز على النزعة الوجودية التي أراها سمةً عامة للمجموعة، واتجاهاً مُبشّراً في القصّ العربي.

كاتب سوري

عبد الكريم بدرخان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية