في كتب النحو موضوع عنوانه الاختصاص، أو النصب على الاختصاص. وذلك في مثل قولك:
* نحن المعلمين نؤدي رسالة التنوير. أعربوه: المعلمين: مفعول به منصوب بفعل محذوف وجوبا مع فاعله تقديره أخص.
* إنك أيها الطبيبُ مطالبٌ بمعالجة المرضى. أعربوه: أيّ مبني على الضم في محل نصب مفعول به لفعل محذوف وجوبا مع فاعله تقديره أخص. ها: حرف تنبيه لا محل له من الإعراب. الطبيب: نعت أو بدل مرفوع.
موضوع النصب على الاختصاص مشكل:
أولا: لا آية قرآنية واحدة فيها ما هو منصوب على الاختصاص.
ثانيا: وردت شواهد قليلة جدا فيها النصب. فقد جاء في الكتاب قول الشاعر:
إنا بني منقر قوم ذوو حسب
وشاهدان آخران، ثم قول لبيد بالرفع:
نحن بنو أم البنين الأربعهْ.. إلخ.
يفتخر بكرمهم. أمّا إعراب المنصوب فعلى ماذكروه، وأما الرفع فعلى المبتدأ والخبر.
وذكروا أن سبب النصب المدح والافتخار، وهذا السبب نراه أيضا في قول لبيد الذي جاء مرفوعا لا منصوبا. بل إن الرفع أدلّ على الفخر. فالقائل: إنا بني منقر، أراد أن يعرّف السامعين بقومه، وكأنهم من مجاهيل الناس. ولو رفع: إنا بنو منقر، لكان أدخل في باب المدح والفخر. وعليه الأسلوب القرآني، ومنه: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي)(سورة طه 14). فهل لك ان تقرأها بفتح لفظ الجلالة على الاختصاص؟
ثالثا: إعراب النصب بالمحذوف عناء بلا فائدة. فالمحذوف وجوبا، هنا، لا دليل على وجوده أصلا، فكيف يُحذف ما هو غير موجود؟ لو كان قد جاء في نص واحد قديم ثم حُذف في النصوص اللاحقة تاريخيا لقلنا إن كلامهم صحيح، أي أنه استعمل في مرحلة من مراحل التطور اللغوي ثم ارتضى الناس حذفه وجعلوا ذلك الحذف واجبا. ولا شك في أن ثمة مواضع للنحويين فيها مساغ لتقدير محذوف، حسب قواعدهم، كما لو جاء بعد إذا اسم. وليس هنا مساغ لذلك.
ثم لماذا كان الحذف واجبا؟ ألا أستطيع أن أكتب هذه الجملة، مثلا: (أنتم، أعني المعلمين، تؤدون رسالة التنوير)؟
تغيير الحركة الإعرابية، لا علاقة له بتقدير فعل محذوف وجوبا مع فاعله. ذلك أن العربي الفصيح يُستثار انتباهه إذا تغيرت الحركة الإعرابية من الصحيح إلى غيره، فينتبه إذا لم يكن منتبها. فليكن إلفات النظر هو العلة المعنوية بدلا من التقدير، تماما كما اعتبروا الابتداء علة معنوية لرفع المبتدأ.
وبالرفع لك إعرابان، وهذا مثال:
نحن المدافعون عن الوطن: مبتدأ وخبر. وفيه افتخار.
نحن المدافعون عن الوطن نستشهد في سبيله: مبتدا وخبر وجملة: نستشهد..، تكملة بالحال. وفيه افتخار أيضا. فإن أبيت هذا الإعراب فإن قواعد النحو في البدل تجيز لك أن تعتبر: (المدافعون) بدلا من الضمير نحن. وجملة نستشهد خبرا.
أما المثال: إنك أيها الطبيبُ مطالبٌ بمعالجة المرضى. فعليه هذه الملاحظات:
أ- إنه من المستوى الثاني من أساليب التعبير. لأن أدوات النداء والخطاب لها الصدارة في الكلام. فاصل التعبير: أيها الطبيب إنك مطالب بكذا.
ب- إعرابهم لكلمة (أيّ) غريب جدا، إذ قالوا: إنه مبني على الضم في محل نصب مفعول به لفعل محذوف وجوبا مع فاعله تقديره أخص. فإذا كان الفعل المحذوف هو أخص، فسيكون تقدير الكلام: إنك أخص ايها الطبيب..، فهل في هذا شيء من المعنى؟ فإما أن تقول: إني أخصك أيها الطبيب، وإما أياك أخص أيها الطبيب. ثم ما الدليل على صحة هذا الإعراب؟ ولماذا هذا العناء والتعقيد؟
وختاما أرى أنه إذا جاء نص فصيح فيه تغييرٌ بحركة الإعراب، سواء في هذا الباب أم في غيره، فهو لإلفات النظر، فحسب. وليكن إلفات النظر علة نحوية معنوية مثل علة الابتداء في رفع المبتدأ.
باحث جامعي عراقي – لندن.