النضال السلمي من تجارب الشعوب إلى الواقع الفلسطيني

حجم الخط
3

■ منذ أن طُـُرد الفلسطينيون من أرضهم رسموا درب عودتهم فوق الحواجز والأسلاك الشائكة، فكانت فلسطين هي قبلة الروح، سواء تسلل الفدائيون إليها من الأردن أو سوريا، أو عبروا البحر من لبنان وصولاً إلى يافا وحيفا. ومازال الشعب الفلسطيني بعد أكثر من ستين عاماً يكتب قصة كفاحه ونضاله ضد الاحتلال بدم أبنائه في ظل اختلال دائم لموازين القوى العسكرية لصالح المحتل.
واليوم، على الرغم مما أنجزته المقاومة الفلسطينية من تطور في أدائها في صد العدوان الاسرائيلي على غزة، من خلال تطوير الصواريخ ومداها وفاعليتها وخلق حالة من الرعب بين صفوف الاسرائيليين، إلا أن هذا التطور، ومهما بلغ مداه، في ظل حصار قطاع غزة براً وبحراً وجواً، وفي ظل تردي الحال العربي الراهن، ما هو إلا تعبير عن إرادة البقاء والحياة، ولا يمكن أن يشكل حالة توازن مع قوة الاحتلال الاسرائيلي وآلته العسكرية المتطورة.
وأمام المجزرة التي تجري على أرض غزة اليوم، طفى على السطح من جديد، التفكير بالنضال السلمي وأهميته لضمان عدم الانجرار إلى ملعب القوة العسكرية، الذي يتفوق فيه الاحتلال الإسرائيلي، وذلك استناداً الى تجارب قاومت الاحتلال بالنضال السلمي، وانتصرت عليه، وحققت آمالها في الاستقلال، كتجربة غاندي في الهند، وتجربة مانديلا في جنوب افريقيا. وهذان المثالان صحيحان فهما يشجعان على اتباع مسار النضال السلمي، ويُعتبران قدوة للشعوب التي تقع تحت الاحتلال، ولا تمتلك قوة عسكرية تجاري بها قوة وترسانة المحتل العسكرية. لكن هذين المثالين صحيحان في ظروفهما، وفي المناخات التاريخية المحيطة بهما، التي هيأت لمثل تلك الانتصارات، وأي نسخ ولصق لتلك التجارب على الواقع الفلسطيني، هو من باب التمني والمساواة الشكلية والرومانسية السياسية، التي لا تستند الى أي مقومات مادية حقيقية، لأن الهنود والأفارقة كانوا جزءاً من النسيج الذي يعتمد على تعاونه الاحتلال، كي يستطيع إدارة المناطق المحتلة، فكانوا مكونا أساسيا في البنية التحتية لاقتصاد الاحتلال، وكانوا مواطنين ربما من الدرجة العشرين، لكن لا يستطيع الاحتلال القيام بواجباته في المستعمرات بدون تعاونهم ورضوخهم لمصالحه، لذلك كان أي إضراب أو عصيان مدني يقوم به الشعب الواقع تحت الاحتلال، يؤثر مباشرة على المحتل، ويخلق حالة من الإرباك لا تمكّنه من الاستمرار باحتلاله، ودفع هذه الكلفة الباهظة، خاصة إذا طالت المدة وامتد الإضراب أو العصيان على كل الأرض المحتلة.
وكي لا نبتعد كثيراً في الأمثلة التاريخية على مستوى العالم، فنظرة بسيطة إلى الوراء تبرز أمامنا ثورة الحجارة كثورة سلمية انتصرت وهيأت الجو لاعتراف الاحتلال الإسرائيلي بأن هناك فلسطينيين لهم الحق في هذه الأرض، وهذه الانتفاضة ما كانت لتثمر لو لم يكن الفلسطينيون كشعب على احتكاك مباشر بالاحتلال، وجزء من النسيج الذي يعتمد عليه المحتل لإدارة احتلاله، وتقع على عاتقه مسؤولية مباشرة في تأمين سبل العيش لهم، إن كان على مستوى الغذاء أو الماء أو الكهرباء أو استتباب الأمن وغيرها من الخدمات.
وإذا كانت النظرة إلى الماضي البعيد أو القريب هدفها أخذ العبر والاستفادة من دروسها لرسم صورة النضال في المستقبل، فإن نظرة إلى الواقع الفلسطيني بعد أوسلو، الذي جاء كأحد النتائج المهمة لانتفاضة الحجارة ، تبين أن الاتفاق لم يحقق الأهداف الفلسطينية، بإنجاز دولته المستقلة وعاصمتها القدس، بل جعل ذلك المشوار طويلاً وشائكاً ومعقداً، والأهم من ذلك، ساهم بشكل كبير في تعقيد وتقييد كفاءة النضال السلمي، من خلال إعطاء الاحتلال الإسرائيلي الفرصة أمام العالم كي يكون داعية سلام، وبالتالي خلصه من الضغط والإحراج ، كونه الاحتلال الكولونيالي الوحيد في القرن الواحد والعشرين، وأعطاه هامشاً كبيراً للتحرك والهروب من تبعات النضال السلمي، كافتقاده للدعم العالمي وتعرضه للنقد بسبب سياساته العنصرية.
وأهم تأثير لاتفاق أوسلو على النضال السلمي، إعطاء إسرائيل الفرصة للهروب من مسؤولياتها تجاه شعب يقع تحت احتلالها، وتسليم هذه المسؤولية للسلطة الفلسطينية، وبالتالي، أي إضراب أو اعتصام جماهيري سيؤثر على السلطة، ويقع على عاتقها فضه والقضاء عليه، وفي هذه الحالة، يدير المحتل احتلاله بالوكالة، عن طريق هذه السلطة، ولا يتأثر بشكل مباشر بوسيلة النضال السلمي أيا كانت.
ولاستشعار الاحتلال أهمية هذا الفصل في القضاء على الآثار السلبية التي سوف يرتبها النضال السلمي على مخططاته واستراتيجياته الاستعمارية، تمادى في هذا الفصل وقام بوضع حواجز، تفصل بينه وبين الفلسطينيين بشكل شبه تام، وحاصرهم بالمستوطنات والمستوطنين. وما بناء جدار الفصل العنصري إلا خطوة كبيرة لتأسيس هذا الفصل الحاد بين شعب تحت الاحتلال ومحتل، ما خفف إلى درجة كبيرة من تأثير النضال السلمي على المصالح الاستراتيجية للاحتلال بكافة أبعادها، وما يؤكد هذا القول أن النضال السلمي كان فعالاً ومؤثراً في مناطق التماس المباشرة مع الاحتلال، كما هو في قرية بلعين ونعلين، أو في مدن كالخليل والقدس، أو حتى على الحواجز الاسرائيلية المنتشرة في الضفة الغربية، أو في المعتقلات الإسرائيلية. والنضال السلمي الاكثر تأثيراً، الذي يشكل رعباً حقيقياً للاحتلال الإسرائيلي، هو نضال الشعب الفلسطيني في أراضي 1948، ليس لأنه تحت الاحتلال فقط، بل لأنه جزء لا يتجزأ من بنية المؤسسات والاقتصاد الإسرائيلي، وكل سبل عيشه، رغم التهميش والسياسات العنصرية بحقه، مرتبطة بالاحتلال وتقع على عاتقه.
لقد أعطى اتفاق أوسلو الاحتلال الإسرائيلي القدرة على الانفكاك الاقتصادي عن الفلسطينيين، من خلال عزل البنية التحتية لاقتصاده عن الأيدي العاملة الفلسطينية، ما أفقدها وسائل النضال السلمي ضد سياسات الاحتلال، فلا إضرابهم ولا عصيانهم سيؤثرعلى الاقتصاد الإسرائيلي، ولن يشكل عبئاً وضريبة إضافية عليه، لأن حالة الفصل التي خلقها الاحتلال أعطاه ميزة عدم التأثر بالوضع الاقتصادي الفلسطيني، عندما رمى المسؤولية الاقتصادية والإدارية والمعيشية على السلطة الفلسطينية، فبات أي تحرك فلسطيني شعبي داخل الضفة هو بمواجهة السلطة وليس بمواجهة الاحتلال.
ونتيجة لهذه المعطيات وما يفرضه الشكل المشوه الذي أنتجه اتفاق أوسلو لعلاقة المحتل بشعب تحت الاحتلال، أصبح لزاماً على السلطة الفلسطينية، التي يتعامل معها الاحتلال كدرع يفصل بينه وبين الشعب الذي يعيش تحت الاحتلال، إذا أرادت أن تخرج من هذه الوظيفة أو هذا الموقع، أن تكون سنداً حقيقياً للشعب في المواجهة السلمية من خلال عدم الانصياع لإملاءات الاحتلال، ووقف التنسيق الأمني ووقف المفاوضات، في ظل عنجهية الاحتلال وعدوانه المستمر على كل مكونات الشعب الفلسطيني، وأن تعطي الشعب الفلسطيني اليد الطولى في المواجهة السلمية لكي تستقيم المعادلة وتعود لأصلها احتلالا وشعبا محتلا، وإلا فإن الشعب الذي قدم التضحيات على مدى أكثر من ستين عاماً، سيعلن عصيانه، ليس ضد المحتل فقط، بل ضد سلطة وقفت حائلاً بينه وبين مقاومة المحتل، ولم ترتق لآماله وطموحاته في التحرر.
وإذا كان خيار النضال السلمي هو من بين أهم الخيارات في هذه المرحلة، بالنسبة للفلسطينيين في الضفة الغربية وفي أراضي 1948، فلا يمكن لهذا الخيار أن يكون منطقياً أو متناسباً مع الواقع بالنسبة للفلسطينيين في غزة في ظل الحصار والاستهداف الدائم والقتل الإجرامي الذي يمارسه الاحتلال بكافة الوسائل، بالإضافة إلى غياب الظروف الموضوعية لممارسة هذا النضال من حيث المبدأ، لذلك، يمكن أن تكون غزة الذخيرة الاستراتيجية لتحسين شروط النضال الفلسطيني في كل الوطن المحتل إذا تم استثمارها من قبل قيادة فلسطينية موحدة تحمل أحلام الشعب الفلسطيني أينما وُجد.

٭ كاتبة فلسطينية

سعاد قطناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية