بيروت ـ «القدس العربي»: أن تسأل المخرجة لينا خوري «لماذا؟» في زمننا الجاحد هذا، وأن تقدم عرضاً مسرحياً سياسياً كتبه الراحل عصام محفوظ قبل 45 عاماً، صلبه فلسطين، فهذا يُحسب لها بقوة. زمن ليس لفلسطين وليس لمقارعة المحتل، إنما في العرض المسرحي كما في الواقع قبل عقود يُعدم أحد مؤسسي الحزب الشيوعي اللبناني فرج الله الحلو. يذوب بـ«الأسيد» في «الجمهورية المتحدة» وعلى يد الاستخبارات السورية لأنه عارض «تقسيم فلسطين».
قادرة لينا خوري في تظهير أفكارها، وفي التصدي للصعب. فحين سطر عصام محفوظ بعد هزيمة 1967 نصه المسرحي «لماذا رفض سرحان سرحان ما قاله الزعيم عن فرج الله الحلو في ستريو 71»، لم تكن لينا قد ولدت بعد. لكنها تعيش عمق المأزق الذي يلفنا. حيث القدرة مفقودة في تكوين جبهة يجتمع من حولها الأفراد دفاعاً عن مبادئنا.
معطيات كثيرة عالجها محفوظ، لا تزال سارية المفعول وصالحة للتداول إلى اللحظة. فبعد عروض في حرم الجامعة اللبنانية الأمريكية كإنتاج أكاديمي، كان للمسرحية أن تُفتح أمام الجمهور العريض في مسرح المدينة وحتى الثالث من نيسان/ أبريل المقبل، مستفيدة من دعاية مجانية، أمنها لها هجوم ديني في غير محله، على أنها تتضمن ترتيلاً كنسياً يسيء للديانة المسيحية.
إنها محاكمات ثلاث تنطلق بعد «هيصة وتسطيل» شبه تأمين للشبيبة في «ستيريو 71». لوحة من سبعينيات القرن الماضي وصلت بمواصفات عالية جداً، حيث لكل شخصية كاراكتارها الخاص. خشبة في هرج ومرج وشبيبة تتخذ من اللهو شعاراً وحيداً. ومن خلال الاستفاقة من الغيبوبة تستذكر القضايا العامة، كأنها بصدد واجب. حين تبدأ المحاكمات الثلاث وهي لب النص والعرض وهدفه، يصار لوضع الإصبع على القلب، حيث الوجع المقيم فلسطين. المحاكمات عربية ودولية، وهكذا اجتمع مجد خنق فلسطين من كافة الأطراف، من محاكمة فرج الله الحلو وقتله في سوريا إبان الوحدة مع مصر، إلى محاكمة أنطون سعادة وقتله في سوريا كذلك، إلى محاكمة سرحان سرحان قاتل روبرت كينيدي في الولايات المتحدة، والعفو من الإعدام إلى المؤبد.
محاكمة فرج الله الحلو كانت لخروجه عن الخط السياسي المرسوم. وافق الاتحاد السوفييتي على التقسيم وهو رفضه. وفي السياق عينه تندرج محاكمة سعادة. ففلسطين حينها كانت بوصلته وإليها يصوب النضال. سرحان سرحان يعترف بأن قتله لكينيدي سببه المباشر أنه كان هناك.. في فلسطين. في أرض أبيه وأجداده سنة 1948.
طار عقل سرحان حين عادت به الذاكرة إلى موت أخيه، ولجوء عائلته بعيداً من فلسطين. وكان لحائط المبكى مشهده الخاص ولا شك أن المخرجة أرادته مباشراً وبالحدود التي ظهر من خلالها. فلا لبس بما حدث في الماضي وما يحدث في الحاضر. مواطن عربي بكوفية وعقال يجلس على مقعد خارجي، يأتيه آخر على صدره نجمة داوود طالباً الجلوس قربه. بالطبع العربي مضياف ولا يمانع. يسأله اليهودي «معليش إذا صليت وبكيت»؟ ويكون له مراده. سريعاً يأتي بعائلته ويرمي بالعربي أرضاً.
تعالج لينا خوري موضوعاً حساساً برهافة مطلقة. تقدمه من خلال لوحات مشهدية غنية ومتحركة. مشاهدها تتوالد من رحم بعضها بعضاً. من داخل الستيريو الصاخب على سبيل المثال انبثق والدا سرحان سرحان ليرويا مأساة هجرتهما واستشهاد ولديهما. ومن رحم تلك الهيصة والصخب أتى القاضي والمحامي ومنفذ الحكم أيضاً. العريف «طلال الجردي» يدير اللعبة بتقنية محترف. يلعب بالجميع على مزاجه، أمله أن ينام أهل الستيريو، رغم إدراكه أنهم سيان في نومهم ويقظتهم، فلا حياة لمن تنادي، «غاشيين وماشيين» بحسب ما يحلو للينا وصفهم.
عرض لينا خوري في مسرح المدينة وظّف المساحة الفسيحة لصالحه كلياً. استفاد من رحابته، وشغل كافة أطرافه. كانت مساحة تجمع في اللحظة عينها بين الهرج والمرج، السخرية، المرارة والنظرة الضيقة والأحادية الجانب للأمور. وكان للمخرجة قدرة تقديم أفكارها بسلاسة وحيوية، وكأننا حيال نص ليس له صلة بالسياسة.
أما الختام بصلاة «سيدي» التي كتبها ولحنها زياد الرحباني في السبعينيات، وهو لحن كنسي، ومن ثم وقوع كل من على المسرح موتى دليل إضافي على موتنا السريري. وصلت لينا إلى تلك الحصيلة بما صار لديها من اختبارات ناجحة، وبما لها من قدرات في اختيار من تتعاون معهم لتوصيل أفكارها. وفي هذا العرض تعاونت مع أهم الأسماء في المسرح اللبناني.
هي تحية لينا خوري لعصام محفوظ في ذكرى رحيله العاشرة، ومحاولة لهز الوجدان إن كان لا يزال فيه نبض، بغير ذلك سيبقى العالم العربي برمته مستمتعاً بالإقامة في الملهى الليلي، وبمعاقرة كل ما له قدرة تغييب الوعي. كتب عصام محفوظ في نصه المسرحي ما يفيد بأن «مصيبتنا في صهاينة الداخل أعظم من مصيبتنا بصهاينة الخارج». عبارة وردت في العرض، ولنا أن نزن قيمتها في ميزان الذهب.
زهرة مرعي